ليس هناك مجال للعب بمقدسات المؤمنين ولا لحرية السخرية من نبي الإسلام

  • د. عبدالإله حبيبي (°)

    نحن في أوج أزمة كورونا، إصابات كثيرة، وفيات مرتفعة، أصدقاء لنا غادروا الدنيا، آخرون يكابدون الداء للإفلات من  بين أنيابه المرعبة، لا حديث اليوم إلا عن العدوى والضحايا، بل حتى الأقرباء والمقربون مسهم الضر، بمعنى دائرة المرض بدأت تضيق وتقترب من الأعناق، لهذا فنحن في تجربة وبائية عسيرة بالنظر لإمكانياتنا الاستشفائية ووضعيات مستشفياتنا وضحالة الموارد البشرية الصحية… لا مفر من هذا الوضع  سوى بالصبر والوقاية والحذر والمسؤولية في التصرف والسلوك الصحي

    في أوج انتشار المرض أو عودته القوية كموجة حقيقية، يخطف انتباهنا حدث هناك، في فرنسا، معركة ضد الإرهاب تتحول إلى إصرار على استفزاز مشاعر المسلمين، بتبني حرية السخرية من نبي الإسلام الذي يتعلق بسيرته وشخصيته ثلث سكان الأرض، ليس هناك مجال للعب بمقدسات المؤمنين، إن المسلمين يحبون نبيهم، يجلونه، يوقرونه، بل ينتظرون شفاعته يوم الحشر.. إن الصلاة والسلام عليه المستدامة  من واجبات استكمال الإيمان ورفعة الأخلاق… هذا يعني أن الرسول الكريم في الدين الإسلامي لا يمكن أن يكون موضوعا للتسلي أو التفكه فأحرى أن يكون رسما تسخر منه الأقلام والريشات الجاهلة بعمق العقيدة الإسلامية وعلاقة المسلمين بنبيهم..

    طبعا ليس الغرب مطالبا بأن يكون مسلما، أو أن يقدر ويصلي ويسلم على محمد عليه الصلاة والسلام، بل المطلوب منه فقط أن يحترم ويبتعد عن كل الممارسات الخطابية والفنية والإعلامية الراغبة في تمثيل نبي الإسلام في رسوم كاريكاتورية تسخر من شخصيته وتزدري رسالته… الجريمة شخصية، والمسؤولية شخصية، فمن قتل هو المسؤول وليس الرسول، ومن حرض على القتل هو الفهم الخاطئ وليس الرسول، ومن نفذ الجرم هو المجرم وليس الرسول، لهذا وجب محاكمة كل المشاركين في الجريمة، منفذون، محرضون، مؤيدون، مسوغون، ممولون، وترك العقيدة تنساب وتؤثر إيجابيا في أصحابها الذين سيهبون للتبرؤ من الذين يمارسون الإجرام باسمها، أو يقتلون الناس باسم النبي الكريم، أو يعتدون على الحرمات باسم الله العادل الذي حرم قتل النفس إلا بالحق…

    أما أن نتهم النبي ونهاجمه كمسؤول مباشر عن الجريمة فهذا هو عين الجنون، فالرسول مات منذ قرون عليه الصلاة والسلام، والحاضرون اليوم هو المسلمون، أي المؤمنون برسالته، وقد يكون بينهم المغالون، والمفرطون في التقديس، والخاطئون في الفهم، والمرضى النفسانيون، والغاضبون من استعمار أراضيهم وضياع حقوقهم وسرقة ثرواتهم، لهذا فالخطاب ينبغي أن يوجه للأحياء على الأرض، للذين يفعلون، ينتجون الخطاب باسم العقيدة ونيابة عن الرسول، وليس للنبي الذي لا علاقة له بما يمارسه الأتباع من طقوس أو بدع أو أفعال غريبة، حيث لو كان على قيد الحياة  عليه الصلاة والسلام لكان الأول الذي سيسارع لتحريمها علانية وإقامة الحد على أصحابها إن كان ما يأتونه بنية الإساءة وإلحاق الضرر بالغير باسم الدين… لكن المعادلة اليوم غير ذلك تماما

    لهذا وجب الكف عن وضع جميع المسلمين في نفس المعادلة، ووصمهم بنفس الأوصاف التي تنطبق على المجرمين والإرهابيين، لأن أغلبهم يعيشون في سلام ووئام مع إخوانهم في الوطن والأرض هناك في أوروبا، يحترمون طقوسهم وقوانينهم، ولا يتجرؤون على التدخل في الشؤون الشخصية لهم، لأن هدفهم هو بناء مستقبل أبنائهم ونيل نصيبهم من الأعمال التي يؤدونها بتفان وإخلاص.. فإذا كانت هناك قلة تعاكس هذا الاتجاه فإن أسباب ذلك محض سياسية، لا علاقة لها نهائيا بالرسول ولا بالله وباليوم الآخر، بل إن منطقها الحرب الاقتصادية المسعورة التي تحرق شعوبا وتدمر غابات وأراضي وتلوث بحارا ومحيطات، وتلهب المشاعر بشعارات خاطئة لا علاقة لها بأصل المشكلات…

    الهدف من ذلك هو استنزاف طاقات المسلمين نفسيا، والدفع بهم إلى الخروج عن المنطق والاتزان لإظهارهم في صورة المتحمس المندفع المتهور الذي لا يتورع عن الإيذاء والسب والتشهير وهو يعتقد أنه يدافع عن رسوله وينصر عقيدته

    بين هذا وذاك لا توجد فترة استراحة، نظل نراوح المكان بين نكسة وأخرى، بين المرض والإهانة، بين الشعور بالغبن بكوننا لا نملك مختبرات ولا مستشفيات لمواجهة الجائحة، وبين الازدراء الذي يأتينا من الذين ننتظر منهم أن يصنعوا لنا التلقيح ويساعدوننا على النجاة من هذا الوباء الفتاك… نحن في ورطة تاريخية معقدة، وورطة صحية خطيرة.. لهذا علينا التصرف بعقلانية ومسؤولية، وفهم ما يجري حولنا، وما يخططه الغير لنا، وما نملك وما لا نملك، وما نقدر عليه وما لانقدر فعله… التواضع هو أساس ربح كل الحروب أما العنتريات فهي مجرد فتوة أحياء لا تخيف الحاملين للأسلحة الفتاكة والعقول الذكية

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village…
error: