سعيد أخيطوش: إنهاء الموسم الدراسي … ماذا بعد؟

 

  • ذ. سعيد أخيطوش (°)

يعتبر الرفع من جودة التعليم والتعلم، بالنسبة للنظام التعليمي المغربي، من أهم الشعارات المرفوعة منذ الاستقلال إلى اليوم، حيث يقتضي ذلك تحسين وتطوير كل الأساليب المتدخلة والمساهمة في عملية التدريس، بانسجام تام مع التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التربوية الذي فتح مجالا أرحب من حيث التقنيات المعتمدة والوسائط الممكنة، فنجاح المشروع التربوي التعليمي لأي بلد أصبح رهين مدى تمكنه من المواكبة المستمرة في البرامج والوسائل والمناهج التعليمية لما يقع على المستوى العالمي من تطورات في طرق وسبل التواصل التعليمي التعلمي.

ولعل تفشي وباء covid-19 في بلدان العالم، وما خلفه من توقيف الدراسة حضوريا، وفرض الحجر المنزلي على الأفراد والمجتمعات، ليعد من أهم الأزمات التي أبانت للأنظمة التربوية والتعليمية مدى مواكبتها للتطورات الحاصلة في ميدان إدماج التكنولوجيا التربوية ضمن مناهجها وبرامجها واعتماد وسائل تقنية حديثة لتوصيل المحتوى الدراسي إلى بيوت المتعلمين وذويهم،

كما يعتبر الخوض في إمكانيات إقرار سنة بيضاء بالمغرب، في سياق تفشي الوباء، سمة مرحلة انتهت بإعلان وزير التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين المهني والبحث العلمي عن تدابير وإجراءات إنهاء الموسم الدراسي الحالي، 2020/2019، هذا الإعلان الذي تم تحت قبة البرلمان يوم 12/05/2020، في خطوة باحثة عن مصادقة سياسية، لمكانة البرلمان بين المؤسسات السياسية المغربية، ستشكل عنصر قوة في الإجراءات والتدابير المتخذة لمنع تفشي الوباء من جهة وتنفيذ المحطات المتبقية من الموسم الدراسي بشكل لا يهدد سلامة المتعلمين والعاملين ومنه المجتمع المغربي برمته.

فالقرارات المتخذة والتي تم الإعلان عنها بلسان وزير التربية الوطنية أفضت على عدم التحاق كل المتعلمين بمؤسساتهم إلى غاية شهر شتنبر القادم، ثم إلغاء الامتحانات الإشهادية باستثناء الباكالوريا التي برمج امتحانها الوطني في الفترة الممتدة من 3 على غاية 8 يوليوز 2020، وإرجاء الامتحان الجهوي للسنة الأولى باكالوريا إلى غاية شهر شتنبر بالنسبة للمدرسين، بينما الأحرار سيجتازون امتحانهم الجهوي بتاريخ 1و2 يوليوز 2020، وفقا لما أعلنه بلاغ الوزارة بتاريخ 18 ماي 2020.

هذه القرارات نجد بأن توقيت الإعلان عنها شكل بالنسبة للعديد من الأفراد تاريخ نهاية مرحلة اتسمت بالحجر المنزلي والتعليم عن بعد الذي شكل تجربة مهمة في النظام التعليمي المغربي هذه السنة وبالتالي التوقف إما عن مواكبة المتعلمين الأبناء في تعلمهم بالنسبة للآباء، أو التوقف عن برمجة حصص دراسية رقمية بالنسبة للمدرسات والمدرسين الذين بذلوا جهودا كبيرة لتحقيق ما يعرف بالاستمرارية البيداغوجية والتي ضربت في مقتل إثر الإعلان عن إجراءات إنهاء الموسم الدراسي في توقيت مبكر لم يأخذ بعين الاعتبار عدة ملاحظات نوردها كما يلي:

  1. ضرب عنصر الحافزية والإقبال على التعلم: فإعلان إلغاء الامتحانات الخاصة بمتعلمي المستوى السادس ابتدئي والثالثة إعدادي، ثم الاعتماد على نقط المراقبة المستمرة والامتحانات المحلية المنجزة على غاية 14 مارس 2020، جعل إقبال المتعلم على المحتوى المدرسي الرقمي حاليا ينخفض إلى درجة انعدام الحافزية للتعلم. فهذه الامتحانات على علتها ورغم كل الملاحظات التي يمكننا إثارتها بخصوصها، تشكل محكا أساسيا للمتعلم، إذ ترفع من درجة تأهبه واستعداده للتعلم وهنا للإشارة والتأكيد لانقصد الإبقاء عليها واجتيازها من قبل المتعلم لكون ذلك رهين تحسن المؤشرات الوبائية للمغرب بل التريث في الإعلان عن إلغائها لتمكين الممارسين من إنهاء فقرات البرنامج الدراسي.

  2. اعتبار شهر شتنبر 2020 كمرحلة داعمة للتعلمات الناقصة: حيث أن الممارس التربوي يعلم جيدا استحالة الدفع بإمكانية هذا الطرح، فرغم اعتماد ثلاثة أسابيع للتقويم التشخيصي ودعم التعلمات، ثم اعتماد برامج تقويم المستلزمات الدراسية التي تغطي تقريبا الشهر الأول من السنوات الدراسية العادية فيما سبق، فإن المدرسة المغربية تعاني من ضعف كبير لدى متعلميها في التحصيل والاكتساب، فبالأحرى سنة دراسية تلي موسم دراسي غير مكتمل بما يفوق ربع التعلمات المسطرة، ناهيك عن أشياء أخرى منهجية وسلوكية يكتسبها المتعلم من خلال تواجده داخل جماعة الفصل وبرفقة المدرس والمدرسة.

بالتالي فالموسم الدراسي 2020/2021 سيشهد انتكاسة كبرى لمجموعة من الجهود التي بذلت في إطار الإصلاحات المنهاجية الرامية إلى تجاوز حالات الضعف والوهن التربوي لدى المتعلمين المغاربة وخصوصا في المستويات العليا لكونها تتطلب توفر المتعلم على مكتسبات قبلية لم يتم التطرق إليها أو تم التطرق إليها افتراضيا وفي غياب تام لحافزية التعلم.

  1. عدم الاعتراف باستقلالية المتعلم وقدرته على التعلم الذاتي: فمنذ الإعلان عن توقيف الدراسة الحضورية واعتماد التعليم عن بعد والكل ينادي بإتاحة الفرصة للمتعلم للتعلم بشكل ذاتي وبشكل ينمي استقلاليته المفقودة في المدرسة المغربية. وفي الوقت الذي قد يكون الممارس التربوي قد استشعر تنامي قدرة المتعلم على تدبير تعلماته بنفسه، يتم الإعلان عن عدم أخذ ذلك بعين الاعتبار وعدم احتساب ما تعلمه في أي محطة من محطات إنهاء الموسم الدراسي المتعلقة بالتعليم عن بعد. فالامتحانات ستقتصر فقط على ما تم إنجازه إبان الدراسة الحضورية واحتساب معدلات الانتقال سيتم بناء على ما تم إنجازه إلى غاية 14 مارس 2020، كما سيتم الرجوع لما تبقى من البرنامج الدراسي في بداية الموسم الدراسي القادم.

  2. تغييب تقويم جدي لمرحلة التعليم عن بعد: فمنذ أيام كان الكل ينادي بضرورة الانخراط والمساهمة في ورش التعليم الرقمي لعله يكون فرصة لإقرار تعليم مغربي إلكتروني قادر على تمكين المتعلم من الاكتساب بطرق مختلف وبطريقة ذاتية، كما سيحل هذا النوع من التعليم مشكل الفئات التي تعاني من مشاكل مرضية واجتماعية تمنع حضورهم للمؤسسات التعليمية، ليأتي الإعلان عن تدابير إنهاء الموسم الدراسي قبل نهاية كل مراحل هذا النوع من التعليم مما يحكم عليه بالفشل التام ويقضي على كل بوادر الأمل في تطويره مستقبلا وبطريقة تحاكي تجارب الدول والأنظمة المتقدمة.

  3. نقل أزمة النظام التعليمي الحالية للموسم القادم: فكل الممارسين والممارسات لمهنة التدريس يعلمون جيدا بأن إقرار ثلاثة أسابيع للتقويم التشخيصي خلال الموسمين الدراسيين السابقين شكل حجر عثرة في إتمام المقررات الدراسية فبالأحرى انتظار اجتياز امتحانات متبقية من الموسم الحالي ثم إنهاء التعلمات المتبقية. هنا يمكن أن نستشف بأن سبب اعتماد هذا التدبير يقضي فقط بطمأنة الشارع العام ومجتمع الآباء وأولياء أمور المتعلمين والمتتبع البعيد عن مهنة التدريس أما أهل المهنة فهم أدرى باستحالة الدعم دون إجراء تقويم دقيق أولا كما أن انتقال المتعلم للمستوى الأعلى ومدرس أو مدرسة غير الذين يدرسونه حاليا سيزيد من صعوبة الأمر.

  4. الدفع بمبدأ تكافؤ الفرص لإقرار التدابير المعلن عنها: رغم هذا الدفع الذي نجده غالبا يأتي في نطاق طمأنة المجتمع والمتتبع البعيد عن ميدان التربية والتكوين دائما نشير على كون المدرسة كمؤسسة اجتماعية لم تستطع منذ قيامها تحقيق هذا المبدأ، ولكن سنبقى ضمن السياق المغربي فقط لطرح تساؤلات عدة من قبل: كيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بين متعلمي القسم الوحيد المستوى في المدن ومتعلمي القسم المتعدد المستويات في العالم القروي؟، وكيف يمكن الدفع بهذا المبدأ بين متعلمي القطاع العام والقطاع الخاص؟.

فالدفع بهذا المبدأ أوجب الاقتصار فقط في نظر الوزارة على ما تم إنجازه على غاية توقيف الدراسة الحضورية ونحن نعلم التباين في تنفيذ المقرر الدراسي بين مختلف المدرسين والمدرسات ناهيك عما يفرضه تدبير الموارد البشرية وإعادة الانتشار وفقا لمعطيات الخريطة المدرسية والمتوفر من المدرسين، وهذا ما يؤكد قصور هذا التدبير الذي يستوجب إعلان الوزارة الوصية في أقرب وقت عن المحتويات المقصودة بامتحانات الباكالوريا كما أن أي تحديد للمحتويات المدرسية المقصودة سيخلف ضحايا في صفوف المتعلمين والمتعلمات

  1. غياب تصور واضح للتوجيه التربوي : فقرارات الوزارة لم تعطي أية إشارة عن كيفية توجيه المتعلمين بين مختلف الشعب والمسالك سواء بالنسبة للملتحقين الجدد بالثانوي الإعدادي ولا الثانوي التأهيلي وكذا متعلمي السنة الأولى باكالوريا الذين سيأجل توجيههم إلى غاية إجراء الامتحان الجهوي خلال شهر شتنبر 2020، هذا التوجيه كان يتم سابقا بناء على نتائج المتعلمين والمتعلمات، ومدى استجابتها لمتطلبات الشعبة أو المسلك المرغوب ضمانا للمساعدة أولا على الاستمرار في الدراسة وتجنب مشاكل قد تؤدي للانقطاع الدراسي، ثم الاستجابة للطاقة الاستيعابية لمختلف الشعب والمسالك مع الاحتفاظ للمتعلم طبعا بإمكانية إعادة التوجيه بعد ضياع وقت مهم يبلغ من شهر إلى سنة وما سيترتب عن ذلك من عرقلة التعلم وتحقيق النجاح المدرسي في الشعبة والمسلك المناسبين.

كما أن التخلي عن مصادقة الآباء على رغبات التوجيه المدلى بها من قبل المتمدرسين وفقا لما تم الإعلان عنه في مذكرة الوزارة رقم 2020/19 بتاريخ 18 ماي 2020 بخصوص الإجراءات الاستثنائية للتدبير الرقمي لمسطرة التوجيه المدرسي والمهني بالتعليم الثانوي للموسم الدراسي 2019/2020 يعد مجانبا لمنطوق المادة 22 من القرار الوزاري 62/2019 الصادر في 09 أكتوبر 2019 والخاص بالتوجيه المدرسي، التي تقضي بضرورة إشراك الأسر في تتبع مسار المتعلم ومشروعه الشخصي في التوجيه المدرسي والمهني، ناهيك عن منطوق المادة 23 من نفس القرار الخاص بتكييف التوجيه للمتعلمين في وضعية إعاقة. هذا دون إغفال كون الوزارة اعتمدت على نفس القرار السابق كمرجع لإصدار مذكرة الإجراءات الاستثنائية للتوجيه.

ففي الوقت الذي كنا ننتظر فيه عملية تقويم واضحة المعايير وبجدية وجرأة لكل من سياسة التربية والتكوين خلال زمن الوباء وكذا الوقوف بشكل شجاع على مكامن القوة ومكامن الضعف لعمليتي التعليم والتأطير عن بعد، هذا التقويم يمكن أن يفتح الباب على مصراعيه للخروج بتعليم عصري قادر على مجابهة الأزمات بشقيه الحضوري الأساسي الذي لا محيد عنه، والرقمي المكمل لجهود الممارس التربوي في النهوض بالوضع التعليمي للبلاد والارتقاء بمخرجات نظام تعليمي أنهكه التجديد والتنقيح دون بلوغ الأهداف المسطرة منذ مناظرة المعمورة سنة 1964.

نجد أن الوزارة الوصية، ورغبة منها في طمأنة الجميع، قد رضخت للمعطى الإداري أكثر من المعطيات التربوية من كفايات أساسية لازمة لانتقال المتعلم وتنمية الاستقلالية والرغبة في التعلم ثم عدم تبخيس الجهود المبذولة وصولا لاختيار الوقت المناسب للإعلان عن تدابيرها المنهية للموسم الدراسي في وقت مبكر، حيث نشير إلى كون الهدف الأساسي ليس هو عودة المتعلمين للفصول الدراسية بل تقويم ما تم إنجازه بدقة والاعتماد على أهل الميدان للخروج من أزمة covid-19  بأقل الأضرار  ولما لا بلورة خطة متوسطة المدى لسنتين أو ثلاث مع إحداث تعديلات في محتويات المقررات الدراسية وبرمجتها الزمنية تغليبا لمصلحة الجيل الحالي من متعلمي المدرسة المغربية.

(°) مفتش تربوي بمديرية خنيفرة – باحث في قضايا التربية والتكوين
error: