التعليم بين نقل المعرفة والتعلم الذاتي

  • فاطمة الزهراء العمراني

إستفاقة العقل البشري أو نضوجه فكريا يتم بتلقينه وبتعليمه أسس التفكير ومبادئه الأولية، أي وضع قاعدة تربوية، تفقيهية لعقل الإنسان، وعندما نتحدث عن التفكير فإننا لا نستثني أو نخص مجالا محددا بل نتحدث بشكل عام وشامل لكل العلوم التي يتلقاها العقل البشري، ويتم ذلك عبر مساطر التعليم التي تعمل على توجيه وتلقين المعرفة في شخص المعلم(ة) بكيفية يكون فيها هذا الأخير هو مرجع طالب العلم الأولي الذي تستمد منه المعلومة.

لكن ماذا لو كان هناك نموذج آخر من التعليم الذي يقتصر فيه الطالب على المعرفة المدرسة فقط دون تأطير أو توجيه، إلى أي حد سيستطيع تحمل مسئولية إنجاح رهان التعلم دون معلم، وذلك بالاعتماد فقط على العولمة فهل سيكون اتقانه للدراسة معادلا لتجواله داخل وسائل التواصل الاجتماعي، هل سينجح الطالب في مسايرة أو تتمة المسيرة الطلابية بشكل ذاتي وبمجهود فردي؟ وذلك بالاعتماد على تلقي مواده التعليمية خلف شاشة آلته ( هاتف، حاسوب…).

وهنا نطرح الإشكال التالي، هل المعرفة المدرسة متاحة على الأنترنت أم أن التعلم الذاتي غير ممكن؟ وتتفرع منه التساؤلات الآتية:

  • هل المادة التعليمية متاحة للجميع ؟

  • هل نتحدث بالفعل عن نظام شبكاتي فعال كفيل بنقل المعرفة؟

  • إلى أي حد يمكن تبسيط كيفية نقل المعرفة المدرسة؟

  • إذا أقررنا إتاحة المعرفة المدرسة على الأنترنت فهل فعلا نتحدث عن طريقة نموذجية للتعليم؟

  • هل يستطيع الطالب ابتكار اساليب جديدة غير التي ألفها ليواكب التعلم عن بعد؟

  • ما رهان اسقاط التعلم الواقعي وإحياء التعلم الإفتراضي؟

  • ثم هل المشكلة، مسألة إتاحة المعرفة أم أن الطالب لا يمتلك قدرة التعلم الذاتي؟.

إن مسألة التعليم هي بحد ذاتها إشكال متشابك المفاهيم، هو إمكانية تكاد لا تكون متاحة في كثير من البلدان وإن تحقق ووجدت فتلك معركة إيجاد مبدأ لهذه الإمكانية ، المشكلة هي أن مقررات الرياضيات تعتمد  في مجملها على المنطق في الحساب ومعالجة الحسابات به أيضا، الشيء الذي يستحيل العثور عليه في “عالم التعليم”.

لكن نستطيع التركيز على شيئين مهمين، وهما المعرفة المدرسة والتعلم في خضم أزمة وتضرر الأطر التعليمية، ولنقل الجفاف العلمي وخلو مجال جل مواده تنص على المنطق بتغاير بينها من ذرة صغيرة منه حتى، فلمناقشة المعرفة المدرسة، علينا تسليط الضوء على وسائل نقل هذه المعرفة، ونسبة تلقيها من قبل الطلاب من مختلف المناطق، فنحن هنا نناقش بالدرجة الأولى العالم المعلوماتي ،تطوراته، صبيبه، أماكن توفره من عدمه، نستطيع أن نقول بأن المعرفة المدرسة متاحة ومتوفرة لكن هل يشمل هذا القول الكل، أي الحيز الجغرافي الذي ينتمي له كل منا.

ولنقل بأنه كذلك هل لذلك الطالب إمكانية تبسيط تلك المعرفة دون الاستعانة بالاستاذ ، وإن كان ذلك، ما نسبة مواكبة هذا التغيير لدى كل شخص، قد نتحدث عن نجاعة المحاولة لادماج المتعلمين في سيرورة ألفوا استغلال معالمها في أشياء متفاوتة الأهمية ، ليتم ارغامهم على تغيير نظرة استغلال هادر للوقت إلى نظرة تقييم كل لحظة زمنية أمام شاشة الهاتف.

إن مسألة إتاحة المعرفة من عدمه ليس مسألة مهمة لأنه بالفعل ستتاح وسيتم تناقلها المهم هو نسبة المتمكنين من الاستفادة منها . ثم آنذاك تتم مناقشة مسألة التعلم باعتباره المادة الخام التي تتم إعادة تدويرها وفق مناهج تعليمية ، فالتعلم لا يكون بمواكبة ما تمليه المعرفة المدرسة أو المؤسسات التعليمية بشكل عام، إنما هو اكتساب من كل شيء نقبل عليه وكما تروض الحيوانات فعقول الانسان أيضا تروض للتخلص من الشوائب والرقي بالفكر .

إلا أن طرق التعلم تختلف من شخص لآخر، فنجد من يتعلم تحت تأطير الآخرين ومن يتعلم بمعية الآخرين، فالأول يتبع والثاني يوازي، وعندما نتحدث عن كون المعرفة المدرسة متاحة على الانترنت فالأول سيكون المتضرر الأكبر من هذه المسألة لأنه لن يستطيع مواكبة التغيير وسيفشل فشلا ذريعا لأنه ألف أخذ الموجود، أما الثاني فسيكون الأمر بالنسبة له شيئا عاديا ، ستكون تجربة أخرى لمعرفة أخرى لنظرة أخرى حول التعلم.

هنا نخص بالذكر التعلم الذاتي والتعلم التبعي، والكل هنا معني بالأمر سواء تعلق الأمر بطالب بالجامعة أو تلميذ في المدرسة ، الفرق يكمن فقط في الاستيعاب والفهم، . سبق وأن ذكرت أن إتاحة المعرفة من عدمه أمر ضعيف الأهمية فأسهم تصاعدها مرهونة بالجهد المبذول سواء من قبل المتلقي أو الملقي، وهنا نستثني المتلقي .

ونجد أن المشكلة الحقيقية تكمن في مجهوده ودرجة تركيزه و شغفه بما يتعلمه لا يمكن تبرئته لأن وضعه أقل ضررا من الملقي، في بعض الأحيان تهاونه وخموله يزيد من تفاقم أورام التأخر التعليمي، فالمجهودات الذاتية تصنع منه ذلك المتعطش للمعرفة والغوص داخل بحوث مثمرة وخلق فضاءات معرفية خاصة تغني رصيده المعرفي وتزيد من فضوله تجاه تلك المعرفة المتاحة، لأن الأخذ دون عمل يعادل عدم الفعل .

فيكون التعلم إذن بابتكار أساليب خاصة للتعلم بإبداع في اختيارها أيضا ،في البداية يكمل المتلقي النقش على منحوتة العلم وأما التعلم الذاتي فيعني هيكلتها دون تدخل المشرف ويكون ذلك بالتعب إن لم يشعر المتلقي بتعب المعلومة والمعرفة فإنه ليس سوى متعلم تبعي بمجرد أن ينعدم ظهور الملقي تحد معرفته.

التعليم هو قاعدة هرم التحول الانساني ،فالتطورات التي تشهدها البشرية تتم بعلاقات منطقية  والانتقالات الغير مدروسة هي بمثابة انتحارات للحضارات داخل كل دولة فشلت في تهييئ جيد لهذه القاعدة أو أنها اعتمدت نظام الحلول الترقيعية. فمسئولية تطوير وتحسين التعليم وبذلك التعلم ونقل وإتاحة المعرفة تأتي على عاتق الكل، لا يمكن استثناء المتلقي ولوم الملقي أو المسئول لأن كلا منهما يسامه بتفريطه في عدم تقدم سيرورة التعليم.

لا ندري إلى متى سنظل متخفين وراء إصدار الأحكام والانتقادات، في حين لا نقدم بذائل مقنعة، الأوضاع التي نعيشها في التعليم ليست جديدة وإنما أضاعت تلك الرقع غير المتجانسة ، والإخفاقات لا من جهة المسئول ولا من جهة المواطن، لا يكمن تحميل مسؤولية الخطأ للدولة بل أيضا للشعب الذي يساهم بنسبة كبيرة جدا، فالفرق هو السلطة، ولو أوكلت مسؤولية الاصلاح لشخص ما لاعتبرها جرما في حقه.

error: