من تاريخ الأوبئة في المغرب، إلى ضرورة إحداث مجلس أعلى للكوارث والجوائح كمطلب لما بعد كورونا

  • محمد أكريران (°)

إن أي حديث عن ما بعد وباء كورونا civid-19، يحتم علينا مناولة الأحداث المأساوية التي عاشها المغرب في الماضي، والوقوف على مظاهرها، وكيفية تدبير تلك الكوارث، سواء فقهيا أو سياسيا أو علميا/طبيا ووقائيا…وما التقصير الذي شاب عملية إدارة وتدبير الأمور آنذاك، والغرض من ذلك هو استشراف المستقبل بما ينبغي اتخاذه كإجراءات فعالة تمنح الأجيال المقبلة فرصة النجاة وحسن إدارة وتدبير ما يمكن أن يحدث، بطريقة علمية، لتفادي العفوية والارتجالية في التصرف، أو تكرار نفس التدابير وتعطيل عجلة التاريخ نحو التطور بدل الاستفادة من التراكم التاريخي للبدائل والانطلاق بالجديد.

في إطار ما تقدم، لابد من تأطير الأحداث الكارثية التي عاشها المغرب، واستخلاص العبر، بعد وضع تساؤلات والجواب عنها بما يليق لاقتراح بعض المطالب كبديل لم يسبق تخطيطه وتسطيره دستوريا وتنزيله عمليا، لأنه لو راكمناه، وتوثيق المقترحات البديلة، لخفف عنا الآن متاعب تكرار ما عاشه السلف وكيفية تدبيره للأزمة آنذاك

ما هي الكوارث والجوائح التي عرفها المغرب عبر تاريخه؟، كيف عاش مجرياتها؟، كيف تم تدبير تلك الأزمات فقهيا وسياسيا وعلميا؟، ما التقصير الذي شاب أساليب تدبيرها؟.

ثم لماذا غابت عملية دسترة فصل خاص بالمجلس الاعلى للكوارث والجوائح في دستور2011م؟، ما اهمية هذا المجلس؟، وما الأطر التي ينبغي إالحاقها به، بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة؟، ما هي المهام المنوطة به مستقبلا كمؤسسة مدسترة؟، لماذا ينبغي خلق مختبرات علمية/طبية في الجهات كمؤسسات القرب في إطار تفعيل الجهوية المتقدمة واستكمال طابعها الديمقراطي؟، ما مصادر تمويل هذه المؤسسات؟.

اولا/ في شأن الكوارث والجوائح الوبائية التي عرفها المغرب، وما تم تداوله من حلول لتجاوز مآسيها:

  • 1/ في مجال الأوبئة وكيفية إدارة عواقبها:

1/ عرف المغرب، عبر تاريخه، حالات عديدة ومتكررة من الأزمات والحروب والغارات الأجنبية والفتن…وأكثرها حدة هي الأوبئة والمجاعة والكوارث الطبيعية، اذ تمكنت الاوبئة من فتك الأرواح بعدد مهول، وهزت بالعقلية والمعتقدات، وكانت هذه الجائحة في المغرب على غرار مجمل بلدان العالم.

عرف المغرب هذه الجوائح خلال فترات دورية من تاريخه ومنها: بوكويبيس، بوزريويطة، بوكليب، مرض النفطة والريح الحمراء، الكوليرا، وباء الحبة، مغاط، حمى المستنقعات…(مجلة زمان: النسخة الرقمية عدد ماي2020)، فاهتدى أهل الإجماع في الرأي إلى تسمية تلك الأوبئة بالطاعون والكوليرا، بناء على الأعراض التي ظهرت على المصابين: الإسهال والتقيؤ وارتفاع الحرارة وغور العينين ثم الانتهاء بالموت…(احمد الناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الاقصى).

منذ عام 608 الذي انتشر فيه الطاعون ودفع بالخليفة عمر ابن الخطاب للتراجع عن دخول الشام لمهاجمة البيزنطيين، مرورا بالعصر الوسيط (تاريخ الوباء هنا لدى الاخباريين والمؤرخين شبه منسي)، وفترة الحماية الفرنسية، ثم حاليا، عرف المغرب الاكتساح الجغرافي الواسع لوباء الطاعون والكوليرا، مما اتى على هلاك المئات من الأرواح يوميا (نموذج فاس ،سلا، تطوان، الدار البيضاء…والبوادي)، عبر سنوات متفرقة ما بين 1431/2020م، بمعدل3,5 اوبئة في القرن، بمعنى كل خمس سنوات يأتي وباء/جائحة، فأصبحت الجوائح معطى بنيويا من القرن12م الى القرن19م (رأي محمد نبيل ملين).

وكان سبب ذلك، إما الجفاف الذى انتشر بالمغرب، وما ترتب عنه من مجاعة، مثل عام الجوع/عام البون سنة 1945 م التي أودت بحياة 50 الف فرد (وثيقة اسبانية طبعت في تطوان ونشرت سنة1946م تحث عنوان “قحط في المغرب…معركة الحنطة في المنطقة”)، انتشر الموت في الطرقات واضطر الناس أكل لحوم الموتى والأعشاب والحشائش…وإما بدافع التعامل التجاري مع الأجانب كاليهود الذين حملوا أمتعتهم الموبوءة من المرسى إلى داخل المدن، وإما بسبب موجة الحجاج العائدين من الديار المقدسة، مثل ابناء السلطان الحسن الاول (مولاي علي ومولاي عمر)، وكانت لهم مسؤولية إدخال الوباء للمغرب عام1818م.

ذلك أو بسبب ما جلبه العساكر الفرنسيون عهد ليوطي1911م (كتاب “المغرب والاستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية” لألبير عياش)، وإما بدافع العدوى التي سببها الزكام الاسباني كطاعون الرئوي، أو حاليا بسبب تنقل المسافرين والبعثات الدبلوماسية من خارج المغرب (تركيا،مصر،ايطاليا،فرنسا اسبانيا…)، إلى داخل البلاد بنقل العدوى من بؤرها الى مناطق استقرارهم؛ ولولا فطنة الدولة المغربية وحكمتها الاستباقية في اتخاذ أسلوب الحجر الصحي، لكانت الجائحة الوبائية لكوروناcovid-19 كارثية في الأرواح.

2/ كيفية تدبير وإدارة أزمة الأوبئة:

لقد اختلف وتفاوت في شأنها أهل الفقه والفتوى الدينية:

*/منهم من كان متعصبا ومتزمتا ودغمائيا دينيا، فاعتبر الجوائح كعقاب إلهي مثل ما وقع على بني إسرائيل، عهد فرعون، بسبب عصيانهم وفسادهم وسوء معاملتهم للنبي موسى…وهذا ما ورد في مؤلفاتهم مثل محمد الحطاب المتوفى سنة1547م في كتابه “عمدة الراوين في بيان أحكام الطواعين” والعربي المشرفي وغيرهما من مؤلفي واخباريي القرن19م، وفي “اتحاف المطالح” وبعض التعاريف الأدبية (اكنسوس واحمد بن الحاج السلمي…)، تم اعتبار الطاعون كشهادة ورحمة للمسلمين وعقاب للكفار، وحرم بعض المؤلفين المغاربة الفرار من الطاعون، واعتبروا الصبر والاحتساب استراحة من أعباء الدنيا وكسب الشهادة، وكل أرض فيها معصية الزنا يسلط عليهم عذاب الله.

هذا وبعضهم اعتبر “الكرنتينة” أجنبية المصدر، ولا جدوى منها، كأسلوب حمائي وقائي من الوباء، وقد انسجم احمد الناصري مع الضعيف الرباطي مؤلف “صاحب الابتسام” الذي اعتبر طاعون فاس عامي 1833/1834م كآخر فرصة للقاء أحبابه في الرباط، بحيث صار الناس يتسامحون أثناء توديع بعضهم البعض (وهذه الصورة ظهرت حاليا في خطاب بوريس جونسون لما التمس من الانجليز الاستعداد لفراق أعز الأحباب)، وشاعت الصدقة بين الناس للدلالة على الاتعاظ ودرء الوباء (هذه الحالة نعيشها حاليا لدى جمعيات الخير والتصدق بالمغرب)

كل هذه المؤلفات في نصوصها لم تتطرق للبديل الصحي للاتقاء من الوباء، بقدر ما تفاوتت في تحديد المفهوم والاستناد الى نصوص قرآنية في قوالب نصية جاهزة في أحكامها وفتاواها، وهذا ما أكده عبد الله كنون بقوله: “حلة المغرب عامة اثناء النصف الثاني من القرن 19م واوائل ق20م…بقيت على حالها من تمثل الماضي في المادة والقالب، في المعنى والاسلوب.

 */ ومنهم من كان معتدلا ومتريثا ومنفتحا ومؤكدا على جدوى الاحتراز والإيمان بمبدأ القضاء والقدر، بحيث ناصر بعضهم الفرار من أرض الوباء مثل محمد الفيلالي الذي نص بكون الخروج من بلاد وباء الطاعون كمبدأ مفيد في إطار الحذر من المهالك؛ ومحمد الخطاب في كتابه: “عمدة الراوين في بيان أحكام الطواعين”، مع ابن حجر العسقلاني في كتابه “بدل الماعون في فضل الطاعون”، أكدا على جواز الاحتراز ومشروعية الفرار من الطاعون وتحصين المدينتين المقدستين من الطاعون.

كما أكد محمد السوسي على العزلة والانفراد عن الناس والابتعاد عن المرضى وعدم استنشاق أنفاسهم إلا في ضرورة التمريض أو دفن الموتى بالوباء، كما تم التحذير من أكل طعام وشراب المصابين، ثم حاليا الخرجات الاعلامية للريسوني، عضو حركة الاخوان المسلمين، والشيخ مصطفى حمزة المالكي المذهب بكون وباء كوروناcovi-19  ليس بعقاب إلهي لعباده لأن الله رؤوف ورحيم بعباده

  • 2/ أهل السلطة السياسية وأسلوبهم في تدبير شؤون الدولة إبان الوباء:

1/ تميزت سياسة أوروبا بفرض قوانين صارمة اتجاه شمال إفريقيا، من خلال اجراءات وقائية، بحيث خلال 1793م تعاظم النفوذ الأوروبي وأسس المجلس الصحي المغربي في طنجة، وشرع في اتخاذ أسلوب الحجر الصحي بعزل المرضى حتى يتبين خلوهم من الوباء فيتم تسريحهم؛ ومثال ذلك ما تم في عام1866م من ضغط ممثلي الدول الاوربية على السلطان محمد بن عبد الرحمن، بغية إصدار ظهير من أجل الحجر على الحجاج المغاربة في جزيرة الصويرة كمحجر صحي دون السماح لهم بدخول المغرب الا بعد خلوهم من الوباء، ويعد هذا أول أسلوب احترازي سمي ب”الكرنتينة”، ومورس على المغاربة بتدبير اوربي، نظرا لجدواه بعد تطبيقه في إيطاليا (محمد نبيل ملين: اهم ما يقال).

2/ وفي عهد الخلافة الراشدة بالمشرق وتشبثا بالحديث النبوي في شأن الوباء، كان أاسلوب الاحتراز من عدوى الوباء، كمثال، في سنة638 اتخذ عمر بن الخطاب هذا الأسلوب وحسم فيه بفعالية لما عزم مهاجمة البيزنطيين بالشام، لكنه تراجع تجنبا للقتال كاحتياط لما يمكن أن يترتب عنه من عدوى وهلاك للجيش الاسلامي.

3/ أما في المغرب فانه ينبغي التمييز بين نمطين من الدولة المغربية وشكلين من التدابير المتخذة من أجل الاتقاء من عدوى الوباء:

  • / فيما يخص الدولة المغربي كجهاز مخزني، من السائد كتأريخ لها نجد:

*/ نمط الدول ذات الاصول الامازيغية ومنها الدول: المرابطية، الموحدية، المرينية والوطاسية، وهي مستقلة عن المشرق العربي إيديوليجيا وسياسيا

إذ في عهد الموحدين تم تأسيس حضارة واضحة المعالم عسكريا أيديولوجيا وسياسيا ومذهبيا…في عهد هذه الدولة تم نهج سياسة صحية عمومية مزدهرة وذلك ببناء الماريستانات مثل “دار الفرج” بمراكش، كما استعملت الأدوية كالترياق في علاج الأمراض.

وبفضل هذه الماريستانات والأدوية، تمكنت الدولة من تحصين كيانها من الأوبئة.

*/ ونمط الدول ذات الأصل العربي المشرقي الإسلامي، ومنها: الادريسية والسعدية والعلوية، واستمدت هذه الدول شرعيتها من عدة عوامل، أهمها الانتماء للنسب الشريف لآل بيت الرسول محمد ‘ص’، كما تمظهرت للقبائل الأمازيغية كعنصر توحيدي لهم دون الميول لقبيلة على اخرى، مثل دهاء الأدارسة بعدما تحالفوا مع قبيلة أوربة من تحت طاولة التفاوض أثناء تقديم انفسهم كمحايدين في حطم جميع قبائل المغرب الأقصى.

ومن بين التدابير المتخذة في عهد هذه الدول اتجاه الأوبئة نجد ما يلي:

في عهد الدولة السعدية، لما تبين بكون الوباء، غالبا، ما يأتي إما من موانئ الشمال المنفتحة على أوربا المتوسطية، وإما من الشرق بعد مجيئ الحجاج عبر الجزائر، وبمجرد ما تفشى الطاعون سنة1597م بالمغرب، وازدادت وثيرة كارثيته، اضطر السلطان احمد المنصور إغلاق الحدود كتدبير احترازي، وحث ابنه بفاس على اتخاذ الاجراءات الصحية الوقائية، مثل استعمال الترياق في التداوي والخل في النظافة…وينم هذا عن مدى ازدهار الدولة السعدية ومستوى تطورها في المجال الصحي.

في عهد الدولة العلوية، عرفت التدابير الصحية اتجاه الأوبئة أسلوبين متميزين:

  • باستثناء المولى سليمان والحسن الاول اللذان رفضا التدبير الصحي الوقائي تحت ضغط التجار الذين كان لهم نفوذ قوي والأخذ بفتوى الرفض التي افتى بها علماء الدين/الفقهاء الذين اعتبروا الاحتراز بدعة لكونها تتنافى مع مسألة” القضاء والقدر الإلهي” ومنهم الناصري أحمد صاحب “الاستقصا” الذي حرم “الكرنتينة” لكونها فتنة ومفسدة واقتداء بالعجم.

وقد سبب هذا التحريم والعمل به في وفاة ما يقارب 25 بالمائة من السكان بعدما رجع أبناء السلطان الحسن الاول في باخرة “كريستينا، مع الحجاج، ومعهم الوباء، ولم يمارس عليهم الحجر الصحي، وقد سبب ذلك في انتشار الوباء لدرجة توفي بسببه وزير الأعظم ابو عمران ابن موسى ابن احمد، كما توفي كذلك الشيخ الفقيه القاضي سيدي ابو بكر

ورغم ضغط الهيئة القنصلية بطنجة على الحسن الأول لإقامة الحجر الصحي، قد فات الآوان، فاستفحل انتشار الوباء في احضان جيش السلطان اثناء تنقلاته”الحركوية التأديبية”، فبدأ الجيوش يتهالكون صرعى بالوباء (“تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18/19م “لصاحبه الأمين البزاز).

  • نجد سلاطين الدولة العلوية في تعاملهم ضد الوباء كما يلي:

  • مرحلة السلاطين الذين استلهموا اسلوب الاحتراز مما سار عليه الخليفة عمر بن الخطاب لما تراجع عن مهاجمة البيزنطيين تجنبا للعدوى والهلاك الوبائي، وقد اقتبسوا بعد استلهامهم بأسلوب عمر بن الخطاب لإضفاء الشرعية الدينية على حكمهم وما يستوجبه الشرع الديني في التدبير الصحي، طبعا، مع الأخذ برأي/فتوى الفقهاء الشرعيين من جهة والأخذ بتوجيهات المفوضية الأاوروبية بطنجة.

  • في عهد المولى اسماعيل انتشر الطاعون في شمال البلاد من جديد سنة1678م واكتسح مناطق جغرافية اخرى بداخل المغرب،فاضطر السلطان م. اسماعيل ايقاف التنقل بين مختلف المدن والجهات،مجندا عبيد البخاري لحراسة الطرق ومفوضا لهم امر القتل في حق الرافضين الامتثال للتعليمات الاحترازية.

  • ووافق السلطان محمد بن عبد الرحمن على ظهير كقرار للحجر الصحي يخص الحجاج الموبوئين العائدين من الحج وذلك لمدة أسبوعين في جزيرة الصويرة، بعد الحجر الأول الذي يفرض عليهم في منطقة “طور” بسيناء؛ تماشيا مع ما نص عليه مجلس طنجة الصحي المكلف بتنظيم المحاجر الصحية الخاصة بالحجاج، وقد كان فيه “لوسيان رونو”، كعضو مكلف من قبل وزارة الخارجية الفرنسية، متشددا في أسلوب الحجر.

  • اما السلطان عبد العزيز، فقد استنكر أول الأمر قرار المجلس الصحي بطنجة، لدرجة هدد بمنع الحج نهائيا في حالة ما تمادى هذا المجلس في تحديه للسلطان، إلا أن تشبث المجلس الصحي بقراره، وبعدما تفشى الوباء بكثرة في الهند، استجاب السلطان عبد العزيز لقرار الحجر بعد موافقة علماء مراكش لمنع الحج.

  • وحاليا مع جائحة كوروناcovid-19 كحالة علمية، لكونها لم تستثن أي منطقة جغرافية في العالم؛ فقد اتخذت الدولة المغربية، بروح وطنية وبناء على الدستور كمنطوق قانوني، قرارات استباقية اتجاه الوباء، وأصبح المغرب قدوة لباقي الدول.

ان استناد الدولة حاليا الى المساطر المدسترة والقوانين مع أحداث لجن اليقظة والتتبع، كرافعة أساسية في تدبير الجائحة الوبائية، ودون اللجوء إلى المرجعية الدينية، وهذا ما جعلها دولة المؤسسات ودولة المواطنة، وكان بإمكانها أن تشتغل بأريحية كبيرة لو كان التدبير الصحي تحت اشراف المجلس الأعلى الوطني للكوارث والجوائح، إلى جانب مختبرات القرب في كل جهات الوطن، التي بإمكانها تدعيم وتقوية خدمات مؤسسات الدولة والقدرة على أزمة الوباء والتقليل من حدة القلق العام وتحجيمه، وفتح المجال للتفكير الإيجابي لهيكلة الاقتصاد وتفادي السقوط في أزمة ما

  3/ أهل الطب والصيدلانية في التصدي للوباء ومحاصرته والتغلب عليه:

أثناء انتشار الوباء، اصطدم الإنسان بمخاطر انعدام اليقين المرتبط باحتمالات إصابته بالوباء من عدمه، الأمر الذي يجعله تحت طائلة عبئ ثقيل بالمجهول، مما يزيده رعبا وذعرا وقلقا مقارنة مع الأمراض العادية، وتزداد صدمة جميع أفراد المجتمع بسرعة انتشار الوباء وغياب سقف واضح أو يقيني بظهور دواء للعلاج النهائي لإيقاف نزيف الموت في أحضان الجميع وهذا يزيد من حدة الهول والرعب

كيف كان علاج الأوبئة بالتطبيب عبر الأدوية واللقاحات؟، وكيف كان اللجوء إلى التطبيب الشعبي نظرا للوعي القاصر والمحدود لدى عامة الناس في ظل إمكانيات محدودة التطبيب العلمي؟، حيث التجأ القوم الى استهلاك النباتات الطبيعية واستعمال القطران والكبريت والشمع الخام، وتبخير البيوت، بهدف تطهيرها من التعفنات الملوثة للهواء، وتوظيف ماء الورد والخل والضمامات بماء الحلبة والحبق.

(°) باحث ومدرس مادة الفلسفة

كما التجأ البعض إالى العلاجات الروحية بالرقية وتعليق التمائم والاحجار الكريمة كالياقوت والزمرد، والاستشفاء بالحامات أو اللجوء لكرامات الأولياء والصالحين والمتصوفة (مع الأسف لازالت هذه الممارسات رائجة الى يومنا هذا)، لكن في ظل الحماية الفرنسية ابتداء من سنة1911م،سوف يقوم “ليوطي”بتأسيس هيئة صحية خاصة بالفرق العسكريةAssistance de l’Etat du service de santé des troupes(Le cri Marocain:06/octobre/1928). فشيد عدة مستشفيات، منها مستشفى “لوسي”/ مولاي اسماعيل حاليا بمكناس، وجهوية بالرباط والجديدة والدار البيضاء والقنيطرة/ بور ليوطي…

وكان مستشفى “لوسي”، مخصص فقط للأوروبيين، أما المغاربة، فإنهم يوجهون الى المستوصفات مثل مستوصف Poulain والمرافق الصحية، ثم احدث مجموعات متنقلة في الشمال…وكلها تحت اشراف طاقم طبي وصيدلاني اشتمل على133طبيب سنة1925م و28 صيدلي و12 طبيب أسنان و3عقاقيريين و40مولدة… (كتاب: “تطور الحركة العمالية في المغرب “لأحمد تفاسكا)، وفي سنة 1913م سيتم انشاء مصنع لإنتاج اللقاح في الرباط بعدما أسس معهد باستور بالرباط، وذلك لتوفير الادوية والضمادات  واعداد ابحاث ودراسات علمية حول الأوبئة

وبهذه المنجزات الطبية العلمية والمؤسساتية الاستشفائية، تمكنت الحماية الفرنسية من محاصرة عدة أمراض وأوبئة مثل :الزهري وامراض العيون/الرمد، والقضاء على الطاعون والحد من أضرار التيفوس…(انها لبنة ورافعة اساسية للاستشفاء العلمي، فيا ليت لو تم الاخذ بها بعد خروج الاستعمار وتطيرها منذ ذاك الحين لكان المغرب منارة كبرى في التاريخ).

لكن ابتداء من سنة1937م إلى حدودسنة 1945م،ستعم الكوارث بقوة مع تفشي الأوبئة والمجاعة (عام البون)، مما دفع بالحماية الفرنسية للقيام بضبط الهجرات الناتجة عن المجاعات، وأحداث نطاقات صحية على شكل تجميع قسري في حق المغاربة، وتم الترحيل الجماعي للمرضى، ما جعل المغاربة في حالة نفور من هذه السياسة الحمائية التمييزية خاصة في مجال العلاج (كتاب: “المغرب والاستعمار :حصيلة السيطرة الفرنسية” لألبير عياش).

  • /: في مجال الكوارث الطبيعية كالتسونامي والزلازل:

انطلاقا من نظرية الصفائح في مجال الحركات التكتونية، وما يترتب عنها بعد اصطدامها من كوارث تخريبية كلما كانت قوية في حركاتها؛ وبما أن المغرب يربط في تركيبته الجيولوجية بين الصفيحة الاوراسية والصفيحة الافريقية، فإنه ليس بمنآي عن خطر الزلازل والتسوناميات البحرية، وهذا ما أكده الخبير المغربي عبد الواحد بيروك المسؤول بمصلحة الانذار وتدبير الازمات بالمعهد الوطني للجيوفيزياء.

إلى أي حد يمكن اعتبار المغرب مهدد بالحركات الزلزالية والتسونامية؟، ما طبيعة هذه الزلازل؟، كيف يمكن أن يتعرض المغرب لتسونامي مدمر؟

1/ فيما يخص الزلازل بالمغرب:

منذ 818م الى يومنا هذا، تعرض المغرب لهزات زلزالية عديدة بشكل مروع ومدمر وكارثي، بحيث أتت على هلاك البشر بالموت والكسور والجروح، ثم دمار المباني والبنية التحتية…وكان أخطر الزلازل التي عرفها المغرب:

  • زلزال أكادير سنة1960م الذي كبد المدينة أضرارا بشرية تجلت في آلاف الجرحى وأكثر من12000 قتيل وخسائر مادية قدرت ب 290مليون دولار

  • زلزال الحسيمة في 24 فبراير2004م مخلفا 926 جريح بجروح بليغة وأزيد من 628 قتيل وأكثر من 15230 بدون مأوى…وقد سبق للحسيمة ان اهتزت لعدة مرات، نتج عنها انهيار الآلاف من المنازل.

هذا مع العلم أن مناطق أخرى في المغرب تتعرض بين الحين والآاخر لزلازل متفاوتة الدرجات.

  • / فيما يخص التسونامي:

بما أن المغرب يقع بين صفيحتين قاريتين هما: الصفيحة الافريقية في جنوبه، وهي صفيحة قديمة جيولوجيا وثابتة في الدرع الافريقية، ثم في الجزء الشمالي الغربي من المغرب نجده يمتد فوق ثلاث صفائح أرضية هي: الصفيحة الافريقية والاوروبية وصفيحة الالبوران في منطقة غرب البحر الابيض المتوسط.

فالصحيفتان الأوروبية والافريقية تقتربان بعضهما البعض، وبهذا الاقتراب، يمكن حدوث الزلازل في مناطق شمال المغرب؛ لان التباعد او التقارب للصفائح ينتج عنه بالضرورة حركات تكتونية مرتبطة أساسا بنشاط الصفيحة الالبورانية في غرب البحر الابيض المتوسط، وقد نتج عنها نشوء جبال الريف.

وفي منطقة الأصور يوجد نشاط بركاني بشكل دائم النشاط نظرا لحداثة تكوينه الجيولوجي؛ كما أن الزلازل الصادرة عن الدرع الاطلسية، تصل قوتها الى السواحل المغربية، ناهيك عن التجارب النووية التي تتم في المحيط او البحر فهي كذلك لها أثر في دفع المياه بقوة نحو السواحل

ولهذا، فإن المغرب مهدد باسمرار بالتسونامي، اذ كان آخر تسونامي عرفه المغرب سنة 1755م عندما ضرب زلزال قوي أحدث انكسارا بحريا مقابل مدينة ليشبونة البرتغالية، وامتدت أمواجه بقوة نحو شمال المغرب ومنطقته الغربية. وانهيار جبل “كومبري فييجا” البركاني قد يكون وراء تهديد السواحل الاسبانية  البرتغالية المغربة، مستقبلا ب “تسونامي ميغا”، لأنه في حال انهيار هذا الجبل بارتفاعه 1949م،سيسبب في موجات ارتدادية بارتفاع300م والتوغل بحوالي20كلم داخل السواحل المغربية، وبما أن سواحل المغرب مكتظة بالمباني السكانية والأنشطة الاقتصادية المهمة…ستتعرض للدمار.

بناء على الفرضيات الجيولوجية سواء أكانت صحيحة أم كاذبة، فإنه ينبغي الاحتياط وتحسب ذلك، لأن في حالة حدوث “الميغاتسونامي” (لا قدر الله) سيدمر كل شيء في طريقه على مسافة 20كلم من الاراضي المغربية…ولهذا ينبغي الاخذ بالحيطة والحذر والتدابير الاستباقية لإلقاء شر هذه الكارثة الطبيعية.

ثانيا: في شأن الحلول المطلوبة للاشتغال بأريحية مستقبلا بعد كوروناcovid-19:

1/  مطلب إحداث المجلس الأعلى الوطني للكوارث والجوائح:

بالنظر إلى ما قامت به الدولة المغربية من مجهودات جبارة وفعالة لمواجهة الكارثة الوبائية لكورونا covid-19 وقد مكنتها من إدارة الأزمة بتفان وعزيمة ويقظة خدمة للمصلحة العليا للوطن وللمواطن، بدل تفضيل الاقتصاد أو قطاعات أخرى

إن العمل على المصلحة العامة المشتركة لجميع المواطنين، أبانت عن كون الدولة المغربية ذلك التركيب الكلي المتجاوز للتجزيئ وللحريات والارادات الفردية، انها تجسيد للعقل الكلي الموضوعي أو الإرادة الكلية او الروح الطلق حسب تعبير هيجل، لأنها تمكنت من تقوية الاجماع الوطني الاختياري الضروري وتوحيد الرؤى بإقناع الجميع بالانضباط التطوعي لمواجهة الازمة الوبائية، وأبانت عن قدرتها على تجاوزها باقل الخسائر، وذلك بالسياسة الاستباقية والاستفادة من تاريخها وذاكرتها وارشيفها التاريخي  لان الدولة المغربية عريقة لما يزيد عن 12 قرن، وهذا مكمن سر أسلوب الإدارة الناجعة لوثيرة الوباء والتمكن من تطويقه ومحاصرته قبل استفحاله وفتكه بالأرواح.

ومن أجل استكمال الدور الوطني للدولة والعمل بأريحية مستقبلا، وبأسلوب جيد في التدبير ومجانب للارتجالية والعفوية والانزلاقات القاتلة والتعب في التأطير والتوجيه والضبط…ينبغي تأسيس المجلس الأعلى الوطني للكوارث والجوائح، نظرا لما عرفه وما يعيشة وسيعيشه، وما يمكن أن يتعرض له المغرب مستقبلا من تهديدات كارثية، قد تنتج لا قدر الله، عن الزلازل والتقلبات المناخية السيئة والأوبئة.

ويمكن تحديد اختصاصات هذا المجلس وادارته وتمويله واعضاءه ومهامه وارشيفه بالتوثيق والرقمنة…بظهير شريف شامل ومانع ومسنود بترسانة قانونية مفصلة، ويشترط في أعضائه الخبرة العلمية والتطوع الإرادي لخدمة المصلحة العليا للوطن؛ والمغرب غني وفخور بعلماء وخبراء وباحثين معترف بهم عالميا ويستفيد منهم الغير حاليا.

كما ينبغي أان تكون مواضيع اشتغاله منكبة ومؤطرة في الرصد والتتبع والترقب والتوقع والبحث العلمي وجمع التقارير والدراسات العلمية، وتأسيس ارشيف معلوماتي…في شأن الكوارث والآفات، حتى يتمكن الجميع (الوطن والانسانية) من الاستفادة المربحة .

  • مطلب هيكلة الجهوية المتقدمة بالمختبرات العلمية الطبية:

بالعودة الى فصول الدستور المغربي سنجد:

*الفصل20 ينص على الحق في الحياة كأولوية لكل انسان، ويتكفل القانون بحماية هذا الحق، مع ضمان السلامة من طرف الدولة.

 *  في الفصل 35، تسهر الدولة على ضمان تكافؤ الفرص للجميع والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الاقل حظا (وهي الاكثر انتشارا والاكثر تضررا في معظم انحاء المغرب).

 * وبما ان اقتصاد الحياة الآن وغدا يتأسس بالضرورة على الاعتناء بالصحة.

*  ونظرا لما سببته الظرفية الوبائية الجائحية من الرعب والهوس من الموت المباغت

*  وبما ان الجميع بدأ يشرئب الى ما يمكن ان تجود به مختبرات البحث من امصال ولقاحات…لمحاصرة العدوى ومقاومتها وتبديد المخاوف.

* وضرورة الشعور بالإنصاف والمساواة والنجاعة في التطبيب ما بين المركز والجهات.

بناء على ما سبق، فإنه يقتضي بضرورة العودة إلى مستوصفات القرب، وإعادة هيكلتها وتأسيسها وترميمها وهندستها من جديد، بخلق طبقات معمارية على قدر امكانية خلق مختبرات فيها، واعادة الاعتبار لوظائفها الاستشفائية، مع العلم أن الفضاء العقاري لبنياتها متوفر ويتطلب فقط التجهيز بما يلزم من اليات واطر، وممكن ان تتحول هذه المختبرات الى مصانع للقاحات والامصال والادوية ان تم تحفيز الثقة في الاستثمار الوطني، الى جانب التمويل الممكن توفيره بما ينص عليه الدستور في:

  • الفصل141 الذي ينص على كون الجهات والجماعات تتوفر على موارد ذاتية وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة

  • الفصل142 الذي ينص على احداث صندوق للتأهيل الاجتماعي بهدف سد العجز في مجالات التنمية البشرية وصندوق للتضامن بين الجهات بهدف التوزيع المتكافئ والتنصيص على التعاضد فيما بين الجماعات الترابية والتكافؤ بينها حسب الفصل144.

  • الفصل 146 الذي ينص على القانون التنظيمي الذي يحدد شروط تدبير الجهات والجماعات بكيفية ديموقراطية ويحدد النظام المالي للجهات وللجماعات الترابية.

(°) باحث وأستاذ مادة الفلسفة

error: