التحقيق تفصيلياً مع النائب الأول لعمدة مراكش في قضية تبديد 28 مليار سنتيم

مكتب مراكش: عبد الصمد الكباص

يمثل يوم الأربعاء 28 أكتوبر الجاري يونس بن سليمان النائب الأول لعمدة مراكش أمام قاضي التحقيق بالغرفة الثالثة المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش في إطار  الجلسة الثانية من  التحقيق التفصيلي الذي يجريه المسؤول القضائي  في التهم النسوبة إليه من النيابة العامة والمتعلقة باختلاس وتبديد أموال عامة. وتأتي هذه الجلسة بعد أن أجرى قاضي التحقيق المذكور يوم أمس الثلاثاء جلسة مماثلة مع عمدة المدينة في شأن نفس التهم.                                   

وكان  الوكيل العام للملك باستئنافية مراكش قرر يوم  الاثنين 27 يناير2020، إحالة عمدة مراكش و نائبه و أشخاص آخرين على قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال، من أجل جناية تبديد واختلاس أموال عامة، وذلك في إطار ملف الصفقات التفاوضية التي أبرمت في سياق التحضير لقمة المناخ “كوب 22” التي احتضنتها مراكش في 2016.                                               

وجاءت متابعة عمدة مراكش ونائبه الأول في هذا الملف بعد البحث الذي أجرته الفرقة الجهوية التابعة للفرقة الوطنية للشرطة القضائية في قضية الصفقات التفاوضية التي أبرمها المجلس الجماعي لمراكش، وأحالت الملف على الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بمراكش، وشملت التحقيقات التي باشرتها الفرقة الأمنية الاستماع لعدد من المتدخلين في ملف هذه الصفقات التي كلفت 28 مليار سنتيم، من مسؤولين جماعيين و مهندسين ومقاولين و موظفين جماعيين، وتواصلت باستدعاء عمدة مراكش ومطالبته بتقديم كل الوثائق المتعلقة بإبرام هذه الصفقات التي أنجزت في إطار احتضان مراكش للقمة العالمية حول المناخ.                                                           

فتح ملف الصفقات التفاوضية وإخضاعه للتحقيق بتعليمات من النيابة العامة، جاء إثر توصلها بشكاية من الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، يتضمن معطيات دقيقة حول شبهة تلاعبات شابت عملية إبرام هذه الصفقات، حيث تعتبر الجمعية أن عمدة مراكش ونائبه الأول تذرعاً بانعقاد الكوب 22 بمراكش لإبرام 50 صفقة تفاوضية خارج القانون، متسببين في تبديد ما يناهز 28 مليار سنتيم من المال العام.                                                                       

وتشير  الجهة المشتكية، إلى أنه بالرجوع إلى بعض هذه الصفقات والتدقيق في أرقامها، يتضح أن بعضها تم التضخيم في أرقامه، كما أن بعضها الآخر لم ير النور بعد، أو أنها ظلت عبارة عن أوراش مفتوحة حتى بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر عن قمة التغييرات المناخية، التي تذرع مسؤولو المجلس الجماعي بها لتمرير هذه الصفقات بشكل تفاوضي مباشر مع مقاولات بعينها خارج قانون الصفقات العمومية.

ومن جملة ذلك، تشير الجمعية إلى أن  المجلس الجماعي لمراكش سبق أن أعلن عبر الصحافة الوطنية عن صفقة عمومية خاصة بالإنارة العمومية، خلال شهر مارس الماضي 2016،  تحت رقم 2016-15 س.ج، من أجل تجديد الشبكة الكهربائية لشارع الحسن الأول، وحدد تاريخ 21 أبريل 2016 موعداً لفتح الأغلفة بالنسبة للمقاولات المعنية، والتي تتوفر فيها الشروط المعلن عنها في دفتر التحملات. وكان أطر القسم التقني للمجلس الجماعي لمراكش، قد قاموا بدراسة للاحتياجات الخاصة بإعادة تجديد الشبكة الكهربائية للشارع المذكور، كما درسوا الغلاف التقديري للصفقة وحددوه في مبلغ 357 مليون سنتيم.                                                                       

وتقدمت خمس مقاولات بملفاتها للمشاركة في هذه الصفقة، حيث تم استبعاد شركتين لعدم استيفاء الشروط المسجلة في إعلان الصفقة، لتحتفظ اللجنة المشرفة على الصفقة على ثلاث مقاولات،إذ تم إخبار مسؤوليها بأن رئيس المجلس الجماعي سيستدعي المقاولة الفائزة بالصفقة قصد استكمال الإجراءات الإدارية للشروع في عملها. لكن تلك المقاولات  فوجئت، بتاريخ 12 يوليوز 2016، بإعلان رئيس المجلس الجماعي عن إلغاء الصفقة بشكل نهائي لأن: “المعطيات الاقتصادية والتقنية للخدمات موضوع الصفقة قد تغيرت بشكل جذري”، بحسب ما ورد في إعلان الإلغاء الموقع من طرف كل من محمد العربي بلقايد، رئيس المجلس الجماعي ونائبته المفوض لها الإشراف على الصفقات العمومية للمجلس. ومباشرة بعد هذا الإلغاء، تقول الشكاية، دخل النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي في مفاوضات مباشرة مع شركة (إسيليك) Ecelec، التي لم يسبق لها أن شاركت في الصفقة المذكورة، قصد إنجاز الأشغال المعلن عنها في الصفقة الملغاة، والمتعلقة بتجديد الشبكة الكهربائية للشارع السالف ذكره . والغريب أن هذه الشركة المحظوظة استفادت من هذه الصفقة بثمن جد مرتفع عما تقدمت به الشركات المشاركة في الصفقة الملغاة، حيث بلغت التكلفة 413 مليون سنتيم بدل 357 مليون سنتيم المسطرة في الصفقة الأولى.         

الشكاية توقفت أيضاً عند صفقة أخرى تم إلغاؤها بتاريخ 25 غشت 2016، بعد مشاركة عدد من المقاولات وفق القانون، تحت رقم 2016-90 س.ج، والتي كان مقرراً أن يتم فتح الأظرفة المتعلقة بها بتاريخ 05 شتنبر 2016، وهي الصفقة الخاصة بالإنارة العمومية لمدارة باب الخميس، ليدخل مرة أخرى النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي في مفاوضات مباشرة مع نفس الشركة التي استفادت من الصفقة الأولى، لتنتقل قيمة الغلاف المالي للصفقة من 143 مليون سنتيم إلى حوالي 500 مليون سنتيم.

وتشير الجمعية إلى أن عدد الصفقات  الخاصة بالإنارة العمومية التي تمت بشكل تفاوضي دون سلوك المساطر القانونية مع المقاولات المعنية من طرف النائب الأول للعمدة، بلغت 16 صفقة ووصلت قيمتها المالية مجتمعة حوالي أربعة ملايير سنتيم، فازت منها شركة “إسيليك” لوحدها بست صفقات، تضاف إلى صفقة سابعة فازت بها إحدى الشركات، والتي  صادف أنها مملوكة لزوجة صاحب شركة “إسيليك”، وقد بلغت كلفة هذه الصفقات السبعة حوالي مليارين ونصف المليار سنتيم.

 ومن الوقائع الخطيرة التي توقفت عندها الجمعية أن النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي لمراكش، أبرم صفقة تفاوضية خاصة بوضع أحبال كهربائية على جنبات طريق شارع الحسن الثاني الرابط بين حي إزيكي وباب دكالة، مروراً عبر محطة القطار، وذلك قصد تزويد بطاريات الحافلات الكهربائية بالطاقة، وقد بلغت كلفة هذه الصفقة 03 مليارات و900 مليون سنتيم، وقد برر العمدة ونائبه عدم اعتماد قانون الصفقات العمومية في هذه الصفقة، لالتزام المجلس الجماعي بانطلاق مشروع الحافلات الكهربائية قبيل انطلاق فعاليات مؤتمر التغييرات المناخية (كوب22)، إلا أن ورش وضع الحبال الكهربائية لم يتم الشروع فيه إلا منذ أسابيع قليلة، أي بعد انتهاء أشغال المؤتمر العالمي المذكور، ما يعني أن المبررات التي اعتمدها العمدة ونائبه الأول في تمرير هذه الصفقة بشكل تفاوضي لا أساس لها من الصحة.

ومن بين أهم الخروقات القانونية التي شابت المساطر المعتمدة في العديد من الصفقات التي أبرمها النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي، وتكشف عن اختيار شركة بعينها دون سواها من باقي الشركات، كما تكشف عن تناقضات صارخة في أرقامها، والتي يتبين من خلالها، أيضاً، إمعان مسؤولي المجلس الجماعي في تبديد وهدر المال العام، تورد الجمعية مجموعة من المعطيات حول سبع صفقات تفاوضية أبرمها المجلس الجماعي خاصة بإنجاز أشغال صيانة الطرقات، بمناسبة احتضان مراكش فعاليات (كوب22)، بلغت قيمتها الإجمالية 02 مليارين و600 مليون سنتيم، استفادت منها شركة (ج.ت.غ.ب) GTRP لوحدها بست صفقات، فيما نالت شركة السفياني صفقة واحدة بقيمة 120 مليون سنتيم، ما يعني أن النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي خص الشركة الأولى بحوالي مجموع الغلاف المالي لهذه الأشغال دون سواها من باقي المقاولات الأخرى، أي ما مجموعه مليارين و480 مليون سنتيم.

وبالرجوع إلى هذه المقاولة، تكشف شكاية الجمعية الحقوقية، أنه سبق أن استفادت من صفقة عمومية تنافست فيها إلى جانب مقاولات أخرى، وفق قانون الصفقات العمومية تحت عدد 120-2016، عبر عروض أثمان من أجل إنجاز أشغال صيانة الطرقات، حيث فازت بها شركة  GTRP، بعدما اقترحت 445 درهما للطن الواحد (التزفيت)، غير أنه في نفس السنة، أي 2016، سيبرم النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي مع نفس المقاولة صفقة تفاوضية، من أجل إنجاز أشغال صيانة الطرقات (صفقة عدد 111-2016) بلغت قيمتها 800.00 درهم (ثمانمائة درهم) للطن الواحد، ما يعني ضعف الثمن الأول، من غير أن يكون هذا الرقم موضوع تساؤل أو اعتراض من طرف النائب الأول للرئيس أو الرئيس نفسه، وهو يرى حجم الفارق بين الصفقة الأولى والثانية.

error: