هل تنفذ المحاكم حكما مبنيا على وثيقة مزورة وتشرد 500 اسرة في القنيطرة؟

مراسلة خاصة

في عز جائحة كورونا والصعوبات التي تجتازها المقاولات الصغيرة والمتوسطة في المغرب، قررت المحكمة التجارية بالرباط رفض إيقاف تنفيذ حكم بأداء خمس ملايين درهم (حوالي ثمان ملايين بالفوائد القانونية والمصاريف) تم اصداره في حق شركة كاسترونوميا الموجودة في القنيطرة، علما انه سبق ان صدر في حق شهادة تسليم الحكم قرار زجري لمحكمة الاستئناف بالقنيطرة قضى ب بمؤاخذة المتهم س.ا. (الذي يسمي نفسه متطوعا في المحكمة الابتدائية بالقنيطرة) من أجل ارتكابه جنح التزوير في شهادة تسليم الحكم وصنع عن علم وثيقة تتضمن وقائع غير صحيحة، والمشاركة في استعماله، والتدخل بغير صفة في وظيفة عامة، والحصول على خاتم حقيقي عن طريق الغش واستخدامه.

وعللت المحكمة التجارية بالرباط حكمها الصادر في 27 يوليو 2020 في سطر وحيد كالاتي: “حيث ان الأسس والتبريرات المتمسك بها من طرف المدعية في مقالها الحالي ليست كافية من اجل إيقاف تنفيذ الامر بالأداء، مما ارتأت معه المحكمة رفض هذا الطلب”. وهو ما يعتبر في لغة المختصين، انعداما للتعليل، حيث لم تجب المحكمة على أي من دفوعات طالبة الايقاف وعلى رأسها زورية شهادة التسليم…

شركة كاسترونوميا تشغل حوالي 500 عاملا في تعليب السمك الموجه إلى التصدير حصريا، بما يمثله هذا المشروع من أهمية في جلب العملة الصعبة وفي المساهمة في تطوير النسيج الصناعي لجهة الغرب وفي تأمين مناصب الشغل والقوت لمئات الاسر المحلية خاصة في هذه الظروف العصيبة.

وتعود اطوار هذه القضية الشائكة لسنة 2014 عند ظهور ما سمي اعترافا بدين مؤرخ بسنة 2008 بمبلغ 5.696.635,50 درهما، موقعه والمستفيد منه هو نفس الشخص (ا.ا.) الذي كان يعمل ساعيا في شركة كاسترونوميا (ضحية تزوير شهادة التسليم)، حيث ادعى ا.ا. بمقتضى الاعتراف بدين، انه يشغل منصب مدير عام لشركة كاسترونوميا (في حين كما يعلم المختصين ان منصب المدير العام لا يوجد أصلا في الشركات ذات المسؤولية المحدودة التي يسيرها مسير(Gérant ) وليس مديرا عاما (Directeur Général)). وبموجب الاعتراف بالدين المزعوم، اعترف ا.ا.، باسم شركة كاسترونوميا، بدين لصالح شركة أخرى في ملكيته، والتزم باسم شركة كاسترونوميا، في حال عدم أداء هذه الاخيرة لدينها (له)، بتفويت 51 في المائة من حصص شركة كاسترونوميا لفائدة شركته. كل ذلك بناء على فواتير لم يدلي بها (لا لشركة كاسترونوميا ولا للمحاكم)، وعلما ان شركة كاسترونوميا (كأي شركة اخرى) لا يمكن أصلا ان تلتزم بتفويت حصصها الذاتية لأنها في ملك الشركاء وليست في ملكها… وعلى اثر رفع دعوى قضائية من طرف شركة ا.ا. في الموضوع، أصدرت المحكمة التجارية بالرباط سنة 2014 حكمها القاضي برفض طلب شركة ا.ا. لكون الاعتراف بالدين صادر من غير ذي صفة.

لكن بسنة 2016، اصدرت نفس المحكمة التجارية بالرباط الأمر بالأداء عدد 850 لفائدة شركة ا.ا.، بناء على نفس الاعتراف بالدين المزعوم الذي سبق البت فيه بموجب الحكم المشار إليه أعلاه. فقامت شركة كاسترونوميا بالتعرض على الامر بالاداء وإيقاف تنفيذه وفق المساطر القانونية امام المحكمة التجارية بالرباط.

وفي يوليو 2017، فوجئت شركة كاسترونوميا بالمفوض القضائي بدائرة نفوذ المحكمة الابتدائية بالقنيطرة يواصل إجراءات تنفيذ الامر بأداء أعلاه بناء على ان دعوى التعرض على الأمر بالأداء صدر بشأنها في ابريل 2017 حكما قضى برفضها؛ وأنه أصبح نهائيا لعدم الطعن فيه بالاستئناف من طرف شركة كاسترونوميا رغم تبليغها بالحكم…  فواجهته هذه الأخيرة بعدم توصلها بعد بالحكم حتى يتم احتساب اجل الاستئناف وطلبت منه نسخة من شهادة التسليم حتى تتحقق من التوقيعات، فأحالها المفوض على المحكمة … وبعد التحري في المحكمة الابتدائية بالقنيطرة والمحكمة التجارية بالرباط، توصلت شركة كاسترونوميا لنسخة من شهادة تسليم الحكم تحمل توقيعا منسوبا الى محاسبها (م.ع.) وتوقيعا منسوبا الى عون قضائي في المحكمة الابتدائية بالقنيطرة (ن.ع.). وبناء على نفي محاسبها توقيعه على شهادة تسليم الحكم، تقدمت شركة كاسترونوميا بشكاية عادية امام وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، وبشكاية مباشرة امام رئيس المحكمة، كما لجأت الى مسطرة الزور الفرعي امام محكمة الاستئناف التجارية بالدارالبيضاء…

ومنذ بداية إجراءات البحث والاستماع، نفى العون القضائي (ن.ع.) الذي يظهر اسمه وتوقيعه على شهادة التسليم امام كل من الشرطة القضائية ووكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة وقاضي التحقيق بنفس المحكمة، ان يكون قد بلغ الحكم الى شركة كاسترنوميا واكد هو كذلك، ان التوقيع ليس توقيعه، وانه لا يعرف لا المشتكية شركة كاسترونوميا ولا المشتكى به ا.ا…. وببطء شديد، سارت المساطر، من استماع لشركة كاسترونوميا ومحاسبها وللشهود والمشتكى بهم واختفاء المشتكى بهم، والبحث على المشتكى بهم، والقبض على المشتكي بهم، وإطلاق سراح المشتكى بهم، وإجراءات البحث التمهيدي، والخبرة العلمية على الهواتف، وإجراءات التحقيق، وإعادة الاستماع للمتهمين، والمواجهة، وإعادة المواجهة، والخبرة الخطية (التي لم يأمر بها قاضي التحقيق في القنيطرة الا في نهاية ماي 2019)… وتخلص جميع مساطر البحث للشرطة القضائية والتحقيق، من استماع ومواجهة، وخبرة هواتف، وخبرة خطوط، الى زورية الوثائق، ويتضح تدخل المتطوع س.ا. في عملية التزوير.

واخيرا في يوليو 2019، اصدر قاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية بالقنيطرة امره بمتابعة المتطوع س.ا. (دونا عن ا.ا. رغم انه المستفيد المباشر من عملية التزوير في شهادة التسليم) من أجل التزوير وثيقة عرفية، وصنع عن علم وثيقة تتضمن وقابع غير صحيحة، و المشاركة في استعمالها، و التدخل بغير صفة في وظيفة عامة، و الحصول على خاتم حقيقي بطريق الغش و استخدامه مع إحالته في حالة اعتقال على المحكمة الابتدائية لمحاكمته طبقا للقانون.

اليوم، وبعد ثلاث سنوات من تقديم شركة كاسترونوميا لشكايتها حول تزوير شهادة التسليم، وبعد المجهود الذي قامت به كل من الشرطة القضائية والنيابة العامة والشرطة العلمية حتى تصل الى الحقيقة حول زورية شهادة التسليم، وصدور حكم ابتدائي زجري في نونبر 2019 بمؤاخذة المتطوع س.ا. بما نسب اليه من تزوير شهادة التسليم الخ وتاييده استئنافيا في فبراير 2020، ثم بعد ذلك اطلاق سراح س.ا. في مارس 2020 في اطار تدابير كوفيد، ومطالبة شركة كاسترونوميا، رغم ثبوت زورية شهادة تسليم الحكم، بأداء مبلغ يقارب ثمان ملايين درهم لشركة ا.ا.، المستفيد الأول من عملية تزوير شهادة التسليم … يُطرح سؤال جدوى كل هذه المساطر الجنحية والاحكام الزجرية الصادرة في الملف!

انه لمن من الجميل فعلا ان نقرأ على وسائل التواصل الاجتماعي والجرائد الالكترونية مواقف وآراء لقضاة المملكة يتحدثون بكل حرية عن مواضيع شتى تخص في بعض الأحيان حتى السلطة التشريعية والتنفيذية … وتهم كذلك في أحيان أخرى، عن استقلالية القضاء ومحاربة الفساد وسماسرة المحاكم الخ… فعلى سبيل المثال سبق لرئيس نادي القضاة في المغرب ان صرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي (وتم نقله حتى على قناة BBC) حول قضية ما عرف بسمسار محكمة الدار البيضاء الذي ظهر في فيديو مع منقبة وهو يعدها بالحصول على حكم مخفف من القاضي، سبق له ان صرح: “الفيديو المتداول حاليا بوسائل التواصل الاجتماعي (الواتساب والفايسبوك) والمتعلق بعملية وساطة افتراضية في منطوق حكم جنائي يضرب سمعة العدالة كمؤسسات وكافراد. لذا وجب التحقيق فيه والتواصل مع الرأي العام بشانه كيف ما كانت النتيجة … بحيث اذا كان نصبا باسم القضاة فمن المهم ان يعرف الرٱي العام هذا الامر واذا كان غير ذلك فيجب ترتيب الآثار عن هذه الظواهر المسيئة”. فما تعليقه على سمسار محكمة القنيطرة الذي وصلت به الجرأة الى تزوير شهادة تسليم صادرة عن المحكمة بنفسها حتى يفوت على الضحية اجل الاستئناف، مما يعتبر جريمة في حق القضاء نفسه قبل ان يكون جريمة في حق شركة كاسترونوميا؟ واي انصاف لشركة كاسترونوميا بعد ان رفضت المحكمة التجارية بالرباط إيقاف تنفيذ حكم مبني على شهادة تسليم مزورة تبعا لخبرة مصلحة الخبرة على الوثائق بمعهد العلوم والأدلة الجنائية التابع للإدارة العامة للأمن الوطني وبحكم القضاء نفسه! وأين نحن من حماية حقوق المتقاضين والامن القضائي الذي ينص عليهما للفصل 117 من دستور المملكة: “يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون.”

error: