لطيفة البوحسيني: الوضع والسياق يفرضان على الصوت النسائي أن يكون حركة قوية بمعناها السياسي

  • تغطية: علي بنساعود

اعتبرت الأستاذة لطيفة البوحسيني أن “النضال النسائي القادر على رفع تحديات مغرب اليوم لا يمكنه التركيز فقط على الترافع في اتجاه الدولة من أجل إدماج المطالب في نسق سياسي واقتصادي هو نفسه بحاجة إلى تغيير… وأن ألحركة النسائية التي ستفرض نفسها، مستقبلا، هي تلك التي ستهتم بقضية المرأة، بقدر ما ستنخرط في النضالات ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية التنموية والبعد الخاص بحرية التعبير… سيما أن المقاربة القانونية، التي كانت لها أهميتها في السابق، أبانت اليوم عن محدوديتها، وأصبح ملحا الانفتاح على الأبعاد المختلفة الأخرى”…

وذلك، لأن الحركة النسائية، اليوم، حسبها، بحاجة إلى ضخها بنفس استراتيجي سياسي جديد يجعلها في خدمة التحرر من الهيمنة المتعددة الأبعاد، وفي القلب منها الهيمنة الذكورية… وهي حين تطرح هذا، فهي تعتبر أنه في الوقت الذي كان فيه “التخوف من التراجع على المكتسبات الخاصة بحقوق النساء، وجدنا أنفسنا نعيش تراجعات على مستويات عدة أهمها التراجع في الشق السياسي وفي المسار الديمقراطي وفي حرية التعبير… وهي التراجعات التي كان لها أثر سلبي جدا على مختلف القضايا والحركات…”.

جاء هذا خلال استضافة الأستاذة لطيفة البوحسيني، وهي نسائية وناشطة حقوقية وأستاذة بكلية علوم التربية، التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، مساء السبت 18 يوليوز الحالي، مباشرة، عبر منصة الفيسبوك، في إطار حلقات أكورا للثقافة والفكر، التي دأبت جمعية أكورا للثقافة والفنون على تنظيمها منذ بداية الحجر الصحي، وكان محور الحلقة: “أية رهانات نسائية لمغرب اليوم؟” وحاورتها باقتدار وتميز الأستاذة سعاد الشنتوف.

وتنطلق لطيفة البوحسيني من أن الحركة النسائية في جوهرها “حركة جذرية تغييرية، تتوخى، على المدى البعيد، دك أسس الهيمنة الذكورية القائمة على التراتبية وتغيير العقليات والذهنيات والتمثلات والمخيال الجماعي”…فيما دعت البوحسيني الحركة النسائية المغربية إلى مساءلة النموذج النسائي البورجوازي الغربي الأوروبي ذي اللون الأبيض، والانفتاح على تيارات نسائية أخرى منها تلك التي ظهرت في ماليزيا وأمريكا وأوربا نفسها…”، إذ في ماليزيا، وسياقها إسلامي، توضح البوحسيني، “ظهر تيار نسائي يناهض الهيمنة الذكورية، وقامت مناضلاته بقراءة القرآن “قراءة نسائية جديدة”، انطلقن فيها من خصوصية سياقهن، ومكانة الدين فيه…”.

ومن أمريكا، قدمت البوحسيني نموذج “النسائية السوداء”، وهي، حسبها، تيار نسائي ظهر منذ أزيد من أربعة عقود، “منبثقا من قلب نضال السود ضد العنصرية، غير أنه ربط النضال النسائي بالنضال ضد العنصرية، معتبرا أن النضالات التحررية تقوم على روابط إيديولوجية تستهدف نظام العبودية والنظام الطبقي والهيمنة الذكورية، ومن ثمة ضرورة الربط بين هذه الأبعاد الثلاثة…”.

كما توقفت الباحثة عند بعض الباحثات النسائيات اللواتي طورن عددا من المفاهيم والبراديغمات الجديدة التي وضعنها في ما يسمى بالتقاطعية، واقترح بعضهن ضرورة الربط والتقاطع، في النضال النسائي الراهن، بين ثلاث واجهات هي: الواجهة الاقتصادية والواجهة الثقافية الخاصة بالاعتراف بمكانة النساء، والواجهة المتعلقة بالتمثيلية أي بالحقل السياسي…حيث، حسب الناشطة الحقوقية، أن أوروبا نفسها “شهدت مجتمعاتها ميلاد حركات نسائية متنوعة بسبب التنوع الذي تعيشه، وجزء من الحركات تجاوز النظرة التي أسماها نظرة استعمارية داخل مجتمعاتهن…”.

وهي حين تدعو إلى الانفتاح على هذه التيارات النسائية فمن أجل الاستئناس بها مع استحضار خصوصية سياقنا وتجربتنا الخاصين، واستخلاص الدروس من قراءة تاريخنا، والاستفادة منه بما يسمح لنا بإضاءة الحاضر واستشراف المستقبل… مع العمل الجاد على تجاوز المآزق السابقة والتناقضات المفتعلة بين الكونية والخصوصية… لأن المبدأ، حسبها، كوني والقيمة كونية، لكن التجارب هي بالضرورة ذات خصوصية، وعناصر السياق هي دائما ذات طابع خصوصي، ولا يمكنها أن تعيد إنتاج ما تعرفه سياقات أخرى مختلفة عنها…

كما دعت الباحثة الحركة النسائية المغربية إلى “الانفتاح على الحركات المناهضة للنيولبرالية المتوحشة، عبر العالم، لأن أزمة كوفيد كشفت فظاعة هذا النظام الاقتصادي، وعرت ضحاياه من البلدان الفقيرة ومن الفئات الاجتماعية الهشة…”، لتتوقف البوحسيني أيضا عند تجربة الحركة النسائية المغربية، واعتبرت أنها “حركة ولدت منتصف الثمانينات، على يد مناضلات لهن تجارب في إطارات حزبية و/أو نقابية و/أو حقوقية و/أو طلابية”… وأضافت أن هذه الحركة “طرحت الكثير من المطالب، لكنها حددت لنفسها عددا من الرهانات على مدى زمني طويل نسبيا”..

كما اشتغلت الحركة، تضيف الباحثة، في “إطار جمعيات وطنية بفروع جهوية، طورت أسلوبها التنظيمي بشكل جعلها تنخرط في إطار شبكات وحققت العديد من المكتسبات بعضها عام مثل النجاح في جعل قضية المرأة قضية مجتمع، وفي فرض تفاعل مختلف الفاعلين معها من رأس الدولة إلى الحكومة والأحزاب والنقابات والجمعيات، كما نجحت في فرض قضيتها حتى على من التزموا الحياد تعبيرا عن ذكوريتهم، ونجحت الحركة النسائية أيضا، حسبها، في انتزاع مكتسبات مادية ملموسة منها: إصلاح مدونة الأسرة والرفع من تمثيلية النساء في مراكز القرار السياسي واعتماد قانون لمناهضة العنف ضد النساء، علاوة على ملف أراضي السلاليات…”.

وفي قراءتها لهذا المسار، حرصت الباحثة على استحضار الخلفية النسائية التي تنطلق من أن النضال النسائي يستمد شرعيته من رفض الهيمنة الذكورية كنسق وكمنظومة أطرت العلاقات بين الجنسين ولمكانة كل من المرأة والرجل في المجتمع منذ زمن ممتد في تاريخ الإنسانية، وهي منظومة قائمة على صور نمطية وعلى إقصاء النساء، والتمييز ضدهن وحرمانهن من الفرص والموارد…

كما توقفت عند نقاط قوة الحركة النسائية وبعض عناصر محدوديتها، فبخصوص نقاط القوة، توقفت عند مجموعة من المعارك التي خاضتها الحركة النسائية ومنها المعركة من أجل إصلاح مدونة الأحوال الشخصية، وحسبها فقد “انخرطت في هذه المعركة الحركة النسائية بكل مكوناتها، ونجحت، في التنسيق بينها وكانت بمثابة مختبر مكن الجمعيات من تطوير أدوات عملها وشكلها التنظيمي وأسلوب تواصلها…”، والأهم هو أنها نجحت في تسييس قضيتها، كما نجحت في تأصيل النسائية في التربة المغربية، ومنحها طابعا مغربيا، ونجحت أيضا في تفكيك الخلفية الذكورية المؤطرة للعلاقات بين الجنسين داخل الأسرة، كما كانت مقننة في مدونة الأحوال الشخصية.

غير أن الربح الأكبر الذي حققته الحركة النسائية، حسب المتدخلة، هو ذلك الذي “مس المخيال الجماعي، والعقليات عبر توسيع دائرة التحسيس حول منظومة الهيمنة الذكورية بشكل غير مسبوق…”، بعدها، تناولت البوحسيني المعركة من أجل الرفع من تمثيلية النساء في مراكز القرار السياسي، وهي معركة قامت بها في مرحلة أولى بعض مكونات الحركة النسائية والقطاعات النسائية للأحزاب، وفي مرحلة ثانية، خاضت بعض مكونات الحركة النسائية العملية الترافعية، ونجحت الحركة في انتزاع مكسب اعتماد لائحة وطنية بالنسبة للبرلمان ولائحة إضافية في الجماعات…

وأضافت الباحثة، أن “جل الأحزاب تعاملت مع اللوائح النسائية بمنطق المنة والصدقة، ووظفتها لخلق منافسة بين نساء الحزب الواحد، بل استعملها البعض كريع، مفرغا إياها من محتواها ورسالتها النبيلة… لكن هذا لا يعفي الحركة النسائية من المسؤولية، إذ أنها، وعكس ما كان عليه الأمر في المدونة، لم تبن حججها للدفاع عن الرفع من التمثيلية النسائية انطلاقا من أهميته في خلخلة الهيمنة الذكورية، بل ركزت في حججها على الجانب العددي، وهو مهم بطبيعة الحال، دون ربطه بالبنية الذكورية”، وكأن الأمر بالنسبة إليها مسلمة، والحال أن دك أركان الهيمنة الذكورية يتطلب، كل مرة، وفي كل مجال، الوقوف عند التفاصيل التي يختفي فيها الشيطان…

كما لاحظت البوحسيني أن النقاش في هذه القضية، كان مهما ربطه بالسؤال الديمقراطي وسؤال المواطنة، والسؤال الديمقراطي في العلاقة مع النظام السياسي، وكذلك في العلاقة مع الثقافة التنظيمية السائدة داخل الأحزاب، غير أنه تم التركيز على البعد العمودي على حساب الأفقي، ما أدى إلى تشويه الكوطا، ورفضها من طرف شرائح واسعة… كما تناولت الباحثة قضية السلاليات وقضية العنف ضد النساء، مشيرة إلى أنه “تم التركيز على القانون والإجراءات الوقائية والحمائية دون تقديم الحجج التي تربط العنف بمنظومة الهيمنة الذكورية، ما جعلها تخلص إلى أن الحركة النسائية ربحت قانونا “معاقا”، ولم تربح ما يكفي لخلخلة الذهنيات في العلاقة بالتراتبية بين الجنسين التي تتخذ أبعادا متعددة لعل أقساها هو العنف بكل أنواعه…”.

هذه المكتسبات وغيرها تحققت على مراحل، وفي ظروف مختلفة، تراوحت بين الانفتاح السياسي والحقوقي وبين بداية الانحباس، بين الإصلاح الدستوري تجاوبا مع حركة الشارع، وبين الانغلاق والتراجع السياسي.. حيث خلصت الناشطة الحقوقية إلى أن الحكومات المتعاقبة، منذ منتصف العشرية الأولى من الألفية، قامت بإفراغ عدد من الحقوق والمطالب من نفسها السياسي… رغم أن أجزاء واسعة من الحركة النسائية تعتقد أنه تم تحقيق تراكم حقيقي لعدد من المكتسبات…”، وحتى إن اعتبرنا بعض المكتسبات القانونية إيجابية، فلابد من الانتباه إلى أنه في ظل الهشاشة والفقر، تصبح هذه المكتسبات ذات أثر محدود…

بعدها توقفت البوحسيني عند حركة 20 فبراير، واعتبرت أنها “شكلت فرصة للعودة لتسييس القضية النسائية وإخراجها من النفق التقني الذي لم يتحقق معه التقدم المرجو على حياة النساء، وكانت فرصة لتجديد ربط القضية النسائية بالقضية الديمقراطية، لكن تم تفويت فرصة تحتاج عودتها إلى زمن غير يسير…”.

وأوضحت البوحسيني أن الحركة النسائية لم تخرج بموقف موحد من 20 فبراير، وحتى كجمعيات لم تعلن لا مساندتها للحركة ولا معارضتها لها، بل إن بعض النسائيات المعروفات “وجهن انتقادا شديدا لـ20 فبراير، بسبب تغيببها لمبدأ المساواة بين الجنسين، مضيفة أن عددا من النسائيات كن يخرجن في المسيرات الاحتجاجية لـ20 فبراير، غير أن بعضهن اعتبرن أن ميزان القوى في الساحة لصالح الإسلاميين، وأن مكونات اليسار التي تعتبر حليفا طبيعيا للحركة كانت هي نفسها مترددة ولم يكن لديها موقف الدعم واستثمار اللحظة للتواجد بالشكل الذي يجعلها تضغط هي الأخرى في الاتجاه الذي يسمح بالتقدم لصالح الديمقراطية.”.

وكشفت الحقوقية أنه، بعد خطاب الملك بتاريخ 9 مارس، تم تأسيس شبكة “الربيع النسائي للديمقراطية والمساواة” وضمت عددا من الجمعيات النسائية الوازنة بهدف إعداد مذكرة لتقديمها للجنة المنوني، في أفق إصلاح دستوري يستجيب لمطالب الشارع، غير أنه وقع خلاف داخل مكونات الحركة النسائية بين من يقترح إعداد مذكرة تتضمن مقترحات الحركة، في ما يتعلق بقضايا الديمقراطية وفصل السلط… وبين من يفضل التركيز على حقوق النساء وقضايا المساواة والمناصفة وعدم التمييز… “.

إلى هناك، انتهى الأمر بأن قدمت كل جمعية على حدة مذكرتها الخاصة التي ضمنتها مقترحاتها على أساس أن تتضمن المذكرة المشتركة باسم الشبكة المطالب النسائية الصرفة… ما يعني أنه لم يتم الاتفاق على إبداء الرأي بالتفصيل في طبيعة النظام المنشود… بل بدا، من خلال بعض الأنشطة التي تم تنظيمها في ما بعد، من طرف الشبكة، أنها تركز على حقوق النساء، وأوضحت البوحسيني أن هذا “لا يعني أن مكونات الحركة النسائية ترفض التقدم في قضية الديمقراطية بل إن قراءاتها للوضع السياسي العام، ولوضعية الأحزاب اليسارية المتسمة بالتراجع حينها، وتقديرها لقوة الإسلاميين، ثم تأكيدها على أن ما تحقق من مكتسبات لا يمكن التفريط فيه بالمجازفة بوصول الإسلاميين الذين شكلوا دائما عدوا حقيقيا للقضية النسائية… واعتبرن الحكم مؤهلا أكثر للاعتماد عليه لحماية المكتسبات، خصوصا أنه تعامل في الماضي بإيجابية مع مطالب الحركة النسائية، مقارنة بالإسلاميين الذين تصدوا بشراسة لإصلاح مدونة الأحوال الشخصية.”.

واعتبرت المتدخلة أن هذا الرأي “تعامل من داخل الحركة النسائية بمنطق براغماتي بدل أن يستند على بعد استراتيجي في قراءة الوضع، يعي جيدا أن التقدم في قضية المساواة رهين بالتقدم في إرساء أسس النظام الديمقراطي وأسس دولة الحق والقانون وفصل السلط، مضيفة أن مكونات الحركة النسائية لم تكن لتخسر شيئا لو أنها انخرطت في إطار هذه الحركة التي شكلت لحظة تاريخية، إذ حتى وإن كان احتمال عدم ربحها واردا على مستوى المطالب، فهي كانت ستنجح في الانفتاح على جيل جديد من الشباب والشابات ممن خرجوا مطالبين بالحرية والعدالة الاجتماعية والحكامة الجيدة”.

وفي محور تفاعل الجمعيات النسائية مع واقع الجائحة، أكدت الباحثة أن “مجموعة من الجمعيات كانت حاضرة، وأصدرت بيانات تنبه السلطات، وقدمت خدمات الدعم، ونظمت ندوات وحلقات للتحسيس… غير أنها لاحظت أن هذه الإطارات اشتغلت كجمعيات وليس كحركة، إذ كل جمعية حضرت وتفاعلت واستجابت وعبأت طاقاتها ومواردها المالية والبشرية في ظرف عصيب وهو أمر ينبغي التنويه به”..

وأرجعت البوحسيني “اشتغال النسائيات كجمعيات وليس كحركة إلى طبيعة الوضع والسياق، وإلى طبيعة القضايا، إذ كان الآمر يتعلق بالاستجابة لحاجيات آنية لا تستدعي بالضرورة تعبئة في إطار تنسيقي، وفرق بين الاستجابة لحاجيات آنية وبين مطالب ذات بعد استراتيجي تحتاج إلى اتفاق مسبق وإلى قوة الحجة وقوة التنظيم وقوة التواصل…”.

واعتبرت الباحثة أننا، اليوم، “في حاجة لحضور الصوت النسائي كحركة بمعناها السياسي، خصوصا أن المجتمع المغربي شهد، خلال قرابة 3 عقود ونصف، حضور حركة نسائية نشيطة جدا، وأننا بقدر حاجة مجتمعنا لهذه الحركة، بالنظر للتحديات الكبرى المطروحة علينا، بقدر ما نلاحظ خفوت صوت هذه الحركة الذي لا يعني البتة موتها ونهايتها…ولأن التحديات كبيرة، فالرهان على بروز جديد لصوت الحركة النسائية أصبح مطروحا، وبطبيعة الحال، فإن بروز دينامية جديدة لن يتحقق برغبة أفراد، ولا بعصا سحرية، ولا يخضع لقضاء إلهي يقول له كن فيكون، بل هو رهين بتفاعل وسيرورة تتداخل فيها عوامل ذاتية وموضوعية، كما يتداخل فيها الوعي بالذات الجماعية والتقاط الفرص والظروف المتاحة…”.

وختمت الباحثة أنها بطروحاتها هذه لا تتكهن، ولا تدعو إلى تجميع أو شيء من هذا القبيل، بل هي فقط تفتح نقاشا، وتثير أسئلة، وتطرح فرضيات كمحاولة منها للتوقف عند الرهانات المستقبلية…

error: