ذ. المصطفى تودي يجيب عن سؤال: هل جائحة كورونا غيرت طقوس الحداد؟

  • المصطفى تودي (°)

تحدثت في مقال سابق عن كورونا وما بعدها، وركزت على أنه ستكون للجائحة مخلفات سياسية واقتصادية وفكرية، وبعد وقت وجيز، وخلال مرحلة الحجر الصحي، تم الوقوف على بعض الأحداث التي أبرزت أن للجائحة وجها ثقافيا، حالات موت عاشها الأهل من الأحياء، و كأنها مصيبتين، أقساها التقصير في مراسيم الوداع الأخير، لوم للنفس وكأن الموت ما كان عليه أي يستعجل اللقاء في مثل هذه الظروف المشؤومة.

من البديهي أن للموت طقوسا تختلف، وتتباين باختلاف الثقافات، طقوس تضع الأحياء وجها لوجه أمام الفناء والنهاية، إنها مناسبة للتدبر والتفكر والمحاسبة، إنها مناسبة تنسي الحال وترفع من شأن المآل، الموت مناسبة يخضع بموجبها الأحياء لوصايا الأموات، فيعملون على تحقيقها إكبارا و إجلالا لأرواح من يعزون.

تختلف الوصايا باختلاف الأموات واختلاف المعتقدات والتاريخ… ومنها ما قد يبدو غريبا غير مستساغ بالنسبة للبعض، كتلك الفنانة التي طلبت أن تشيع جنازتها على نغمات فرقتها الموسيقية المفضلة، نعم يخضع الأحياء لإرادة الموت بإذعان لأنه واجب الموت على الحياة، وهو ما تفرضه العادات الاجتماعية والأعراف الثقافية قبل الوصايا الدينية.

حملت لنا قصاصات الجائحة أخبار الدفن الجماعي في أماكن غير مخصصة للموت، في بلاد الإسلام وغيرها، في إيران وإيطاليا وأمريكا، ولم يحضر مراسيم الدفن إلا الجرافات، فغاب عنها الأهل والفقهاء والقساوسة، بل حملت لنا القصاصات خبر مريض فرنسي يتوسل طبيبه أن يخبر أولاده للحظة وداع أخير، فخافت الحياة من الموت، فكانت النهاية دون التملي بالطلعة البهية للأبناء.

صحيح أن ثقافتنا منحتنا من المناعة الروحية ما أضفى على الموت قدسية ومهابة في نفوسنا، فجعلت حمل الميت ودفنه فرض كفاية، بل حددت لمواكب الجنائز سننا وأركانا، بل حملت عاداتنا الثقافية طقوس الحداد محملا آخر، تبرز فيه مشاعر التضامن والتكافل الاجتماعيين، فكان الموت في ثقافتنا هما جماعيا، يحمل أوزاره الجيران  كل الحي قبل الأهل والأقارب.

تكون المواساة مسترسلة، في الأيام الأول للفراق بل لشهور، فالعزاء لا يسقط ولا يشيخ في عرفنا، يحرص الجميع على أن لا تبقى دور العزاء خالية من مشاعر المواساة والمؤازرة وجبر الخواطر، لقد غيرت كورونا طقوس الحداد، فكم من الموتى من فارق الحياة وحيدا؟ وكم من الأحباب من جعل من المجال الأزرق مبكا لفراق موتاه؟ و كم من الجنائز ما استغنى المسلمون عن أجرها؟ وكم من دور العزاء ما هجرها الجار و القريب و المعزي؟.

فهل الفيروس أعتى من العادة؟ هل غير ما كنا نعتقد أنه كالجبال لا يتزحزح؟ ألم تفرض علينا الجائحة طرقا جديدة للحداد؟.

(°) ناشط في مجالي البيئة والبحث الفلسفي
error: