الكاريكاتور وقوته كفن مشاغب ومشاكس ومحرج

  • محمد اكريران (°)

من البديهي كون أية معرفة مهما كان نوعها وطبيعتها، لا تستقيم إلا بعد استفزازها بالتساؤلات المسلحة بمعاول النقد البناء (على مقاس معول العقل النتشوي الهدام للصنميات)، كلما تأرجحت هذه المعرفة بين الموضوعية والذاتية، وكذلك عند صعوبة تفكيكها بالبحث عما يرضي الجميع من دون استثناء في المجتمعات التراتبية

ولهذا ففي شأن الفنون الجميلة، مثل الرسم الكاريكاتوري كغيض من فيض، هذه الفنون، كلما أردنا قياس مدى قدرة هذا الفن على قابلية توجيه الفكر لتحقيق الأهداف المنشودة والملتزمة بالدفاع عن قضايا مبدئية في المجتمعات التراتبية التي لا تستسيغ وتستوعب السخرية والاستهزاء من سياسة حكوماتها اللاشعبية…

كما ينبغي الأخذ بالاعتبار البحث عما يجعل هذه التجربة الابداعية الفنية الجميلة تسمو نحوى الكمال والارتقاء بالدوام، بأسلوب ساخر واستهزائي ومساهم برماحه المستفزة، وكذلك مراعاة استحسان مضمون بلاغاته وصوابها ارتباطا بما تستحسنه الأغلبية شبه المطلقة في المجتمع

ولهذا من بين التساؤلات التوجيهية في هذا الميدان التي ارتأيت جدوى فاعليتها يمكن اقتراح ما يلي:

كيف تمكن الفن الكاريكاتوري من تبليغ رسالته النضالية؟، من أين استمد قيمته الجمالية؟، ما علاقة الكاريكاتور كفن بالحياة اليومية؟، هل هو تصوير دقيق وموضوعي للواقع؟، ما هي الصعوبات والعراقيل والمخاطر التي تعترض الفن الكاريكاتوري؟، ما مدى قدرة هذا الفن على استيعاب الاعتراض والتكميم واكراهات اغتيال أبطاله؟،

ما مدى قدرة هذا الفن على تجاوز هذه المحن نحو السمو بالصمود والاستمرارية؟، لماذا تصمد قيمته الفنية الجمالية رغم اعتماده على الأسلوب الاختزالي؟، ما هي المدارس التي أسست قاعدة استمراريته؟، ما هي الأسماء التي حملت مشعل هذا الفن عالميا وعربيا ووطنيا؟، بما تميزت مساهمة الكاريكاتور حاليا لمواجهة مشروع قانون 22.20..

أولا/ في باب التعريف بفن الرسم الكاريكاتوري وتأويلات المتلقي، حدثنا الباحث عاطف سلامة (كاقتباس منه) بكون الكاريكاتور ككلمة إيطالية ذات أصل يوناني “caricature”، بمثابة مصطلح ثقافي يعبر عن تصوير فني ساخر واستهزائي لطباع وصفات وتصرفات وأوضاع عينة بشرية غالبا ما تكون نشازا في المجتمع… إانه بلاغة هجائية لاذعة ولاذغة، تستفز مشاعر المستهزئ به ومنه، وبالخصوص أنه يعرض مادته بطريقة تحريفية صائبة واختزالية وتضخيمية وتهكمية واستهزائية.

إنه فن مشاغب ومشاكس ومحرج، يخلط بين الإهانة والهزل؛ بحيث يعتمد على الصورة الهزلية مع التركيز على الجوانب السلبية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصاديةولهذا سماه البعض ب”التصوير الهجائي “الذي سبب المتاعب والمحن لرواده وجعلهم عرضة للتهلكة والاغتيال أو الاقصاء والتكميم كإجراء عقابي من باب مسطرة عقوبة التخفيف، ومن بين أمثلة العقاب المتخذة في حق هذا الفن نجد:

*/ الفنون التشكيلية اعتبرته لقيطا غير شرعي أو “ربيبها”، أو الابن العاق لها…ورغم عدم اعترافها به فقد تمكن من فرض ذاته بعد تنطعه منها واعتماده على الخطوط والرسم الكرافيكي دون ادخال العبارات في الرسوم اثناء تبليغ رسالته واهدافه مثل ما سار عليه علي فرزات كأيقونة للفن الكارياتوري السوري.

*/ في السياسة نجد بعض الزعماء السياسيين قد توعدوا فناني الرسم الكاريكاتوري بشر الهلاك، فمثلا:

1/ نابليون بونابرت لم يرغب في مصالحة رواد الكاريكاتور الانجليز.

2/ اول فنان كاريكاتوري دخل السجن عام1832م في عهد الملك فيليب لأنه رسم هذا الملك بأسلوب ساخر.

3/  هتلر توعد رواد الكاريكاتور، كالروسي السوفياتي “كوكرينسكي” وفنانو فرنسا ان أتيحت له فرصة احتلال بلديهم.

4/ الموساد الاسرائيلي في سنة 1978م تمكن من اغتيال ناجي العلي صاحب “حنظلة..

5/ قوى الشر في العالم ككل خاصة حكام وحكومات المجتمعات التراتبية التي تقوى على فبركة قوانين التكميم وقوانين “كل ما من شأنه “تحت ذريعة تجاوز الخطوط الحمر والممنوع…وتمريرها في غفلة عن الرأي العام المعارض ومثال ذلك لا حصرا جريدة “الهدهد” لأحمد السنوسي (بزيز)

وسبب الوعد والوعيد والمنع والاغتيال في حق رواد الفن الكاريكاتوري، مرتبط باستخدامه المبالغة والتضخيم الاستهزائي في تناوله لقضايا الواقع المر المليء بمعاناة الشعب من القهر والتجويع والتخويف…وهذا ما يكسب الكاريكاتور مصداقيته.

ان اشتغال الفن الكاريكاتوري في ميدان الصحافة كأداة تعبيرية قوية مكنها من تبليغ وظيفتها بعدما استطاع ايصال مادتها الاعلامية/المقالات بأسلوب تشكيلي كرافيكي مفذلك بالسخرية الاستهزائية، فأصبح ينعت بالفن التشكيلي الصحفي (رأي فيستافيس 1973م)، لأن الحديقة الخصبة لاشتغال هذا الفن هو الصحافة، التي عبرها أتيحت له فرصة الاستمرارية والازدهار بأسلوب هجائي استهزائي، اختزالي بسيط، وواضح ودقيق في تبليغ الرسالة المنوطة به بمنتهى السرعة والبداهة كما أنه فرصة المتلقي لشفاء حرقته وبلسمة جراحه (رأي مكسيم غوركي)..

إنه قيمة مضافة ورأسمال معنوي ضخم استثمرته الصحافة بفطنة منها، مما انعكس إيجابيا ومصداقية من طرف المتلقي مهما اختلاف علومه وأفكاره ومشاربه وجنسيته ولغاته…وذلك تبعا لأهداف كل صحيفة وموقعها وتعبيرها وانتماءها داخل المجتمع، انه يسبر ما وراء الاحداث ويبلغها بسخرية فيتلقاها المرسل اليه/القارئ بلذة ومتعة من دون بدل اي مجهود في فهم المادة الكاريكاتورية التي فرجت عنه كربته وخففت عنه وطأة ضنك المعيش اليومي الشحون بالاستغلال المفرط

إنه سلاح صحفي فني مخيف للحكومات عبر التاريخ التي لا تطمئن له، فتجتهد وتراوغ قانونيا لكبحه، كما انه هو كذلك لا يهادنها مهما كانت أساليب ومراسيم وقوانين تكميمه..

وفي حديث آخر لسلامة عاطف متعلق بمدارس ورواد الفن الكاريكاتوري، نجده يرصد لنا ما يلي:

على المستوى العالمي:

*/ اول كاريكاريست هو الإيطالي “نيبال كاراتشي” (1560/1609م)، ومنه اشتق لفظ كاريكاتور..

*/ اصبح هذا الفن كسلاح سياسي مع الرسام الانجليزي “جورج تاوتسهند” الملقب ب “المركيز..

*/ الانجليزي “وليام هوبارت” كمؤسس للمدرسة الكاريكاتورية الانجليزية، وكناقد لعيوب المجتمع..

*/ في المدرسة الفرنسية برز اسم”شارل فيلبيون” (1806/1862م) الذي أسس مجلة أسبوعية تحت اسم “الكاريكاتور” ثم جريدة يومية باسم “الشاريفان” من أجل معارضة الحكومة..

*/ اما المدرسة الأمريكية، فقد كانت سطحية تستهدف الاضحاك فقط بعيدا عن كل ما هو سياسي أو اجتماعي.

على المستوى العربي:

ان المدرسة الكاريكاتورية العربية ابتدأت في:

*/ في مصر: مع مجلة “ابو نظارة” التي أسسها “يعقوب صنوع” بفضل استعانته بالإيطاليين، ومع مجلة الكشكول التي سطع فيها نجوم ثلاثة هم الاسباني “جوان سانيتز” والارميني “صاروخان” والتركي “علي رفقي” (للتوسع يمكن الاستفادة من بهجت عثمان)..

*/ في سوريا: خلال النصف الثاني من السبعينات سيسطع اسم علي فرزات كأيقونة استعانت به كبريات الصحف العالمية مثل “لوموند “الفرنسية، لأن له قدرة عالية وهائلة في اختزال المواضيع عبر رسومات بليغة ودقيقة نالت اعجاب القراء، انه اعتمد على الخطوط/الكرافيك من دون ادخال التعبير اللغوي في الرسوم، مما منح الشرعية للكاريكاتور كفن تشكيلي ساخر بامتياز..

*/ في فلسطين ظهر الشهيد ناجي العلي وبطل رسوماته “حنظلة”، شهيد القضية القومية العربية، تجلت قوته في الأسلوب التعبيري المبسط الممتنع، انه الثوري المخلق في الحياة اليومية وتراجيديتها وذلك بشكل كوميدي استهزائي محكم ومنطقي وبسيط فقط باللونين الابيض والاسود في التعبير بقوة لاذعة استفزت حكام العرب واسرائيل التي تمكنت من اغتياله.

إنه الفنان المبسط للقضية المبدئية بالسهل الممتنع، ومحترما حرية المتلقي في القراءة التأويلية والفهم كما يشاء، وقد تفوقت قناة الميادين اللبنانية من عرض مادته الفنية على شكل فيلم متسلسل يشدك بقوة لرؤيته واعادة المشاهدة دون ملل كما يجعلك تؤمن بما آمن به مهما كان موقعك وانتماؤك ما عدا العدوان الاسرائيلي..

وهذا هو مكمن  ثورية ناجي العلي، لقد اغتاله الموساد الإسرائيلي سنة1987 م في لندن، دون توقعها بكون دمائه ستسقي وتخصب مشاتل/مدارس بأقلام مناضلة في الفن الكاريكاتوري (له رسم كاريكاتوري ممتاز تنبأ من خلاله بالاغتيال واستمرارية اسلوبه المتميز ويتضمن رجل السلطة يقوم بإعدام قلم الرسم وتناثر الدم/المداد كالرذاذ فوق الارض كاستسقاء لها فنبتت أقلام عديدة

على مستوى الوطن المغربي:

ارتباط كل من الصحافة والفن الكاريكاتوري، فشكلا وجهين لعملة واحدة اشتغلت على القضية السياسية والاجتماعية التي تتناولها الصحف، وبعض المجلات الأسبوعية، وذلك حسب تموقعها والاهداف التي تسعى لخدمتها..

وارتباط الكاريكاتور بالصحف جعله في خدمتها بتفوق ولو غلب عليه في معظمه ادخال التعبير اللغوي لإتمام محتواه…ومن بين الأقلام الكاريكاتورية المتميزة على سبيل المثال لا الحصر، ناجي بالناجي، مبارك بوعلي، خالد كدار، محمد الخو، عبدالغني الدهدوه، حميد بوهالي، محمد عبادي، خالد الشرادي وغيرهم (ملتمسا العذر ممن لم أذكر اسمهم):

1/ عبدالله الدرقاوي الذي ابتدأ وشاع صيته في جريدة “أنوال”، لسان منظمة العمل الديمقراطي، وكانت قدرته هائلة في التقاط الفكرة وتحويلها ببراعة ودقة الى رسم كاريكاتوري رائع ومبلغ ومواكب للأحداث والمستجدات..

2/ العربي الصبان في يومية العلم وl’opinion لسان حزب الاستقلال، الذي كان يوقع رسوماته برجل القبعة الشعبية المتواضعة (مهماز)، وقد تتلمذ عليه العديد من الشبان..

3/ حمودة (محمد عليوات) في جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، الذي رسخ اهمية الكاريكاتور في النضال الى جانب الاعمدة مثل عين العقل

4/ سعيد امين، من مدينة خنيفرة، (1973/2006م)، الذي انطلق في هذا الميدان بعدما استلهم اسلوب الصبان الذي فتح له المشوار لينشر فنه  الكاريكاتوري في كل من العلم وl’opinion ، وجريدة “أوال” اواخر التسعينات، ولما أصبحت أيقونته في الكاريكاتور مستوحاة من علي فرزات، مهد طريقه بامتياز واشعاع في le journal و”الصحيفة” مع بوبكر الجامعي وعلي عمار…، ثم اشتغل مع علي المرابط في اسبوعية demain magazine؛ وكذلك في يومية “المساء”…

6/ العوني الشعوبي، يعمل حاليا في جريدة “الأخبار” المغربية، ويغلب على مادته الكاريكاتورية التعبير اللغوي من خلال زوجان يتحاوران فيما بينهما

مع التذكير بتجربة أحمد السنوسي (بزيز) من خلال جريدة “الهدهد” التي غلبت الرسومات الكاريكاتورية على معظم صفحاتها، الا انها مشحونة بالتعبير اللغوي، قبل اقبارها خلال بدايتها التمهيدية، في ظروف لم تترك له فرصة التطوير.

(°) أستاذ مادة الفلسفة
error: