د. علال البصراوي: تمارة ليست إمارة سلفية

  • الدكتور علال البصراوي (°)

فوجئ الراي العام الوطني بما قام به المجلس الجماعي لمدينة تمارة من تسمية عدد من فضاءات المدينة بأسماء مشرقية: ابو بكرة، تركي الغامدي، أحمد القرني، أحمد الحواش، حفيظ الدوسري، حسين الشامر، الاقرع بن حابس.. وغيرهم كثير، ما جعل هذه المدينة تبدو – من هذه الناحية – كأنها ليست مدينة مغربية، مع انها توجد وسط البلاد، بل ومحادية للعاصمة وكانت حتى وقت قريب جزء منها، وعند البحث في الأشخاص المحتفى بهم بإطلاق أسمائهم على فضاءات عامة بهذه المدينة، تبين أنهم دعاة وقراء…جلهم غير معروفين لدى عامة المغاربة الذين هم أساسا المستهدفين بتسميات الشوارع والساحات وغيرها.

وتثير هذه الواقعة عددا من الملاحظات والأفكار نعرض لها فيما يلي:

إن مسألة تسمية الفضاءات العمومية، وما ينتج عنها من جدل واختلاف، وحتى صراع، ليس أمرا جديداً، بل هو قديم، وكان دائما مهما، بالنظر إلى الحمولة الثقافية التي يحملها كل اسم، والتي يسعى من يحاول اطلاقه على فضاء عمومي إلى تمريره كخطاب للمجتمع وللأجيال المقبلة، ولهذا كانت فرنسا قد اتخذت من بين قراراتها الأولى، عندما استعمرت المغرب، تسمية عدد من الشوارع والساحات بأسماء مفكريها وسياسييها وعسكرييها في أهم المدن المغربية، وردت الحركة الوطنية على ما قامت به فرنسا بإطلاق أسماء وطنية، بل أن الشعب نفسه كان ولازال يطلق أسماءه الخاصة والشعبية البديلة عن الأسماء الرسمية حين لا تعجبه.

ونظرا لأهمية الموضوع فإن المشرع حاول تنظيمه، حيث نصت المادة 92 من القانون التنظيمي 14-113 المتعلق بالجماعات على أن مجلس الجماعة يفصل بمداولاته في القضايا التي تدخل في اختصاصات الجماعة، وذكر من بينها: تسمية الساحات والطرق العمومية، ونصت المادة 118من نفس القانون على أن لا تكون مقررات المجلس التالية قابلة للتنفيذ الا بعد التأشير عليها من قبل عامل العمالة او الاقليم او من ينوب عنه داخل اجل عشرين يوما من تاريخ التوصل بها من رئيس المجلس، وذكر من بين تلك المقررات المقرر المتعلق بتسمية الساحات والطرق العمومية عندما تكون هذه التسمية تشريفا عموميا أو تذكيرا بحدث تاريخي.

ولمزيد من الضبط والتقنين، صدر مرسوم ثالث في يوليوز1917 بتحديد مضمون نظام العنونة، ونصت مادته الخامسة على أنه يجب أن يكون اختيار تسميات الساحات والطرق العمومية معللا والا يستند إلى دوافع شخصية، أو يكون مرتبطا باستغلال مواقع النفوذ والامتياز، كما يجب ألا تكون التسميات المذكورة مخالفة للنظام العام والأخلاق الحميدة، وفي ضوء هذه النصوص أثير النقاش حول تسمية بعض الفضاءات العمومية بمدينة تمارة، ولعل أكثر الاسئلة ملحاحية لدى الراي العام الوطني تتعلق أساسا بالدوافع التي جعلت المجلس الجماعي لهذه المدينة يلجا إلى استيراد أسماء أشخاص سلفيين من مجتمعات اخرى.

بعض هذه الأسماء متطرفون جدا – مثل أحمد النقيب الذي يكره حقوق المرأة، وسبق له أن أفتى بقتل معارض لمجرد أنه خارج المذهب- عوض اعتماد أسماء شخصيات وطنية، تاريخية أو معاصرة، من مفكرين وسياسيين وعلماء، وهم كثر، كيف لنا أن نتجاهل هؤلاء ونحتفي بأشخاص من مجتمعات أخرى لمجرد أنهم يلتقون مع من اتخذوا القرار في التصور الفكري أو الايديولوجي؟، إن المسؤولية على رأس مجلس منتخب لا تعطي لصاحبها، شخصا أو حزبا، الحق في فرض اختياراته على المجتمع الذي هو سابق عليه وباق بعده، ولو سمح بعكس ذلك لأصبحت مؤسسات البلاد ومدنها إمارات يتصرف فيها المسؤولون وينشرون فيها ما شاؤوا من أفكار ورؤى وأسماء فيتوزع الوطن وتضيع هويته.

لسنا بالتأكيد ضد أسماء المشارقة لمجرد انها كذلك، فالمئات من ساحاتنا وشوارعنا ومؤسساتنا- خاصة التعليمية- تحمل أسماء مشرقية، وحتى غربية، تاريخية أو معاصرة، لكن كلها لعظماء في مجالاتهم: عمر بن الخطاب، الغزالي، ابن رشد، ابن خلدون، المتنبي، طه حسين، محمد عبده .. وغيرهم كثير، والمغاربة يحتفون بهذه الأسماء بل ويفخرون بها، لانهم لا يجدون بها ما يتعارض مع هوية مجتمعهم المنفتح والساعي إلى الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو مالا يؤمن به اولئك الذين احتفى بهم المجلس الجماعي لتمارة.

(°) محام، رئيس سابق للجنة الجهوية لحقوق الانسان  ، ناشط حقوقي وجمعوي

error: