كل مغربي يمتلك نسخة من مفتاح الوقاية من الوباء

      عبد السلام المساوي

الحركات المتاجرة بديننا وجه لوباء آخر أخطر بكثير من كورونا يتهددنا منذ القديم…
لحسن الحظ _ إذا جاز استعمال عبارة حسن الحظ هنا _ أن هذا الوباء الخطير أرعب الناس فعلا . لذلك انتبه الشعب هاته المرة إلى خطورة ما يقوله هؤلاء الموتورون . ولذلك فهم الناس هذه المرة أن هؤلاء يدافعون عن متاجرتهم بالدين ولا يدافعون عن الدين ، لأنهم يعلمون أن الناس إذا ما استيقظت وتعلمت واستوعبت حقيقة ما سيقع فلن تعطيهم أذنا واحدة …
غدا أو بعد غد أو بعد أيام أو أسابيع أو أشهر سيتمكن علماء حقيقيون يستحقون حمل لقب وصفة العلم هاته ، من اكتشاف اللقاح لهذا الوباء الخطير الذي يهدد العالم كله ، سننسى بعد ذلك أمر الوباء وستعود الينا هاته الأوبئة المتلفعة زورا وبهتانا في لباس الدين لكي تقصفنا بالمزيد من بذاءاتها و رداءاتها وخرافاتها …
علينا ان نستفيد من المرض الذي يعبر العالم اليوم ، ومثلما تعلمنا جميعا أن النظافة مهمة لقتل أي وباء ، يجب ان نستوعب ان تنظيف عقولنا ضروري للقضاء على فيروس الخرافة هذا الذي يجعل أميين موتورين يتحدثون فيما لا يفقهون فيه شيئا ….
في زمن آخر تحدث علماء الاجتماع عن مواقع التواصل الاجتماعي التي ستتيح الجاهلين سب المتعلمين ومناقشتهم بل والتغلب عليهم لأن الجهل يغلب دوما العلم حين الجدال الفارغ . وقد وصلنا إلى تلك الحالة ورأينا أناسا لم يكملوا تعليمهم يتحدثون في السياسة وفي الدين وفي الاقتصاد وفي الطب وفي الهندسة وفي الكرة وفي الثقافة وفي كل مناحي الحياة .
مع هذا الوباء الخطير ، الذي يهددنا مثلما يهدد أنحاء العالم كله ، استوعبت الجهات الوصية على سلامتنا العامة ان التساهل مع هؤلاء الجهلة أمر لم يعد ممكنا لذلك ضربت وتضرب وستضرب بيد من حديد ، ونحن لا نكتفي فقط بالتنويه بعملها ، بل نطالبها بالمزيد لأن وباء الجهل أسوأ وأخطر وأشد ضراوة من أي وباء اخر يشتغل العلماء الحقيقيون اليوم على البحث له عن مصل أو لقاح …
لقد صبرنا طويلا على هاته الجهالة المستشرية في قومنا ، والتي تسللت إلى بيوتنا وأضاعت ذوق أبنائنا وبناتنا ، وها هو اليوم هذا الوباء المرعب المسمى كورونا يعطينا فرصة التخلص منها إلى الأبد ، أو على الأقل فرصة التقليل من آثارها الوخيمة والمدمرة ..
أكاد أجزم من خلال ما لمسته وعايشته من تضامن ومبادرات فردية وجماعية داخل الأحياء السكنية والقرى في الأزقة والشوارع ، من أجل الوقاية من فيروس كورونا المستجد ، والتخفيف من تأثيراته الصحية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية على مجموعة من الأسر والمياومين والمهنيين أن الوباء بصدد تنقية وتطهير البلاد من سلوكات سلبية دخيلة على المغاربة ، وبصدد الترسيخ والتأسيس لعهد جديد ولا مكان ل ( التواكل ) في قاموس المغاربة الشرفاء ، بعد أن عقدوا العزم على التحدي والمقاومة ، واعتماد العقل في هذه المرحلة التي أنهكت أرقى الحضارات وأذكى العقول …
إن المغرب يحضن شعبا طيب الأخلاق والأعراق ، وإن هذا الشعب قرر العمل على شكل أسراب من النحل والنمل من أجل صحة وسلامة وأمن البلد بأكمله ، حاملا شعار ( أعقلها وتوكل على الله) ، المقتبس من حديث نبوي شريف ، مؤمنا بأن ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عليه. كربة من كرب يوم القيامة ) ، وأن ( يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ) ، وأن ( الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) …كلها تعليمات من السنة النبوية الشريفة ، كان من المفروض أن تجهر بها تلك الكائنات الاسلاموية ، التي اعتادت حمل شعار ( إنا عكسنا ) . بدلا من استغلالها لمواقع التواصل الرقمية ، من أجل تذكيرنا بمواضيع يعرفها كل المغاربة ، عن الوباء والبلاء والكفر والإلحاد…
عندما نقرأ كيف تجند أطباء وعلماء وخبراء في علم الأوبئة والجراثيم مشكورين من أجل. الاهتداء إلى فيروس مضاد لفيروس ( كوفيد 19 ) ، وكيف أنهم هاجروا أسرهم ، واختاروا عن طواعية الاعتكاف داخل المختبرات والمصحات ، من أجل الاسراع بنجدة الموبوئين ، والحد من انتشار الوباء …نتحسر كثيرا على تلك الكائنات ، التي تدعي العلم والفقه والبلاغة ، وتقضي اوقاتها في اصدار الفتاوى في التحليل والتحريم ، وتبيان أمور لا أساس لها من الصحة ، لم تعجبها قرارات إغلاق المساجد والمدارس والجامعات ، ودائمة التشكيك في البلاغات والمبادرات الرسمية …وبالمقابل فليس لها مقترحات ولا مساهمات في دعم وحماية المغاربة ، وتحمل شعار الضعفاء والجبناء ، تعطي تأويلات خاطئة لآيات قرآنية وأحاديث نبوية في التوكل والاعتماد على الله ، لتبرير خمولهم وسلبيتهم التي لا تنتهي…
يجب على الكل أن يعلم ان كل مغربي يمتلك نسخة من مفتاح الوقاية من الوباء ، ويمكنه لعب دور البطولة والمخلص بانقاذ الشعب …كما يمكنه دور المجرم والارهابي بقتل الشعب…
الأمر لم يعد يعني فقط إغلاق الحدود ووقف الرحلات الخارجية ، الأمر اليوم يتعلق بالتسلح بالوعي والعقل ومنع الفيروس من التنقل وهذا الأمر سوف يبطىء من عدد الاصابات ويعطي للطواقم الطبية مسافة للتحكم في المرض والتكفل بالحالات المصابة بشكل جيد .
هل نؤدي الآن ثمن أخطاء التراخي ؟ هذا أكيد ، لكن الوقت لم يفت والعدد المسجل من الاصابات اليوم لن يكون مخيفا اذا ما استقر عدد المصابين أو تضاءل ….
لم يعد هناك من حل سوى فرض قانون حالة الطوارئ الصحية بالصرامة المطلوبة لأن بلادنا لا يمكن أن تتحمل وضعا آخر أكبر مما وصلنا إليه اليوم في مواجهة كورونا . الوضع لا يقبل أية مغامرة . قد يكون الوقت لم يفت بعد ، لكن المشكلة في الزمن أنه لا ينتظر أحدا فهو يسير بسرعته المعهودة ولا ينتظر المتخلفين .
حقيقة لا نفهم من يحاولون تمثيل دور من لا يروا الخطر المحدق بنا جميعا ، ويواصلون الاستهزاء بجهل وتهور أمام تراخي السلطات الوصية….
لا بد من الاقرار بأن هناك أشياء مقلقة في مواجهة الوباء اللعين على المستوى العلمي ، وعلى مستوى التكفل بالمصابين ، وفي اكتشاف الحالات ، وفي عدد التحليلات ، التي يمكن اجراؤها يوميا ، وما إلى ذلك من طاقة استيعابية ومن مستلزمات وامكانيات مادية ولوجستيكية وبشرية . إنها جملة من المشاكل المرتبطة بالمنظومة الصحية ببلادنا والتي يعرفها الجميع .
يبقى الخلاص الوحيد والأوحد هو التقيد بشروط الوقاية والنظافة والتباعد الجسدي وارتداء الكمامات…. لقد بينت الاحصائيات الأخيرة أننا أصبحنا امام بؤر عائلية ومهنية وشبه عائلية… . وهذا تفسيره واحد هو التهور والتراخي ، الجهل والاستهتار ، وعدم اتباع شروط النظافة والوقاية .
لم يعد الوقت يقبل الأخطاء والهفوات . يمكن أن نتغلب على كورونا ، هذا أكيد ، لكن الأمر يتطلب حذرا كبيرا جدا واحتياطات في مستوى وحجم المشكلة ، واليوم أكثر من أي وقت مضى .
لقد اختارت الدولة المغربية الانسان على أي شيء آخر . والسلطة ، في الأشهر الأولى ،بينت على علو كعبها وجندت كل أطقمها تلبية لنداء الوطن . وجنود المواجهة من أطقم طبية وصحية وأمن ودرك وقوات مساعدة وجيش ، كل هؤلاء دخلوا المعركة باقدام وشجاعة ومسؤولية وطنية عالية . ما تبقى هو في يد المواطنين الذين عليهم أن يمتثلوا بتعليمات الخطة المتبعة ويساهموا في هزم العدو بعزله ومنعه من الانتشار .

error: