هل التنشئة السياسية و القانونية هي طوق النجاة ؟

بقلم ذ.رجاء قيباش

“جميل أن يموت الإنسان في سبيل وطنه ، لكن الأجمل أن يحيا من أجله”   ( توماس كارليل Thomas CARLYLE)

 

الوطن في ثقافتنا السياسية و الاجتماعية محدد بحزمة من التمثلات و الايديولوجيات السائدة ، ثابتة رغم تغير الأزمنة و الأنظمة ، فهو ليس فقط – كما يعتقد الكثيرون – البقعة الأرضية التي شهدت أول صرخة حياة لكل فرد منا ، وإنما هو المجال النفسي الحيوي الذي نعيش فيه، وننتمي إليه، والمحدد جغرافياً ليخلق بذلك بناء اجتماعياً .
و عليه فإن للوطن أبعادا ثلاثة : البعد الجغرافي ، والبعد الحيوي و البعد النفسي ؛ فالأول مؤطر بالحدود المكانية ،و الثاني يروم أنسنة الدولة و مؤسساتها ، و الأخير هو المكون الوظيفي للأرض ، إذ يكترث بالائتلاف الاجتماعي للقاطنين عليها، كل ذلك ، في كنف ظروف جغرافية وتاريخية ومناخية وعقائدية ، مستقاة من الواقع المعيش ، و من “ثقافة وطنية” يستمد منها الشعب تصوراته لقرارات الدولة وبواعثه على السلوك ، حيث تمكنت هذه الأخيرة (الثقافة الوطنية ) كإحدى الإيديولوجيات السياسية والهويات القومية ، من تحديث المجتمعات وضمان استمرار ثورتها باستماتة نحو التقدم و التغيير، رغم أنها ليست وحدة متجانسة ، بل تضم أنساقا متعددة و متنافرة ، شاهدة على تنوع الطبيعة البشرية و اتسامها برصيد إنساني مشترك جوهره الانتماء .
ف” الوطنية تقتضي أولا، الحرص على صحة وسلامة الآخرين؛ ولأن التضامن لا يعني الدعم المادي فقط، وإنما هو قبل كل شيء، الالتزام بعدم نشر العدوى بين الناس” ، هذا ما صرح به جلالة الملك محمد السادس يوم 20 غشت 2020 في خطابه بمناسبة الذكرى السابعة والستين لثورة الملك والشعب ، إذ أعرب جلالته عن أسفه الشديد جراء الوضعية الصحية المزرية التي آلت إليها بلادنا ، في الآونة الأخيرة ، نظرا لتزايد عدد ضحايا و قتلى فيروس كورونا، واصفا تهاون و تراخي المواطنين بالسلوك غير الوطني و اللاتضامني ، و أضاف جلالته قائلا : “قد تميزت هذه الثورة المجيدة، بروح الوطنية الصادقة، وبقيم التضحية والتضامن والوفاء، من أجل حرية المغرب واستقلاله. وتاريخ المغرب حافل بهذه المواقف والأحداث الخالدة، التي تشهد على التلاحم القوي بين العرش والشعب، في مواجهة الصعاب ، وهي نفس القيم والمبادئ، ونفس الالتزام والتعبئة الجماعية، التي أبان عنها المغاربة اليوم، خاصة في المرحلة الأولى من مواجهة وباء كوفيد 19.”
– هل تشييد دولة ديمقراطية يسودها الحق و القانون مرتكز على الحكامة الجيدة أم يتعداها إلى نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة ؟
– هل يمكن اعتبار ضعف منسوب الوطنية ، و الانتماء المهزوز ، و الالتزام الهش ، عوامل تنذر بإخفاق خطة التصدي لتداعيات الأزمة؟
– هل العودة للحجر الصحي يمكن أن تكون عنوان الحلقة الأخيرة من سلسلة الخسائر النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية للجائحة أم هي إعادة إنتاج مأزق جديد يصعب الانفلات منه ؟
يتضح من تصفح الواقع ، أن التأصيل الفكري لمفهوم الانتماء بمختلف أنماطه ، سواء الانتماء القومي ، الطبقي ، الطائفي ، الديني ، السياسي…، و اقترانه بالعديد من المفاهيم كالتطابق الاجتماعي ، و المسؤولية الاجتماعية و غيرها ، يؤكد على أنه العمود الفقري لجماعة الشعب ، و بدونه يختل توازنها ، و يتوهن تماسكها ، و تتفاقم حدة درجة الانفصال و ضعف منسوب الوطنية بين أعضائها ، و هنا من الملائم أن نذكر بأن تصدير الدستور المغربي لسنة 2011 قد نص على ما يلي:
“إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.”
إن المواكب لهذا العصر بجميع كوارثه و تقلباته – كما سبق وقلنا – سيدرك أن الحاجة صارت ملحة إلى :
– إدارة ذاتية و اجتماعية، تهدف إلى تخفيف التوتر الاجتماعي ، ليشعر جميع المواطنين بمختلف طبقاتهم الاجتماعية ، منتجين و مشاركين ، بتوازن دينامى واستفادة حقوقية و أخلاقية متكافئة.
– تنشئة سياسية و قانونية ، من خلال تقديم جرعات علمية و تثقيفية تلقن الأجيال الصاعدة القيم ذات المغزى السياسي والقانوني، عبر التكوين التنظيمي السلوكي للفرد ، تحت مسؤولية جميع المؤسسات الاجتماعية (الأسرة ،المدرسة ،…) على حد سواء .
و ختاما ، لا يخفى على كل مهتم بالشأن الدولي ، أن العالم خلال القرن الواحد و العشرين ، عرف عدة تطورات سياسية وجيوسياسية محليا و كونيا ، مع ما ينجم عنها من ردود أفعال سلوكية و توعوية، و ما لها من انعكاسات غالبا ما تكون سلبية على جوانب أمنية مختلفة كالاستقرار والوعي القانونيين ، مما يُحَتّم إدراك ضرورة تقوية علاقات التعاون و التشارك بين الدولة و المواطن، و تلاحم مقومات الهوية الوطنية ، لضمان السلام الوطني .

ذة رجاء قيباش / شاعرة / كاتبة / إعلامية / باحثة في علم الإجتماع /كوتش أسري و تربوي / مدربة معتمدة في التنمية الذاتية .
.

error: