وزراء فوق القانون…

بقلم الأستاذ عبد السلام الرجواني

ما جرى لوزير الحريات وحقوق الانسان وزميله في الحكومة واخيه في الانتماء وزير الشغل مع صندوق الضمان الاجتماعي حدث خطير . لا تكمن خطورة الحدث قي خرق الوزيرين المحترمين لقانون الشغل بعدم تسجيل اجرائهما لدى صندوق الضمان الاجتماعي فحسب، وانما الخطر الأعظم في نظري هي الكيفية التي تعاملت بها جهات مؤسساتية وغير مؤسساتية متعددة مع الواقعة.
أولا: الوزيران معا واجها سخط الراي العام بكثير من الاستخفاف والتعالي واللامسؤولية. لم يستقيلا ولم يعتذرا. وزير الحريات برر سلوكه اتجاه مستخدمته باحسانه اليها في الحياة وبعد الممات، وكاني به يعترف امام الراي العام ان نقض قانون الشغل من طرفه سلوك واعي ومقصود ونابع عن اقتناع شخصي بان الاحسان اولى من القانون، وان الضمان الاجتماعي سوى بدعة على المومن بقيم البر بالغير تجنبها اتقاء لنار جهنم وبئس المصير. لم يعتبر الوزير رقم ١ في كتيبة البجيدي خرقه للقانون خطأ او اهمالا، وانما اكد انه اختيار. اما الوزير الشاب، مفخرة الشبيبة وقائدها، فقد هرول الى تسوية وضعية مستخدميه، وفي ذلك على الاقل اعتراف بالخطا ومحاولة لتداركه. كان ممكنا ان نلتمس له الاعذار لو لم يكن وزيرا للشغل ورئيسا للمجلس الاداري للصندوق المظلوم. كان ممكنا ان نفترض ان المحامي المحترم نسي او تناسى على غرار كثير من رجال ونساء الاعمال الحرة، لكن هل يمكن انه نسي او تناسى انه وزير الشغل ورئيس المجلس الاداري؟ والادهى والأمر ان الوزيرين كليهما تعاملا بصلافة بالغة مع المؤسسة التشريعية وممثلي الامة، وهي المؤسسة التي استمدا منها شرعية ممارستهما لمهام حكومية. وزير الشغل تجاهل سؤالا حول الواقعة ورفض الاجابة بينما انبرى اخوه الاكبر لرفض المساءلة. أهكذا يكون ربط المسؤولية بالمحاسبة! بهذا التصرف قدم لنا الرميد وامكراز درسا اخوانيا بليغا في ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ثانيا: لم تبد قيادة البجيدي اي امتعاض او تبرم من الوزيرين. صحيح انها احالت الشق الاول من الفضيحة على لجنة الاخلاقيات التي لم تنطق حتى الآن باي قرار او موقف رغم ثبوت الواقعة، بل هناك من القياديين من دافع عن الوزير وراى في احسانه المفترض كفارة عن دوسه للقانون. اما الشق الثاني فلم يحظ باهتمام الحزب ما عدا تعيين رئيس الحكومة لوزيره في الشغل رئيسا للجنة الحوار الاجتماعي. بهذا التعيين يكون العثماني قد زكى سلوك امكراز بدل تانيبه ومحاسبته. انه لمن المخجل ان يتراس وزير سلب العاملين بمكتبه ابسط حقوقهم جلسات الحوار الاجتماعي لتدلرس ملفات مطلبية وشؤونا عمالية. ومن المؤسف ان النقابات الأكثر تمثيلية لم تعبر عن اي تحفظ بخصوص مصداقية المكلف بتدبير الحوار.
باستثناء صوت واحد ووحيد من داخل البجيدي نطق بالحق وطالب جهارا باستقالة الرميد، وهو صوت شجاع يستحق التنويه، تجند بعض الذباب الالكتروني للدفاع عن الباطل بينما لاذ بعضهم بالصمت المريب. ويطرح السؤال: هل بشعار: ” انصر اخاك ظالما او مظلوما” سنبني دولة الحق والقانون؟ ابهكذا تجييش ضد القانون سنطور الديمقراطية؟
ثالثا: موقف الفرق البرلمانية لم يكن في مستوى الحدث. فباستثناء مساءلة وزير الشغل بدت فرق الاغلبية والمعارضة بمجلسي النواب والمستشارين مهادنة اكثر من اللزوم. ولم يجد الراي العام مبررات للمهادنة والصمت سوى الخوف بان يكون تضييع حق المستخدمين قاسما مشتركا بين ممثلي الامة.
مؤسف كل هذا الصمت! مقيت هذا التواطؤ! مخيف هذا التغول! لو كنا في مشهد سياسي افضل، تؤطره فعلا ثقافة ديمقراطية عميقة، لسارع الوزيران للاستقالة، وان تعذر، تمت للتو اقالتهما واحالتهما على القضاء، ولاحتجت النقابات، كل النقابات بدون استثناء، ولتظاهر المقاولون الملتزمون بصيانة حقوق الشغيلة، ولحدثت ازمة حكومية وداخل الحزب الاغلبي… لكن يبدو ان قيم الخوف من الحقيقة ما زالت تعيق تفعيل الممارسة الديمقراطية في هذا الوطن العزيز.

error: