انتهاء زمن النية الصادقة… وحقيقة الآليات الجديدة للتصديق

  • د. عبدالإله حبيبي (°)

    العالم الذي نعيش فيه الآن متعدد الهويات، غني بالمعلومات، ليست فيه سلطة واحدة، لا حدود له، يحيل على مراجع سلوكية متعددة وأحيانا متناقضة، في العمق نعيش في جزيرة يحملها الموج إلى حيث لا ندري، شيء وحيد لا يمكننا نكرانه هو أننا أحياء في هذا المكان الذي نمارس فيه لعبة الوجود، دون ذلك لا ظهور لحقيقة ثابتة، لا شيء حقيقي إلا ما نستهلكه ونستعمله يوميا، لا شيء في متناول عقلنا إلا ما يأتينا من الخارج، من الشاشات والقنوات والمواقع والصفحات الإلكترونية والأخبار القادمة من مصادر إعلامية لها علاقة وطيدة بشركات متعددة الجنسيات… 

    كل ما يأتيك من هذه المصادر يطلب منك أن تصدقه، أن تأخذ على مجمل الجد ما يزودك به من معلومات أو أخبار؛ أي أن تعتبر خطابه هو اليقين، أحيانا يُخيل إليك فعلا أنك في صميم الخبر اليقين، وأن من يخاطبك يريد بك خيرا، يريد مصلحتك ومصلحة أسرتك، لكن سرعان ما يصلك خبر آخر مضاد يحذرك من الأول، ليقدم لك نفسه على أساس انه هو المنقذ من الضلال، وأنا ما عداه هو الكذب والبهتان

    التواصل الإلكتروني غيَّر كثيرا من عاداتنا، جعلنا نسكن في مدن وقرى افتراضية، حيث أصبحت مساكننا الحقيقية مجرد جسور نعبرها لنطأ أراضي مدن أخرى أكثر سحرية وجاذبية، ننام على أسرتنا العادية لكن أرواحنا تظل معلقة في سماء الشاشات الحاملة لأحلام هاربة، في كل مكان ليس هناك مكان حقيقي نأوي إليه، نعيش في أمكنة متباعدة لكنها متزامنة في شاشة هاتفنا، نتابع أحداثا كثيرة في أزمنة مختلفة ونحن نعيش في زمن خاص، زمن حاضر فقد كل قوته الأثيرية، لا يسيطر علينا كما كان يفعل مع الأجيال السابقة..

    الآن بإمكاننا أن نعيش حاضرا بأبعاد مكانية متعددة، ليس المكان الحقيقي هو الذي يحتوي وعيي ويحدد رؤيتي للأشياء، بل انتشاري في مساحات واسعة وقدرتي الافتراضية على السفر في فضاءات لا محدودة هو الذي يحرر وعيي من كل تحديد نهائي أو هوياتي، ما يربطني بالعالم المحيط بي  ليس هو ما أعيشه في حدود حواسي، بل ما يسمح لي بعبور المسافات والتحليق في السماوات والقفز على الحدود والكيانات التقليدية وامتلاك سلطة السفر دون قيود

    التصديق لا ينبغي أن يعني التسليم بأن هناك حقيقة ثابتة في مصدر من هذه المصادر التي تحاصرني بشكل دائم ودون كلل، لا يمكنني أن أطمئن إلى ما يصلني، وليس من حقي السماح لهذه الموجات الضوئية والإشعاعات الكوانتية بأن تشكل إطارا لمعارفي ونظاما لطريقة إدراكي للأشياء والناس والأحداث والحياة والموت…ليست التكنولوجيا فلسفة وجود، حتى ولو تفتقت عبقرية صانعيها في صياغة نماذج إدراك متقدمة جدا، تظل في عمقها ساذجة، لعبة أطفال مسلية، لأنها لا تقوي الوعي المتعالي، لا تسمح للإنسان اليقظ بأن يؤسس فهما واضحا بالعوالم التي تقدمها له، كما لا تساعده على فهم ما هو أقرب إلى منطق  العقل أو الحواس أو الحلم أو الخيال..

    بل كل هذه الأبعاد تقدمها له في طيف واحد، وتفرض على كل متتبع لفرجتها استهلاكها دون تفكير أو نقد أو تأويل، لهذا فالتكنولوجيا ليست وسيلة للتصديق، ولن تكون كذلك مهما بلغت من النمو والتطور والمكر… إنها مجرد وسيلة للخداع والتزوير والتعديل للنماذج الطبيعية أو حتى تلك القريبة من منطق الواقع، هي وريثة الإيديولوجية العتيقة، الحفيدة المدللة للمعتقدات القديمة التي حطم العقل النقدي أصنامها بثورات حقيقية غيرت مجرى التاريخ وحركة الوعي البشري ومصير البشرية ككل…

    التكنولوجيا التواصلية أو الاتصالية تمارس أبشع تشويه للواقع، للحقيقة، للأحداث، لما ليس بمقدور الناس بلوغه من معلومات، تضع سلطتها رهن إشارة التجار، والشركات الكبرى، ومراكز المال والأعمال، تبيع ذكاءها وذكاء مهندسيها لمن يدفع أكثر، حتى تصنع أوهاما، وتقتل أحلاما، وتبعث أساطير وخرافات  بائدة، وتجعل الجنس جوعا، والجوع الحقيقي مشهدا سينمائيا، والحرب فرجة، والسلام مللا، والحياة الزوجية فيلما مغريا، والاغتصاب جرأة مثيرة، والسحر والشعوذة والتنجيم أدوات في يد السحرة القادمين لاحتلال الأرض بالمكر والخداع…

   لكن رغم ذلك فسحر الصور والمشاهد والخطابات المصاحبة لها سرعان ما سيطالها الضمور لتسطع من جديد شرارة  نور العقل الحقيقية ويعود الناس إلى مساء الهدوء لتحضير فجر التحرر من هذه السجون الافتراضية

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village

 

error: