القاصة المغربية فاطمة الزهراء الرغيوي: النساء هن من يدفعن الثمن أكثر إبان الأزمات

  • علي بنساعود

ذة. فاطمة الزهراء الرغيوي، قاصة ومنسقة عامة ل “جمعية السيدة الحرة للمواطنة وتكافؤ الفرص”، خلال استضافتها، رفقة ذة. حميدة جامع، مساء السبت 27 يونيو 2020، مباشرة، عبر منصة الفيسبوك، في إطار “حلقات أكورا للثقافة والفكر”، التي دأبت جمعية أكورا للثقافة والفنون على تنظيمها، منذ بداية الحجر الصحي، وكان محور الحلقة الأخيرة: “نساء في الحجر: بوح من هنا وهناك”، أدارتها باقتدار ذة. سعاد الشنتوف.

صرحت فاطمة الزهراء الرغيوي أن لها مؤاخذتين على الحركة النسائية المغربية بشكل عام، وعلى جمعية “السيدة الحرة” بشكل خاص، وهاتان المؤاخذتان هما: “أولا: عدم القدرة على استقطاب الشباب لهذا النضال، وهذا خطأ وعجز كبير تعاني منه الحركة النسائية بشكل عام، وأنا دائما أطرح هذا السؤال: لماذا ليس لدينا القدرة على خلق الجاذبية لهذا النضال؟”، وثانيا: “الحركات النسائية، عبر العالم، انفتحت على مطالب “الأقليات” كالمثليات والمثليين… لكن الحركة المغربية مازالت تتحدث بنوع من التحفظ والكثير من الخجل والصمت على هذه المواضيع”!.

وتضيف المتحدثة، “أن في المغرب مجموعة من الأشخاص ممن يحتاجون لدعمنا ولنضالنا لنسمع أصواتهم وأصواتهن. وفي هذا الجانب، أعتقد أنه يجب أن نذهب صوب الإنسان في كل اختلافاته، ومهما تكن ميوله أو اختياراته أو لونه… لأن الإنسانية توحدنا بشكل كوني“،

وعن سؤال كيف عاشت الحجر كامرأة، أجابت المتحدثة: “عندما يوجه لي السؤال كيف عشت حدثا أو تجربة بصفتي امرأة، أجيب بأنني لم أجرب حياة أخرى غير هذه، وبالتالي، فقد عشت الحجر كإنسان، تشاركت، وباقي الناس، عبر العالم هذا الحجر الذي كان غريبا وغير متوقع”، وفي البداية، “كنا نسمع عن الوباء نهاية يناير وبداية فبراير، وكنا نضحك كما لو كان الأمر دعابة، ونعتبر أنه أمر بعيد… كما كنا نتعامل ببعض الأنانية، أنانية البعيدين، على اعتبار أن الوباء في آسيا… وكانت هناك بعض العنصرية التي اكتشفناها بداخلنا، فنحن، في النهاية، حسب قولها، ننتمي إلى ثقافة تجعل الآخر مختلفا، وبعيدا، وهذا أمر مؤسف فعلا…

وتضيف الفاعلة المدنية: “أنا لست شخصا يصعب عليه أن يظل حبيس الجدران، وحدث في فترات كثيرة من حياتي، أن بقيت، بشكل اختياري، لأسابيع وأكثر حبيسة الجدران، كنت أنزوي لأقرأ وأكتب، دون أن أشعر بحاجة للخروج خارج أسوار البيت، وكان دائما هناك  أفراد الأسرة يؤنسون هذه العزلة الاختيارية التي كنا نلجأ إليها”، لكن الأمر اختلف هذه المرة، “حيث وجدتني بعيدة عمن أحبهم من أفراد الأسرة والأصدقاء والصديقات، إلا أن الغريب في هذا الحجر هو أنني كنت أرى واسمع  كل صديقاتي وأصدقائي وأفراد الأسرة في أماكن مختلفة يعيشون الأمر نفسه”..

و”غالبا حين كنت أُسأل كيف تعيشين الحجر؟ وهل هو ثقيل عليك؟ كنت أجيب لحسن الحظ أنني لست في غرفة غير مرغوب فيها، لأن الأسوأ هو أن تعيش العزلة في مكان مغلق مع شخص أو أشخاص تشعر بثقل حضورهم”…لذلك، تضيف المتدخلة، فقد “عشت الموضوع بشكل عادي كإنسان منشغل أو محكوم أن ينعزل عن الآخرين ليضمن سلامته، وهو أمر فيه مفارقة، فلكي ننجو يجب أن نهرب إلى محاجرنا، وأن نغلق على أنفسنا الأبواب، أي أننا سننقذ أنفسنا والعالم بأن نظل في بيوتنا”… وهنا مفارقة مضحكة تشي بالقلق الذي نعيشه.

وعن عملها كمناضلة وكمنسقة وطنية لجمعية السيدة الحرة، أوضحت الرغيوي أنها “انتقلت إلى مدينة ليون الفرنسية، أوضحت للحرات، (تقصد مسؤولات ومناضلات جمعية السيدة الحرة) أنه ليس بإمكانها أن تكون منخرطة بفعالية في الجمعية، لأسباب عديدة منها بعدي عن العمل المباشر، ولالتزامات أخرى…”، لكن ونظرا لأن الجمعية تقوم على التنسيق الجماعي، “فإن الجمعية، قامت، حسبها بمجهودات جبارة وأطلقت العديد من المبادرات… منها إعدادها لمذكرة ترافعية حول إشكالات النساء في الحجر، لأن الفئات الهشة، وعلى رأسها النساء، هن من يدفعن الثمن أكثر إبان الأزمات…”.

وأضافت الرغيوي أن “السيدة الحرة” أنشأت منصة للاستماع للنساء، وأنها نظمت ندوة حول تدبير الحريات في زمن الوباء، وهي حريات تبين أنها يتم الانتقاص منها بشكل كبير، فيتحول الإنسان إلى كائن يعيش فقط… “مع أنه يجب أن نحافظ على يقظتنا لأننا، حسبها، قد نفقد الكثير إن كنا نريد سلامتنا فقط…”، أما بخصوص الكتابة في الحجر وعنه، أوضحت القاصة أنها “كتبت 57 يومية قصيرة جدا مقارنة مع ما كتبه آخرون، وأن كتابتها لهذه اليوميات جاءت كتحد لإحدى صديقاتها التي دعتها إلى الكتابة عن الحجر الذي هو حدث تاريخي استثنائي سيذكره التاريخ”، لذلك يجب أن تكتب وتؤرخ له..

وفي ذات السياق، اوضحت: “حاولت أن تكون يومياتي مرآة لذاتي، في هذا المكان الذي أعيش فيه والذي أسميته “مستطيل العزلة”… واعتبرت انه من الجيد جدا أن اغوص داخل ذاتي في الأسئلة المقلقة التي تشكلني كفاطمة الزهراء الرغيوي… لذلك، أوليت اهتماما خاصا للتفاصيل الصغيرة، والأشياء الحميمية، وهي ليست كثيرة لكنها مهمة… كما حاولتُ أن أكون أكثر شفافية لكن، في نفس الوقت، دون أن أجرؤ على التعرى أمام الآخرين…”.

وهنا، أشارت القاصة التي تتبعت كتابات متعددة عن الحجر، وبصيغ كتابة مختلفة منها يوميات صديقتها حميدة جامع التي داومت على الكتابة، ومن خلالها تعرفنا على مدينة شفشاون وثقافتها وأبعادها المتعددة، كما تتبعت ما كان يكتبه القاص أنيس الرافعي، الذي سمي كتابته “أرخبيل الفزع” وهي كتابة جميلة، حسبها، تحاور الحجر من جوانب غريبة وغرائبية عبرت عنها نصوص وأعمال فنية متعددة قابلت بين الحجر والفزع… كما استحضرت القاصة تجربة صديقتها الفلسطينية أحلام شرابي…

وأضافت أنها “لا تفكر في أن تشتغل على يومياتها إلا ما كان من تصحيح بعض الأخطاء و الهفوات اللغوية والإملائية التي يمكن أن تكون حدثت أو وضع تقديم، أما المراجعة فلا تفكر فيها، لأن اليوميات في اعتقادها يجب أن تحتفظ بصيغتها المباشرة، وتفاعلها التلقائي مع الحدث…”، وبخصوص كاتبات القصة المغربيات، أوضحت الرغيوي: “أنا لا أميز بين الكتابة النسائية والذكورية؛ فالكتابة تبقى كتابة دون تمييز جنس الكاتب، واعتبرت أن هناك كاتبات متفردات في هذا المجال، وأننا عندما نقرأ بعض النصوص، نود لو كانت من بنات أفكارنا… وهنا أكدت اعتزازها بمجموعة من التجارب كلطيفة باقا ولطيفة البصير وسلوى ياسين…”.

وعن سؤال يتعلق بالكتابة بنظارات النوع الاجتماعي، أوضحت القاصة/ المناضلة قائلة: “لا أستطيع العيش بدون هذه النظارات… بل يصعب علينا جميعا أن نرى العالم دونها… وإلا كيف سنرى تنوعه؟”، مضيفة: “نظارات النوع الاجتماعي ضرورية للنساء والرجال أيضا ولكل من يؤمن بحقوق الإنسان، لأن هذه الحقوق كاملة غير قابلة للتجزيء…”،  

وأضافت “في بعض اليوميات تحدثت عن النساء، عن بعض الجوانب الخاصة بي، عن الذاتية التي ربما تناولتها من جانب النوع، لكن أعتقد أن أي كاتبة لا تضع نظارات النوع الاجتماعي ينقصها الكثير… وهذا لا يعني أنه من الضروري أن نكون مناضلات في الميدان، بل يعني أنه من الضروري أن يكون لدينا هذا الوعي بخصوص حقوقنا الإنسانية كاملة… أن يكون لدينا طموح إلى الحرية ونحن نكتب…”، وبعض الكاتبات “يعتبرن هذا دخيلا على الإبداع، غير أنني أعتقد أن الكتابة يجب أن تكون منبثقة من رؤيا تشتغل على قضايا أو على الأقل بكون لدينا هذا الطموح”… الطموح إلى الحرية…

وفي الختام، تقاسمت القاصة إحدى يومياتها خلال الحجر الصحي، وهي اليومية رقم 48 وتقول فيها:

“الحرية أولا…

الحرية دائما…

إنهم يسحبون منا بساط…

الحرية مقابل السلامة الصحية…

نتفهم ذلك على مضض….

لكن…

error: