اسماعيل حموش: فلسفة التربية في المنهاج الدراسي

  • ذ. اسماعيل حموش (°)

     يستمد المنهاج الدراسي المغربي مرجعيته الأساسية من “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، باعتباره التغطية القانونية لتصور الدولة لمجال التربية و التكوين، وقد توافقت عليه بعض الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع  المدني وفاعلين تربويين ومقاولات.. رغم أنه لم يشكل محط إجماع وطني، وقد جاء “الكتاب الأبيض” لتفصيل وأجرأة مضامينه في المنهاج التربوي الذي ينطلق من الفلسفة التربوية للميثاق، هذه الأخيرة، حسب رأينا، بعيدة كل البعد عن مفهوم  فلسفة التربية بمدارسها و مفكريها والتي هي أحد أبعاد الفلسفة العامة

    من المعلوم أن الفلسفة التربوية لمجتمع ما تؤثر بطريقة مباشرة في جوهر العملية التعليمية-التعلمية، ففلسفة “كانط” المثالية، باعتبارها فلسفة إنسانية نقدية (نقد العقل) سادت المجتمعات الغربية والمجتمع الألماني على الخصوص لعقود كثيرة، ساهمت في بناء الشخصية الألمانية كما كان لها عظيم الأثر في فلسفته التربوية المعاصرة حتى أضحى النموذج التربوي الألماني موضع إعجاب كبير على مستوى العالم

    وإذا كانت الفلسفة التربوية عبارة عن أفكار فلسفية عامة يمكن تطبيقها في ميدان التربية، كالفلسفة المثالية أو الواقعية أو البراغماتية أو الوجودية أو الطبيعية… وغيرها، فينبغي أن تؤدي دورها في تشكيل الوعي المطلوب وتخدم أهداف التنمية الإنسانية المنشودة  عبر  تنظيمها  في منهج خاص بشكل يمكن من بلوغ الغايات والمرامي المتوخاة من فعل التعليم و التعلم، و بهذا تكون فلسفة التربية إذن تطبيقا لفلسفة ما في ميدان التربية.

    ففلسفة التربية باعتبارها الجانب التطبيقي للفلسفة العامة في الميدان التربوي تبنى في ضوء حاجات المجتمع وقدرات أفراده وإمكاناتهم، فما تحمله من أفكار ونظريات لفلاسفة ومفكرين تربويين يضمن في المناهج التربوية مما ينعكس على الواقع التربوي التعليمي وبالتالي على سلوك الأفراد والجماعات

    إن حاجة النظام التربوي المغربي ملحة لتبني فلسفة تربوية جديدة تكون نقطة انطلاق في بناء المناهج التربوية ونقطة عودة في عمليات الإصلاح، و المناهج المقترحة ينبغي أن تكون مرنة وهادفة وقابلة للتغيير وليس مجرد تنظيم معرفي جامد، وقد أدرك اليابانيون مبكرا أهمية فلسفة التعليم في النهضة الشاملة بعد الحرب العالمية، وبذلك قطعت اليابان أشواطا في التنمية وحقق اقتصادها طفرات و بقيت فلسفة التعليم مستمرة و ديناميكية

    كما ينبغي على واضعي المناهج التربوية بالمغرب مراعاة ظروف المرحلة التاريخية التي يمر منها العالم والمغرب بصفة خاصة وعلاقته بدول العالم الأخرى وحاجته إلى مواكبة التقدم الحضاري والعلمي، وتضمين المناهج رؤى قيمية و فلسفية للإجابة عن الأسئلة التالية : أي مدرسة نريد؟، وأي مواطن نريد؟، وما الغايات والمرامي التي نسعى إلى بلوغها؟، ووفق أي رؤى فلسفية وفكرية؟، فالعالم اليوم يشهد نموا متصاعدا في المعارف والقيم، كما يتسم ببروز جيل جديد من حقوق الإنسان، و هذه المعارف والقيم والحقوق تتأصل عبر تربية واعية وهادفة تسهم في تكوين الإنسان المواطن

    وبالنظر للمذاهب الفلسفية المختلفة، وانعكاساتها التربوية، نقف على حقيقة مفادها أن الفلاسفة لم يصلوا بعد إلى نتائج متفق عليها في المجال التربوي، و اختلفوا في النظر إلى التربية وأهدافها، و إلى الجوانب المختلفة للعملية التربوية، فكل فلسفة تقوم على أفكار و مفاهيم متباينة مع ما تتبناه الفلسفات الأخرى من حيث النظر إلى طبيعة الإنسان و طبيعة المعرفة و طبيعة الثقافة و القيم السائدة  وإلى طبيعة عملية التعلم بنفسها، فضلا عن أن هذه الفلسفات ترتبط ارتباطا وثيقا بالظروف الاجتماعية و بالمستوى الحضاري و الاقتصادي للمجتمع مما يجعل لكل منها مبررات تجعلها صالحة لمجتمع ما وفي زمن ما.

    يمكن القول إذن بأن الفلسفة مرتبطة عضويا بالتربية، فلكل تربية فلسفتها ورؤيتها وتصوراتها، ومن هذا المنطلق تتم بلورة الغايات و المناهج و الطرائق و أساليب التقويم المختلفة في عملية التعليم و التعلم، و هذا يعني أن التربية هي الترجمة العملية لفلسفة المجتمع و نظرته إلى الإنسان، وفي النهاية، تبقى فلسفة التربية، تفكيرا في غايات التربية وتطبيقا للتفكير الفلسفي في ميدان التربية، أو كما يقول “جون ديوي”: “النظرة العامة للتربية”.

(°) إطار تربوي وفاعل مدني
error: