حميدة جامع: ما قدمته الجمعيات النسائية خلال الحجر، لم يرق إلى المستوى المطلوب

  • علي بنساعود

   صرحت حميدة جامع أنها، خلال الحجر الصحي المنزلي، “عاشت الحجر الإبداعي، إن جاز التعبير”، إذ غالبا ما كانت “تجد صعوبة في التوفيق بين التزاماتها الأسرية والمهنية والجمعوية والحقوقية، وبين زمن القراءة والكتابة”، ومع ذلك، تقول: “استطعت أن أبدأ مشروعي القرائي الذي لم أكن ألتزم به إلا لماما، كما بدأت كتابة يومياتي واستمرت فيها إلى حدود تخفيف الحجر الصجي بشفشاون”، على اعتبار أن المدينة لم تسجل فيها أية إصابة بالوباء…

   تصريحات حميدة جامع، جاءت خلال استضافتها، رفقة القاصة فاطمة الزهراء الرغيوي، مساء السبت 27 يونيو الحالي، مباشرة، عبر منصة الفيسبوك، في إطار حلقات “أكورا للثقافة والفكر”، التي دأبت جمعية أكورا للثقافة والفنون على تنظيمها، منذ بداية الحجر الصحي، وكان محور الحلقة الأخيرة: “نساء في الحجر: بوح من هنا وهناك”، أدارتها باقتدار الأستاذة سعاد الشنتوف.

   وحسب حميدة، وهي مبدعة وأستاذة وناشطة حقوقية، تشغل منصب الكاتبة العامة ل “جمعية السيدة الحرة للمواطنة وتكافؤ الفرص”، بشفشاون، فإن الحجر الصحي، “فرض علينا كإجراء احترازي للحد من انتشار وباء كورونا المستجد، وهو تجربة جماعية ومشاركة إنسانية خبرتها جل شعوب المعمور، رغم اختلاف هذه التجربة من شخص لآخر، حسب المحيط والظروف”…

   المكان في الحجر الصحي “كانت له سطوته الكبيرة علينا، وتمثل بالنسبة إلي، في المنزل والشرفة والسطح، أما الشخوص فهم الزوج والأولاد”، المكان كان يضيق علي فأحسه يهشمني ثم يتسع فأحسه مرحبا بشوشا ومتصالحا (…) الشخوص ازدادت علاقتي بهم متانة، وأصبحت دافئة وقوية، تقاسمنا أشغال المنزل بشغف كبير، بعض التفاصيل الصغيرة اكتشفتها لأول مرة”، كما برزت خصال كثيرة خلال هذه المدة.

   وأضافت الكاتبة العامة لـ”السيدة الحرة” أنها عاشت الحجر الصحي كفسحة كبيرة من التفكير، غير أن أشد ما كان يؤرقها هو التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذا الحجر، ولهذه الإجراءات على الأسر الهشة، وعلى حياة العاملين والعاملات في القطاعات غير المهيكلة…

    وفي هذا الصدد، تقول، “احتلت وضعية نساء مدينتي ونساء إقليمي حيزا مهما من تفكيري، إذ كنت أفكر في المشردات والمهاجرات من جنوب الصحراء والمريضات المدمنات على المخدرات والمريضات بمرض عقلي أو نفسي والنساء اللائي أقدمن على الانتحار بالإقليم، والنساء المعنفات خلال الحجر، وعاملات الجنس ونساء القنب الهندي والفلاحات اللواتي يبعن منتجاتهن في السوق الأسبوعي والعاملات في الحمامات العمومية وبائعات الخبز ومنظفات المقاهي والمطاعم ومنظفات أدراج العمارات…”.

   وكنت كلما “أحسست بالضعف والعجز وأنا أتخيل ظروف هذه الفئات، وقد سكنتني بالفعل حيواتهن، وتلبستني معاناتهن وإكراهاتهن، أفزع إلى الجبال التي تتراءى أمامي منتصبة شامخة من نافذة منزلي ومن السطح، فأستنجد بالسماء والأشجار والنجوم والشمس والطيور والعصافير وحتى القطط والضفادع  والحشرات”…أغوص في عالم مواز تماما، “عالم عناصر الطبيعة التي استفادت من هذه الإجراءات الاحترازية، وتنفست الصعداء، وارتاحت من تحرش الإنسان بها”.

   وخلال كلمتها، توقفت المناضلة الشفشاونية عند تجربة التعليم عن بعد، وكانت تجربة جديدة علي، تقول، ومفاجئة، و”أخذت  مني جهدا كبيرا، وكان وقتها مفتوحا، خصوصا في مرحلتها الأولى، سيما مسألة انعدام تكافؤ الفرص في هذه العملية كانت تؤرقني”،  فيما أوضحت أنها، خلال فترة الحجر، انخرطت في لجنة اليقظة للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، وأنه كان، في وهلته الأولى، انخراطا عن بعد، وافتراضيا فقط، بعدها، انخرطت ميدانيا، وكانت تقضي أوقاتها في دار الشباب.

   وكانت مكونات اللجنة، حسب حميدة جامع، متنوعة، وضمت عدة خلايا للتواصل والتدبير واللوجستيك والعمل الميداني… وقامت بأدوار متعددة من قبيل التحسيس والتوعية والإرشاد في الشوارع والأزقة والأسواق، وتقديم الدعم بمختلف أشكاله للأسر الهشة بتنسيق مع السلطة المحلية وإشرافها: (كتوزيع المساعدات الغذائية على المحتاجين ومساعدة العائلات والأفراد على الالتحاق بمقر سكناهم بمدن وأماكن مختلفة..

   كما ضمت توصيل المرضى من المستشفى إلى منازلهم وزيارة من هم في منازلهم منهم وإجراء الفحوص لهم والمساعدة على التسجيل في المنصات الكترونية التي خصصتها السلطات للمساعدات المالية بالنسبة للمسجلين في راميد والمشتغلين في القطاعات غير المهيكلة ومساعدة الشباب المتطوع في تمشيط مداخل المدينة ومنافذها ليلا ونهارا لرصد المتسللين وإبلاغ السلطات عنهم لإخضاعهم للفحص خوفا من انتشار العدوى في حال حملهم الفيروس، ورصد حالات خرق الحجر الصحي…)

   ومن أهم ما أثار انتباهي في هذه  التجربة، توضح الفاعلة المدنية، “روح التضامن ووطنية الشباب الذين تواجدوا في الصفوف الأمامية، في الميدان، والذين لم يختبئوا في منازلهم خوفا من الفيروس، وحفاظا على حياتهم، بل أصروا على تقديم الدعم والمساعدة لساكنة المدينة”…

   وبخصوص يومياتها، أوضحت المبدعة أن تجربتها امتدت ما بين20  مارس و10يونيو2020  “ثلاثة وثمانون يوما في الحجر الصحي” وعلى حد قول محمود درويش: “العزلة مصفاة لا مرآة”، وخلالها، ظنت في أول يوم من الحجر أنها “ستغوص في أعماقها لتكتب، لكنها وجدت أنها تكتب لتصفي ما علق في أعماقها جراء اختلاطها بالناس”…

   في يومياتي الأولى، تقول: “ركنت إلى ذاتي، وانتابني الخوف والقلق من المجهول، وتوسلت بأيام الطفولة والصبا، وتذكرت حوادث علقت بذهني، وكنت أزاوج بين الحاضر والماضي في يومياتي، وأتابع أخبار الفيروس بشكل متواصل”…أما في الجزء الثاني من اليوميات، تضيف جامع، فكنت “أتذبذب بين الماضي والحاضر، والقلق يزداد يوما بعد يوم، قلق الكتابة والبوح وقلق الفيروس”…

    وفي الجزء الثالث والأخير، “انقطعت إلى التعبير عن الأحداث المتلاحقة التي كانت تصلنا من هنا وهناك، فجذبتني نحوها بقوة، ووجدتني أعبر عن الحاضر، مشيدة بوسائل التواصل الاجتماعي التي خففت من وطأة العزلة”…ف “بوجود التلفزيون والفايسبوك والواتساب، نحن نعيش الاختلاط بالناس والاتصال بالعالم، ونتحاور، ونتجاذب أطراف الحديث، ويصبح الوقت قابلا للاستهلاك السريع”…

   وردا على أسئلة متتبعي الحلقة، أوضحت حميدة جامع قائلة: عندما “كنت أكتب يومياتي، لم أكن أتخيل أنني سأواظب على كتابتها، وأنني سأكون في مستوى هذا التحدي طيلة هذه المدة، خصوصا أن الإكراهات اليومية، الأسرية منها والمهنية والنضالية كانت تستنزف طاقتي؛ ويصعب علي، أحيانا، أن أكتب ما أريد أن أكتبه”…

    أما بخصوص ما قدمته الجمعيات النسائية، خلال هذا الحجر، فلم يكن، حسب الناشطة الحقوقية، “يرقى إلى المستوى المطلوب، لأن الوباء والحجر المنزلي والإجراءات الاحترازية كلها جاءت بشكل مفاجئ، وأخذت الجمعيات النسائية وقتا طويلا لتقبل الأمر، ولتقبل طريقة الاشتغال”، لأن السؤال الذي كان مطروحا، هو كيف نعمل نحن الذين ألفنا العمل الميداني، ولم نألف العمل الافتراضي عن بعد، ورغم ذلك، توضح الكاتبة العامة للسيدة الحرة فإننا، “نحن مناضلات جمعية السيدة الحرة، (فرع شفشاون) أطلقنا أرقاما للتبليغ عن حالات العنف في أوساط النساء”…

error: