ذ. اسماعيل حموش في قراءة ل “التعليم عن بعد وسؤال الجودة وتكافؤ الفرص”

  • اسماعيل حموش (°)

   يأتي التعليم عن بعد، في الوقت الذي لاتزال فيه المنظومة التربوية تسائلنا، ليضعنا  في مواجهة  خيارات مجتمعية، لاسيما تلك المتعلقة ببناء دولة مغربية ديمقراطية، وذات مؤسسات عصرية يسودها الحق والقانون والإنصاف وتكافؤ الفرص، وكذا تحقيق التنمية المستدامة بدء بإقرار الحق في التربية والحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، لكن هذه العملية لا تنتابها العراقيل فحسب، بل عرت أيضا عيوب أنظمة تعليمية لم تنجح أصلا في النموذج التقليدي القائم على التعلم داخل الفصول، والذي ظل يعاني من اختلالات وصعوبات مزمنة بسبب المشاكل الهيكلية التي تعاني منها هذه الأنظمة والتي يقبع غالبها في أسفل المراتب حسب مؤشرات التعليم الدولية.

    وقد مرت المنظومة التربوية بالمغرب بالعديد من محطات الإصلاح، آخرها الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 التي اتخذت كشعار لها: “من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”، خطة يكمن جوهرها في إرساء مدرسة جديدة قوامها الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة للجميع والارتقاء بالفرد والمجتمع، وإذا كان عنوان هذه الاستراتيجية الجديدة هو مدرسة الإنصاف و تكافؤ الفرص، فإن هذا يمر عبر نهج سياسات القطيعة والتغيير وإقرار تمييز إيجابي عبر تطوير التمدرس بالأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص، وهذا ما لا يتحقق عبر التعلم عن بعد، والذي كشف عن قصوره في تحقيق المساواة في الحق في الولوج العادل ولمنصف إلى فضاءات التعلم والانخراط في مجتمع المعرفة والتواصل نتيجة تفاقم الفوارق الطبقية والمجالية.

    إن اتخاذ قرار بهذا الحجم من المسؤولية، ليس بالأمر الهين، خاصة أن الحكومات لم تكن مستعدة بما فيه الكفاية، نظرا لغياب أي تكوين يتيح تدريب أطر التدريس ويسمح بقياس مدى جاهزيتها للتدريس عن بعد، بالإضافة إلى أن العديد من الدول، من بينها المغرب، لم تختبر سابقا التقنيات التي يتيحها التعليم الإلكتروني، ولم تستطع حتى إدخال التعليم عن بعد في الجامعات، هذا ولا يمكن الحديث عن تعليم عن بعد إلا عبر منصة رقمية تفاعلية، وليس عبر بوابة إلكترونية يغيب فيها شرط التفاعلية، فتنمية مهارات التفكير يتم في صفوف دراسية (تعليم حضوري) يحتك  فيها المتعلمون والمتعلمات بحماسة و تتيح قدرا ممكنا من التفاعل بينهم ومشاركتهم بنشاط في عملية التعلم حيث يحاكون مواقف واقعية و يشاركون في مناقشات و يستدمجون طريقة إثبات وجهات نظرهم والدفاع عنها…

    وهذا كله ما يتطلبه التعليم العصري المبني على تجاوز المنطق التربوي المرتكز على المدرس وأدائه وتبني منطق آخر يقوم على تفاعل المتعلمين، ورغم أن مطلب اعتماد التعليم عن بعد شكل، منذ وقت مضى، مطلب العديد من الفاعلين التربويين شريطة توفير شروط إنجاحه، فلا يمكن اعتباره بديلا للتعليم الحضوري وهذا ما أكد عليه القانون الإطار للتربية والتعليم عندما دعا إلى “ضرورة تنمية وتطوير التعليم عن بعد باعتباره مكملا للتعليم الحضوري”، وحتى لو افترضنا أننا نجحنا في تعميم هذه التجربة وبدأ هذا النموذج الجديد من التعليم يأخذ مساحة أكبر، فأي مكانة تحتلها التربية داخله باعتبارها ليست مسؤولية الآباء فقط بل هي دور أساسي للمدرسة.

    والمدرسة هي المكان الوحيد الذي يحتك فيه الأطفال مع أقرانهم ويتقاسمون معهم الأفكار والثقافة، وفيها يتعلمون كيف يتعاملون مع الآخرين وكيف يتحكمون برغباتهم و يتعلمون قبول الاختلاف… كل هذه وغيرها أمور مدرسية وغير متاحة بالبيت، وإن تفعيل التعليم عن بعد في المدرسة المغربية، وما كشف عنه من ارتجال وعشوائية نتيجة غياب التكوين والتأطير، فضلا عن الافتقار إلى الوسائل والمعدات والتقنيات، جعل الأساتذة يشتغلون بالإمكانيات المتاحة لسد الفراغ في التعليم، وضمان استمرار التواصل بين المتعلمين ومؤسساتهم، مكتفين بتسجيل دروس جاهزة، وهذا في حد ذاته أمر غير محمود في كل المقاربات البيداغوجية الحديثة، إذ يشكل عائقا أمام رهان الانتقال من مجتمع مستهلك للمعرفة إلى مساهم في إنتاجها.

(°) إطار تربوي وفاعل جمعوي
 
error: