عبدالإله حبيبي في رأي علمي حول حرية الإنسان وعدالة الله

  • عبدالإله حبيبي (°)

خُلق الإنسان ليكون حرا حتى يعرف الحق ويميل نحوه، وينافح ضد الظلم ويكون من الكارهين له، ومعنى حريته يكمن في قدرته على التمييز بين الخير والانتصار له، والشر والتصدي له، ودون ممارسته للحرية في الفهم والاختيار لن يكون هناك معنى للوعد والوعيد، أي الجنة والنار، فلو كان الإنسان غير حر لما حمله الله مسؤولية أفعاله، ولما حاسبه يوم القيامة على كل ما أتاه من أفعال في حياته الدنيا؛ لكن هناك حالات تُسلب فيه الإنسان حريته، ويصبح بالتالي معفى من السؤال والمسؤولية وقد حددها الشرع ونص عليها بوضوح، وهي الحالات التي يكون فيها الإنسان مضطرا لمخالفة القواعد الأخلاقية خوفا أوكرها، أو حين يكون مهددا بالموت أو بضياع منافع عامة، أو هلاك قد يصيب الناس والأهل والذات،

وفي ذلك نظر كثير، ليس المجال هنا للخوض فيه بالتدقيق، لكن الثابت عندنا أن الإنسان في العقيدة وفي القوانين الكونية هو مُكّلف، أي حر في كل ما يأتيه من أفعال باستثناء تلك التي تدخل في نطاق الأوامر والتعليمات التي تعطى للمرؤوسين خلال أداء مهامهم ، ورغم ذلك لا تعفي المنفذ المباشر من حد أدنى من المسؤولية، أي تجنب الشطط والإفراط في استعمال الإكراه، واستحضار المبدأ الأخلاقي الذي يمنع من ارتكاب ما يتنافي مع القيم الإنسانية وعلى رأسها حفظ وصون الكرامة الإنسانية من كل دوس أو اعتداء

“الله عادل”، عبارة يترتب عنها، عقلا، أن الإنسان مكلف بحفظ العرض والحق والحقوق على الأرض، وإلا أصبح وجوده لا يختلف في شيء عن كل المخلوقات الأخرى، وبالتالي استحال معه تحقيق الخلافة الربانية على الأرض، أي إقامة الملك العادل بين بني البشر

القاعدة الأخلاقية تنص على أنه ليؤمن الإنسان بعقيدة ما ينبغي أن نوفر له، أولا، قاعدة سابقة وهي الحرية، وإذا انعدمت هذه أصبحت الثانية دون قيمة ودون معنى، وأصبح إيمانه بهذه العقيدة أو تلك مجرد شطط وإكراه وتعسف، و بهكذا سلوك نكون بصدد إجبار الناس على السلوك وفق ما تقرره الدولة مثلا من عقائد، أو تحرمه من معتقدات حسب هوى وميولات الحاكمين أو من يوالونهم من أهل الإيديولوجيات السائدة والمنتصرة على غيرها من الأفكار

ليس هناك ما يمكنه أن ينفي حرية الإنسان سوى العنف والاضطهاد باسم معتقد ما أو عقيدة صنعها الناس وتحولوا إلى عبيد لها، يقدسونها على الرغم من أنها تصادر كرامة البشر، وتعلي من شأن البعض ضد البعض الآخر بمسوغات لا يقبلها العقل، ولا يبررها سوى الرغبة في السيطرة، وبسط النفوذ لأغراض سياسية، ومصالح مادية دنيوية لا يمكن تزكيتها بالعدالة السماوية أو بالقوانين الشرعية أو غيرها

في المقرر الكوني يظل الإنسان حرا ما لم تكن هناك ظروف طارئة قد تدفع إلى تقييد هذا المبدأ مؤقتا، أو الحد من ممارسته لوضع استثنائي تمليه شروط عابرة، وليس دواعي قارة كما نراه في الديكتاتوريات التي جعلت من مصادرة الحرية مبدأ سيادتها وسطوتها على كل مناحي حياة الناس باسم النيابة عنهم في توفير ما يحتاجونه، لأنها أدرى وأقدر على تحقيق سعادتهم ورفاهيتهم، ولعمري هي أكبر كذبة وأسود خطاب يمكن التحجج به لتبرير مصادرة الحرية

يكمن الجمال في رؤية الناس وهم أحرار ينعمون بتحقيق قدراتهم ومهاراتهم التي خولتهم إياها الطبيعة والمشيئة الإلهية حتى ولو كان فيها ما هو مناف لبعض النواميس لكنه لا يحمل ضررا للآخرين، ولا يهدد استقرارهم، ولا يعبث بأمنهم وسعادتهم… لأن القيم الجمالية بدورها مرتبطة بقاعدة الحرية، ومن هنا كان الفن مزدهرا في المجتمعات التي تقدس الحرية وتجعلها شرط بناء العلاقات الاجتماعية وانسيابها في المجتمع، وبين المجتمع والدولة، وفلسفة تؤسس للمدينة وتضمن استقرارها واستمرارها

الأرض موضوع العمارة الربانية هي المكان الذي فيه تقرر أن يكون الإنسان حرا ليظهر مقدراته على الخلق والابتكار وصقل المواهب واكتساب الخبرات والمعارف التي تؤهله ل0لارتقاء بوجوده والسمو بأخلاقه وبلورة كل طاقاته الكامنة حتى يحقق بالفعل شرط الخلافة الفاضلة، أي بناء ذلك الإنسان الفاضل، العاشق للحرية والجمال والأمن والعلم والسلم والعيش في انسجام مع باقي المخلوقات مع حفظها من الانقراض والمرض والظلم، والسهر على البيئة وعدم تعريضها للأذى والتلوث، والرفع من جودة العقل البشري واستعماله في ما هو نافع ومن كل ما من شأنه تطوير العدالة والتوزيع العادل للثروات بين بني البشر دون مفاضلة قد يكون أساسها مسوغ ديني أو غيره من المسوغات التي تميز بين الناس لفائدة السيطرة عليهم واضطهادهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village…

 

error: