“التربية الحربية” عندما تلغي التربية الأخلاقية

  • د. عبدالإله حبيبي (°)

عندما نحبب للأطفال قيم الحرب والقتل والمغامرة بالحياة في سبيل مجد بطولي وهمي، نكون بصدد نزع فتيل الحب من قلوبهم، ننتشل منهم جمرة المحبة والتعلق بعشق قيم الإنسانية والكونية، نقتل فيهم الميولات الطبيعية التي تؤهلهم لقبول الآخرين في كل صورهم المختلفة والمتنوعة

التربية الحربية تعلي من شأن المبدأ القائل أن الذين لا يحترمون مذهبي في الحياة هم أعداء ألداء، أي قذارة وجب التخلص منها ليصبح الكون نظيفا وقابلا لأن يسكنه الناس الراغبين في نيل شرف التضحية بكل شيء من أجل هذا المبدأ المطلق الذي لا يرى سوى كلماته ولا يسمع سوى صوته ولا يقبل رؤية سوى ملامحه

التربية الأخلاقية عكس ذلك تماما، هي الطريقة المثلى لتقويم السلوك وجعله متشبعا بقيم التواضع والحشمة والحياء وحب الناس بغض النظر عن ملامحهم وعقائدهم وعاداتهم وأمزجتهم المختلفة والمتناقضة أحيانا… هذا النوع من التربية يهدف إلى بناء الإنسانية في الإنسان، ترسيخ قيمة الحياة المعتدلة في نفسه، تعويده منذ نعومة أظافره على التعامل البريء مع الأفكار، دون تعصب أو انغلاق.

ذلك حيث يظل المبدأ السائد في التربية الأخلاقية هو تنفير الصغار من العنف والإقصاء والعنصرية وكراهية المختلف، وتمرينهم على حب فعل الخير والتضامن مع المحتاجين والفقراء والمهمشين، مع حثهم على العطاء والتواضع واقتسام ما يملكون مع أصدقائهم المعوزين وأقربائهم المحتاجين، لهذا كانت التربية الأخلاقية تشذيبا للسلوك وتنمية للروح دون أن تكون خادمة لعقيدة بعينها أو إيديولوجيا متوارية خلف قيمها

التربية الحربية تهدد العالم، تنتج أجيالا من الشباب متعود على القتل ببرودة أعصاب، حيث لا يهمه سوى تحقيق الأهداف، ونيل الهدايا والتعويضات والجوائز دون كبير اكتراث بأصوات المظلومين والموتى والضحايا الذين قد يخلفهم وراءه بعدما  يكون قد اشبع نزواته وحقق غاياته الشخصية

الفرق الجوهري بين التربية الأخلاقية والتربية الحربية هو أن التخليق لا يمر بالضرورة من الإكراه والتهديد والوعيد، بل من التحبيب والقدوة والتزكية والترغيب، في حين التربية الحربية تنطلق من التنفير والترويض والتعنيف مع نبذ الحرية والسلام في مقابل الرفع من قيمة تدمير المختلف وسحق المعترض

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village…
error: