تشذير المبنى وتجسير المعنى في ديوان “طعم الغابة في الحلق” للشاعر فتح الله بوعزة

  • د. محمد أبوالعلا (°)

     لا تنس عزيزي القارئ _ وأنت تقلب دفة ديوان غابوي “طعم الغابة في الحلق” (1) المنتصب أعلى الكتاب أو أعلى الحلق سيان _ أن تراجع بعض عاداتك الموروثة عن إدمان نص ضحل، فغاباتك التي حطبت منها مفرداتك و تفيأت باستعاراتها النحيلة، لا تضارع بالمرة غابة شاعر يراقب من أعلى عنوانه جاهزية ولوجك امتداده اليانع، مجرّدا إياك من فأس لا تليق بجزّ سيقان زهرة برية رواها في غفلة منك من نسغ حلقه، فالحلق ركح الشاعر، إليه يؤوب نصه المكتوب حين يستوي ناضجا في الداخل، فللنص طعم آخر لا يكنه تابله إلا من كان من رهط من ركب، أو من رغب، أو كفتح الله سليل الأعشى إذا طرب.

    تجوس، باحثا في ديوان داغل عن القصيدة التي شغفت الشاعر حبا، فتربّع اسمها على شرفة ديوانه، فلا تجد غير آثار غابة أخرى/ قصيدة نبتت في رأس الشاعر” حين ارتدت الغابة رأسي” ص:25. دلالة على الحرف ومخاضه، وعلى ما عبر الرأس ذات نظم قبل أن يستوي قصيدة/ تاجا يليق بالشاعر وبديوانه.

    وبين غابة الخارج وغيابات الداخل تشي أولى الأمارات ب”ريبة” الشاعر من حلولك الداهم، قارعا أجراس قصيده: “صمت مريب في الخارج/ أحدهم يتربص بي/ وأنا أقيد الأحراش البعيدة/ بضفيرتي الشهباء”. يتريث الشاعر ـ قبل الشدوـ قطاف قارئ ذائق نكهة الطعم، بفتح الطاء أو بضمها سيان، فرعشة انخطاف القارئ من مائه لن يعرف سرّها إلا وهو يتحسس كلماته الدافقة أعلى حلقه / قضي الأمر.

     الداخل إلى أدغال فتح الله لن يكون كالخارج، يدلف متوجسا من موطئ حرف، و يخرج كائنا غابويا، منساته راشحة بما لا حواس اكتنهت، و لا قوس غنمت مما غنمه الشاعر في “باب الرماية” من شريط صيد، أو في غيرها حيث يثور القول على بعضه نكاية في اتساقه، فيأتي المبنى مساوقا لارتجاج المعنى، هكذا تخاله وأنت تتهجى مديح هسيس أو “تلمس مالا يلمس ” أو تصيخ السمع ل”همس خوختين“. شذرات عابرة إلى الذاكرة دليل لا دليل لك على محموله، أرخبيل قصائد..

     وفق هذا المنظور البراني يترامي أمامك الديوان من أعلى و أنت تحط خفيفا على سنابله، و توقظ عصافيره لتشدو كورالا ، لا نوتة ناشزة فيه إلا ما تهيأ لك، قبل أن تصل الفاصل الطافي بالمضمر الواصل، تصل ذات الشاعر من بداية الديوان إلى يائه بمعجم الحياة والخصب/ الغيمات / السنابل/ النهر/ الأرض/ شجيرات/ نسوة/ ضفائر الفراشات/ القصائد / العصافير/النهار في تقابلها مع معجم الموت: الليل / نيران البنادق/العساكر/ المسامير/ منطاد حربي/ الرماة/ باعة السلاح/ الحراس/ قناص/ كلاب ضالة

    فمن وميض هذا التماس/ التقابل يقدح فتح الله بوعزة شرارات/ شذرات ديوانه، نافخا فيها من روحه ، في انتظار أن يزهر غريب اللفظ بحطب غربته، نأتي القارئ بقبس من اشتعاله:

لا بأس بيننا إن حدثتني

عن التحليق العالي

بجيوب مليئة

بالفراشات والضفائر

كما يفعل طائران

مغموسان في رذاذ المساء

عيناي مغمضتان

وجناحاك مفتوحان

على مصراعيهما

و نيران البنادق

وحدنا في الأقاصي

نخبئ ريشنا

بين حطام الأشجار والبيوت

ريثما يكبر الصغار

ونهرول عاريين أمام العساكر

والكاميرات ـ قصيدة سماء أخرى ـ ص:31.

     قبل النظر في دلالات التقابل المعجمي، نشير إلى ما يطبع هذه العينة/المقطع القابل للتعميم على باقي القصيد، من تواتر جمل اسمية دالة على الوصف والثبات، وأخرى فعلية دالة على الحركية . والثابت هنا في بداية المقطع هو هذا الوصف المؤشر على ثبات الأنا و الآخر (الأنثى) في صراعهما ضد العدو (العساكر)، أعزلين (وحدنا في الأقاصي) مقابل جحافل (نيران البنادق)، ثم ما آل إليه هذا الوصف في الختام جرّاء سرد هادر، و إذ نصل التواتر بالتقابل يبدو ملمح الصراع جليا، وقد حسم بانتقال الذاتين ومن يدور في فلكيهما من حالمين بالانعتاق من العسف، ممن ترمز إليهم “الأجنحة”، و”الطيور”، و من “سيكبر من صغار”، ويكبر معهم حلم الشاعر في الانتصار. وقد كانت صورة نهرول “عاريين أمام العساكر” حاسمة في تأطير لقطة بانوارامية ، موثقة للحلم الذي كان في العينين حلما غامضا (عيناي مغمضتان) وقد تحقق أمام عيون العالم (عيون الكاميرات) استعراضا لنصر سيتجاوز صداه أمداء ساحة الصراع.

    ومما يدحض وهم الصدوع بين قصائد الديوان، و يجلي ما قد يتبادر إلى ذهن قارئ عابر من تدليل مفرط، أو رصف للكلمات على العواهن هو تجاوز مفردة ما نسقها النصي، إلى الاندماج في نسقية عامة، تستدعي من القارئ توقفا إجباريا أمام القصيدة المرجع، لاكتناه مفردة في قصيدة أخرى فرع، نسوق مثالا لا الحصر:

كما يفعل طائران

مغموسان في رذاذ المساء ـ “سماء أخرى”: 31.

تسقط العصافير المغموسة في الدم ـ “البهلوان” 34

    واضح أن ” مغموسان في رذاذ المساء” باعتبارها صفة لتقييد موصوفها الطائرينلا يستوي تأويلها إلا بتقييدها بمعنى آخر هو “الغمس في الدم” في القصيدة الثانية، فتفهم الاستعارة/ الفضلة في السطر الأول ( في رذاذ المساء/ لون الشفق الأحمر)، بناء على الفضلة في السطر الثاني (المغموسة في الدم)، ليتحدد بذلك معنى المسند إليه “الطائران” و”العصافير”، بما يحيل عليه المسند “يفعل” و”تسقط” من دلالة على الشهادة، و ليس على سقوط من عل فقط.

     وعلى الرغم من أن الثوب لا يعلمه البّزاز كما يعلمه الحائك، كما يقول المتنبي، إلا أننا نعلم أن مسك الخيط الناظم لنصية الديوان، بدايته و منتهاه منتهى الحبك الفاتل لنسيج التناسب الدلالي والصوتي بين سطور القصيدة الواحدة عموديا والقصائد أفقيا، ومنها العود التكراري لعقد استعارات يطوق يراع الشاعر، فيضفي إيقاعا خاصا ودائرية مدهشة مؤطرة لمكتوبه المتشذر.

من هذه الاستعارات الواشية بتكرار يزين لا يشين؛ تزاحم “الفراشات والطيور” الطافية على أديم الفضاء النصي، و المتنقلة من قصيدة إلى أخرى، ناقلة معها رحيق المسموع إلى منظور تبصره العين متراميا يانعا تحت حفيف جناح، قبل أن تعيد أذن السامع رسم حدائقه حين تزهر صادحة في حلق الشاعر، هو ذا النظم الذي جرف بورخيس نكاية في عميان لم يروا هذا الذي شده في نص ما دون أن يراه، حيث يشير بغموض شديد إلى سبب انجراره خلف عبارة ما…معللا ذلك بما يصنعه الشعر بغض النظر عن خطابه. (2)

يوما ما

سأعيد العصافير إلى السماء

العصافير التي تسكن الأعشاش

وسقوف الجبال

العصافير التي تحوم

حول رأسي ـ قصيدة نوايا ـ ص:55.

و الطيور التي تحتمل الحب

والوخز بالإبر. ص:56.

يدك الممدودة على السرير

ينقصها عصفور واحد ” حمالة قمح” ص: 49.

من شرفتي المطلة على النهر

حيث تخترت فراشات كبيرة ص: 09 ـ أحرص ما لا يحرص ـ

على شكل فراشات

تطلع بغتة

من جهات شتى

في كامل لغوها

بسنابل بيضاء ص: 65. تـ شرفات مقفلة ـ

   وإلى جوار تطريز ما يمتد فضاء حرفيا مترامي الاستعارات، تنتصب فداحة الزمن شاغلة و جدان الشاعر، و معكرة صفو حرفه من حين لآخر، حيث لا متاع من حطام دنياه الخاسرة ،غير حقيبة و قطار يمضي بدونه هادرا من قصيدة إلى قصيدة، أو حين يتنطع على مطية حافر خارج تخوم حاضره، مستعيدا مساءات ربيعه القديمة:

و ليكن الحافر أكثر سمكا

أريد اختراق الحدود/ حدود الخواء

لكي أستعيد المساء القديم

مساء السنونو

يحط على كرمتي

كلما ضاقت رئتاي

بصمت الأعالي 65.

    ختاما؛ وعلى دأب فراشاته بدا الشاعر أجمل تحليقا وهو يوقّع لي إهداء: “الحياة جميلة يا صاحبي، هكذا تكلم ناظم حكمت، لكن الأجمل فيها رفقتك….” أما بعد أن طابت له الأرض بعد علو فقد وقّع على حافة ديوانه سأكون وحيدا وجميلا ، كأي حجر نادر يطيل التحديق في أحذية النازحين“.

الهوامش:

1ـ فتح الله بوعزة ـ طعم الغابة في الحلق ـ الطبع و السحب: الموجة الثقافية ـ بني ملال ـ 2017

2ـ الشريف ايت البشير ـ خورخي لويس بورخيس ـ صورته في التلقي العربي ـ الجزء الأول ـ دار الوطن للصحافة و الطباعة و النشر ـ ط:1 ـ فبراير 2015 ص:85.

 (°) كاتب وناقد مسرحي، من أعماله “اللغات الدرامية: وظائفها وآليات اشتغالها في النص المسرحي العربي”، “المسرح المغربي من النقد إلى الافتحاص”، المسرح والسرد: نحو شعريات جديدة”، “المسرح المغربي: سؤال التنظير وأسئلة المنجز”..
error: