سعيد أخيطوش: التعليم عن بُعد بين ضمان الاستمرارية وتحقيق الفعالية

  • ذ. سعيد أخيطوش (°)

غالبا ما يقف المتتبع للشأن الوطني، في الآونة الأخيرة، على حقيقة اتسام المرحلة التي تمر بها البلاد اليوم برهانات كبيرة لتجاوز الآثار الناجمة عن تفشي وباء كوفيد 19

    ليست الآثار الاقتصادية والمالية فحسب، بل تتجاوز ذلك، وصولا إلى تأثير اجتماعي يلقي بظلاله على كل مناحي الحياة بالنسبة للفرد والمجتمع، وهذا ما يجعل منظومة التربية والتكوين أمام رهان تحقيق استمرارية التعلم المرغوبة اجتماعيا في ظل تدابير احترازية تنطلق من استحالة مزاولة هذا الفعل الإنساني داخل الفصول الدراسية لمختلف المؤسسات والأسلاك التعليمية، إلا أن الحديث عن أية تجربة للتعليم والتعلم بصفة عامة لا يستقيم إلا من خلال مساءلة مسألة الفعالية والاثر الناجم عن التفاعلات القائمة بشكل مستمر بين مختلف أركان المثلث الديداكتيكي (المتعلم – المحتوى- المدرس) من جهة ومسألة التقويم وترصيد المكتسبات من جهة ثانية،

    فمن خلال الرجوع لكل ما تم تداوله وإصداره حول التعليم عن بعد، خصوصا البلاغات الوزارية والمذكرة 2020/231 بتاريخ 16/03/2020، بخصوص تفعيل خطة الاستمرارية البيداغوجية وما تلاها من مذكرات جهوية وإقليمية، نلاحظ تركيز السياسة التربوية في هذه الحقبة وبشكل قوي على الإجراءات والتدابير الضامنة لاستمرار التعليم ودون الخوض في المحتوى الدراسي الذي يفترض إعداده بشكل يناسب خصوصية التعليم عن بعد والوسائل المعتمدة من جهة، ثم خصوصيات الأسرة المغربية والطفل المغربي وعلاقتهما بتكنولوجيا الإعلام والاتصال، من جهة ثانية.

    فالمقرر أو البرنامج الذي تم إعداده للتعليم الحضوري وفق مقاربات بيداغوجية وتدابير ديداكتيكية مسطرة ومبنية أساسا على التفاعل المباشر والآني بين المتعلمين فيما بينهم وبينهم وبين المدرس، لا يمكن أن يحقق الفعالية المتوخاة من التعليم عن بعد، هذا دون الخوض في منهجيات تدريس المواد المبنية أساسا بشكل يناسب التعليم الحضوري فقط. كما أن الوسائل المعتمدة من مسطحات إلكترونية وموارد رقمية شهدت في الغالب ارتجالا كبيرا بحيث فسح المجال للمدرس لاعتماد الوسيلة التي يفضلها مما أدى بالأغلبية إلى منصات التواصل الاجتماعي وما تطرحه هذه المنصات من غياب الحماية الرقمية للمتعلم رغم سهولة استخدامها ودون إغفال انعدام مجانية ولوجها.

    وبالرجوع لمسألة الوسائل دائما، ورغم اعتماد الوزارة على عدة قنوات تلفزيونية ومنصة tilmidtice، فمشكل المحتوى الدراسي والمقاربات الديداكتيكية والمنهجية لازال قائما بشكل يسائل تجربة التعليم عن بعد المعتمدة منذ عدة سنوات، لنكتشف اليوم غياب تجارب يمكن الاقتداء بها لتدبير المرحلة والخروج بأقل الأضرار تربويا وتعليميا، والخوض في مسالة التقويم يجعلنا أمام عدة متطلبات أساسية للإلمام بتجربة التعليم عن بعد بالمغرب، فبعد الوسائل المعتمدة ومدى وفرتها يجب التركيز على:

  1. تقويم التعلمات لدى المتعلم من خلال برمجة تقويمات تفاعلية للحصول على نتائج صادقة وهذا يتطلب تقنيات متقدمة حتى وإن وجدت ببلادنا فسنواجه إشكالية العنصر البشري القادر على استخدامها بموثوقية.

  2. تقويم الأساليب التعليمية التي تم بها تنفيذ التعليم عن بعد، حيث نجد أن أغلب المنخرطين في هذا النوع من التعليم من رجال ونساء التعليم سواء في منصات التواصل الاجتماعي أو حتى الدروس المصورة ما يزالون حبيسي الأسلوب التعليمي الحضوري ويتضح ذلك من خلال اعتماد أسئلة ديداكتيكية متوالية حيث يتأسس اللاحق دوما على مدى تجاوب المتعلم مع السابق من الأسئلة.

  3. تقويم الموارد الرقمية ومدى وفرتها وتنوعها بحيث أن الملاحظ هو الوفرة والتماثل أو التشابه في غالب الأحيان، فالتقنيات الأكثر استعمالا للإنتاج محدودة وغالبا ما تكون عبارة عن فيديوهات عادية وغير تفاعلية تم تصويرها في ظروف بعيدة جدا عن توفير الإنارة الجيدة ومؤثرات الصوت والصورة الكفيلة بإنتاج مقاطع بجودة تحترم قدرات المتعلم البصرية. فيصعب بل يستحيل إيجاد فيديو تفاعلي يحافظ على الفعالية ويحفز المتعلم على المشاركة والمساهمة.

  4. تقويم المنهاج الدراسي الذي نجده، وبشكل قطعي، يغيب إمكانيات التعليم عن بعد رغم التنصيص على ضرورة تحقيق التعلم بطرق ووسائل مختلفة إلا أن التدابير المنهجية والخطط الخاصة بالتنفيذ تبقى معتمدة على تعليم حضوري يجمع المدرس والمتعلم في نفس المكان.

  5. تقويم التجارب والاطلاع على المتوفر من الموارد في الخزانة الوطنية الرقمية قبل تفشي الوباء ثم العمل على إغنائه من خلال مسطرة دقيقة للمصادقة والتعريف بالتجارب الناجحة.

     ختاما لابد من التأكيد على كون نجاح التعليم عن بعد في بلوغ أهدافه وتحقيق الفعالية المبتغاة يتطلب توفير العديد من الشروط، تنطلق من التكوين والتدريب المناسبين وسهولة استخدام الأنظمة والمنصات المعلوماتية ثم التوافق بين مميزاتها والأسلوب التعليمي للمدرس، وصولا إلى توفير الاعتمادات المالية الكافية لتوفير وصيانة الأجهزة والربط المعلوماتي.

(°) مفتش تربوي بمديرية خنيفرة
error: