الأهمية الاقتصادية و البيئية للمسؤولية الاجتماعية للشركات

جواد رسام

على اعتبار أن المؤسسة تنشط في إطار بيئة محيطة بها ، فيستوجب عليها أن تشارك في التنمية الاقتصادية باستثماراتها وخلق مناصب شغل و خلق فرص لتحقيق الثروة ، و في المقابل عليها أن تساهم في الإبداع و التطور التكنولوجي في استهلاكها للموارد الطبيعية و أن تحد من إنتاجها للنفايات .

لذا فالمسؤولية الاجتماعية للمؤسسة يجب أن توازن بين مبادئ التنمية المستدامة و الاعتبارات الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية ، فعلى المؤسسة ضمان ديمومة أنشطتها و استدامة عائداتها و أرباحها، و ضمان مناصب العمل للمساهمة في البناء الاجتماعي، و المحافظة على استغلال الموارد الطبيعية و حماية البيئة.

المسؤولية الاجتماعية و دورها في تحقيق المركز التنافسي

حيث يرى البعض أن استغلال الموارد المالية و البشرية يتعلق بالجودة و التكنولوجيا و القدرة على خفض التكلفة و الكفاءة السوقية و الابتكار و التطوير ووفرة الموارد وامتلاك الموارد المؤهلة بشريا، لذا يجب أن تقترن التنافسية بالقدرة على تحقيق منافع مضاعفة للمنتجات ليتحقق جدب الزبائن.

في حين يرى البعض  أن التنافسية تتمثل في الوسيلة التي تحقق التفوق التنافسي في ميدان المنافسة مع الآخرين من خلال استحداث طرق إنتاجية خاصة و تفادي الطرق التي أصبحت معروفة بشكل واسع لدى المنافسين.

و من ثمة فإن التنافسية أو التفوق التنافسي ، تلك القدرة على تزويد المستهلك أو العميل بمنتجات و خدمات أكثر كفاءة و فعالية بشكل متميز مقارنة بالمنافسين الآخرين لزيادة الحصة السوقية و تعزيز المركز التنافسي، و أن تكون منتوجات المؤسسات مراعية لرغبات المجتمع و غير ضارة بالصحة العمومية و ملتزمة بالجودة . من هنا يجب تغيير سياسة و إستراتيجية المؤسسة الهادفة لزيادة الأرباح و توسيع الاستثمارات على حساب مطالب العمال و البيئة ، من هنا ألزمت المؤسسات بتكييف منتوجاتها و المتطلبات الاجتماعية و البيئية كتحدي أمامها لزيادة تنافسيتها نحو التصدير و دخول الأسواق . فكلما ازداد اهتمام المؤسسة بالمجتمع من خلال توفير ظروف عمل لائقة و عدالة مهنية و تشاركية في اتخاذ القرارات كلما زادت ثقة العمال لديها و تحسين أداءهم المهني و ظهرت المبادرات الإبداعية .

ذلك أن تغير البيئة الاقتصادية العالمية و انفتاح الأسواق لتصبح سوقا واحدا زاد من شدة المنافسة بين المؤسسات ، مما فرض عليها خلق عناصر مميزة للحفاظ على حصتها السوقية و ضمان بقائها و ديمومة نشاطها ( الميزة التنافسية ).

و منه يجب أن تكون المؤسسة قادرة على إنتاج سلع و خدمات بنوعية جيدة و بسعر مناسب يلبي حاجات المستهلكين  قياسا على ربحيتها و معدل نموها و إستراتيجية تلبية طلب السوق الخارجي.

حتى تتمتع المؤسسة بفوائد تنافسية و تتميز عن منافسيها، عليها أن تتبنى إستراتيجية قابلة للاستدامة عن طريق:

  • إعادة تصميم السلع بحيث تكون حساسة بيئيا أو تطوير سلع جديدة في هذا المجال.

  • الدخول إلى أسواق جديدة حساسة بيئية .

  • إعادة تصميم غلاف السلعة حتى يكون صديقا للبيئة .

  • التكامل بين الجهود البيئية و نشاطات الإعلان و الترويج.

و من ثمة تقوم المؤسسة بتخفيض التكاليف عن طرق التحسين في العمليات الإنتاجية للمؤسسة الناتجة عن توفير الطاقة و عدم استنزاف الموارد و تخفيض التلوث و النفايات.

إذ تعد القدرة التنافسية عاملا هاما في مدى استمرارية المؤسسة و نجاحها، و السعي إلى إتباع إستراتيجية في مجالات متنوعة.

كما يجب على المؤسسة أن تركز على عوامل نجاحها  من خلال :

  • التركيز على الخدمات المقدمة لعملاء لا على المنتوجات .

  • التركيز على الكيفية التي تلبي بها المنتجات و الخدمات و الحاجات الحقيقية للأفراد (الجودة)القيام بالتحسينات اللازمة دون استنزاف الموارد .

  • التركيز على دورة الحياة بدراسة للمنتوج من التقديم إلى التقهقر .

من ثمة على المؤسسات القيام بالتوفيق بين الأعمال التي تقوم بها و البيئة الطبيعية .

و الخبرة السلعية و المالية و التسويقية ضرورية لتنفيذ إستراتيجية عامة للمؤسسات نحو توقع مسؤوليات جديدة .

فعلى المؤسسة تحقيق إنتاجية أعلى و بنفايات منعدمة لمنتوجات نظيفة ، و خفض إنتاج المواد السامة .

و تجدر الإشارة إلى أن نشاط المؤسسة يساهم بشكل كبير في التنمية الاقتصادية من خلال استثماراتها و خلقها لمناصب العمل و تحقيقها للثروة رغم استهلاكها للموارد الطبيعية و إنتاجها للنفايات ، و من ثمة عليها مسؤولية اجتماعية بجعل التنمية المستدامة إحدى فرص الاستثمار المعتمدة ضمن إستراتيجيتها ، و عليها أن توفق بين مبادئها و قيم التنمية ، مع النظر إلى هذه الأخيرة كأولوية تتطلع من خلالها لتوقعات الزبائن ، و في ذات الوقت عليها أن تتأقلم مع المقاييس الجديدة ببعدها الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي .

إذا ما تبنت المؤسسة هذا ، فإنها تحقق العديد من الفوائد ، من ذلك تحسين صورة المنظمة في المجتمع ، و ترسيخ المظهر الايجابي لدى زبائنها ، و يتحسن مناخ العمل داخلها ، و تتسع دائرة نشاطها ، مما يزيد من إنتاجيتها ، و بالتالي تكون قد حققت فوائد دون إلحاق أي ضرر بالمجتمع  و حققت تفوق تنافسي عن طريق تحسين جودة منتوجاتها و ألقت قبول المستهلكين و حافظت على مكانتها لدى زبائنها الحالين و المتوقعين ,

و من هنا تتصف العلاقة بين المسؤولية الاجتماعية و تحقيق المركز التنافسي بالتعقيد و التداخل ، لان متطلبات المسؤولية الاجتماعية يعد عبئا على تكاليف الإنتاج و يضر بالميزة التنافسية للمنظمة ، و في ذات الوقت أن المعايير البيئية و الاجتماعية تعتبر آلية مفيدة لتحسين كفاية الإنتاج و الحد من التأثيرات السلبية على المجتمع و البيئة.

فكلما كانت منتوجات المؤسسة تلبي رغبات المجتمع و غير ضارة بالصحة العامة و ملتزمة بشروط الجودة ، كلما  عزز ذلك إستراتيجية المؤسسة و حققت رضا المجتمع و تعاونه و حقق استثمارها مردودا ناجعا و زادت مبيعاتها تحت غطاء محمي في الأسواق ، و في القابل تنجو من الإجراءات الحكومية التدخلية في أنشطتها أو من التشريعات المقيدة لحرية المنافسة .

 التأهيل البيئي للمؤسسة

 

إن حماية البيئة فرضت نفسها كخيار استراتيجي لدى أي مؤسسة اقتصادية ، و حتمت على هذه الأخيرة دمج النشاط الإنساني في النظام الطبيعي كي تضمن لنفسها ميزة تنافسية من خلال الفعاليات البيئية ، لذا يتطلب منها فهم المشاكل البيئية التي تواجهها و التزامها بالقوانين و التشريعات البيئية و خفض تكاليفها و البحث عن أسواق جديدة حتى تحقق أكثر تنافسية لها .

كما أن احترام المعايير البيئية و المعايير الإنتاجية في ظل بيئة محمية باستخدام أساليب وقائية و صديقة للبيئة يعد إستراتيجية يحقق كفاءة اقتصادية (تعظيم الإنتاج و السلع و الخدمات……) و كفاءة تسويقية (توسيع  الحصص السوقية و النفاد في الأسواق ……) .

و من ثمة  تأهيل المؤسسة الاجتماعية يشمل المؤسسة و محيطها عن طريق مجموعة من الإجراءات و التدابير الهادفة لتحسين و ترقية فعالية أداء المؤسسة على مستوى منافسيها في السوق ، و المبنية على عمليات ذات طابع تكنولوجي ، تقني و تسييري حتى تتمتع المؤسسة بقدرة تنافسية من خلال منتجات نوعية و ربحية.

و عليه ظهر في هذا الصدد ما يسمى بالحكومة البيئية و الاجتماعية للمؤسسات من خلال البحث في كيفية تعزيز تحفيز الإدارة و زيادة كفاءاتها المبنية على المبادئ الترشيدية و الآليات الهادفة لتحسين نوعية الحياة بين حكومة الكيانات الاقتصادية و الحكومة البيئية و الاجتماعية ، أي تلك القواعد و الممارسات المرتبطة بإدارة البيئة من حفظ و حماية و استغلال الموارد الطبيعية.

لذا تسمح المؤشرات البيئية و الحكومة للحكومات بمشاركة المؤسسات و إعطاءهم دورا واسعا في الإدارة و التخطيط البيئي ، مما يعني سلامة قرار يضمن حماية البيئة و سلامة الأفراد من خلال تقسيم الأدوار ، و المسؤولية بين الحكومة و المجتمع المدني و القطاع الخاص فيما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية و ملكيتها.

منه أن التأهيل البيئي هو عملية شاملة و متكاملة مستخلصة في إدراك المخاطر البيئية الناجمة عن النشاط الاقتصادي للمؤسسة بإتباع إجراءات و عمليات تقنية ، مالية ، تكنولوجية ، إدارية ، قانونية و توعوية هادفة لتحقيق إنتاج نوعي و استغلال امثل للموارد الطبيعية ، و كفاءة تسويقية و تحقيق ميزة تنافسية مع ضمان تنمية تحقق حماية البيئة في إطار التنمية المستدامة .

لذا يجب على المؤسسة الاجتماعية أن تتحلى بالثقافة البيئية ، و أن تبتعد عن السلوك البيئي الدفاعي المبني على عدم الاهتمام بالمعطيات البيئية و اعتبار الاستثمار البيئي تكلفة غير مفيدة ، و أن تلتزم بالسلوك البيئي المساير للمعايير البيئية ، الرامي القيام استباقيا بتحقيق الأهداف البيئية أعلى و اكثرمن المستوى الذي تحدده المعايير القانونية .

كما يجب علة المؤسسة الاجتماعية أن تتبنى أساليب الإدارة البيئية من خلال العمل على الوقاية من التلوث في المصدر ، و دراسة الوضعية البيئية للمؤسسة و الاهتمام بها من خلال استخدام التكنولوجيات الأنظف و الأكفأ ، و استهلاك الموارد الطبيعية و الطاقة بشكل مستدام و عقلاني ، كما يجب عليها اعتماد معايير و آليات تحد من الغازات المنبعثة و الملوثات و نحد من تدفق النفايات و نجعلها قابلة للتثمين .

كما يجب على المؤسسة توضيح المبادئ و الأهداف المتعلقة بالأداء البيئي الشامل لها من خلال تحديد إطار عملها البيئي باعتماد إدارة المؤسسة سياسة بيئية ، تنبني على احترام البيئة في كل الأنشطة و العمليات الإنتاجية و القيام بالمراجعة البيئية الأولوية لتحديد الوضعية الحالية للمؤسسة و توثيق تلك العمليات.

من خلال كل ذلك يتبين لنا أن اكتساب المؤسسة لمستوى من التميز و التفوق على غيرها من المؤسسات المنافسة يتطلب على إدارتها إتباع منهج يعتمد في صنع القرار و طريقة دمجها للاعتبارات البيئية ضمن سياستها و إستراتيجيتها.

كما يتضح بأن المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة طريقة يجب أن تعمل عليها هذه الأخيرة لدمج الاهتمامات و القضايا الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية في صنع القرار و استراتيجيات و سياسات و قيم  و ثقافة المؤسسة و العمليات و الأنشطة داخلها بكل شفافية و محاسبة كأهم الأدوات لتحقيق التنافسية .

و أن الاهتمامات البيئية و الاجتماعية و تحقيق التنمية المستدامة هي حلقة أصلية و وثيقة ضمن ممارسات و تطبيقات المسؤولية الاجتماعية في المؤسسة التي تتطلب وضع أنشطة بيئية تحافظ على نظم حماية البيئة ، و عليها السعي إلى نشر الثقافة البيئية لدى عمالها.

و منه أن إدماج العنصر البيئي في إستراتيجية المؤسسة هو تفعيل لمبادئ التنمية المستدامة ، لذا يجب دمج آليات البيئة ضمن إدارة أهداف المؤسسة الاجتماعية لتحقيق أهداف اقتصادية في ظل بيئة نظيفة، مع الحفاظ على مكانتها السوقية دون إحداث أي مخاطر بسبب نشاطها أو أداءها.

من خلال هذا لابد من توفر ما يلي :

  • يجب اعتماد نظم إدارة بيئية فعالة .

  • يجب اعتماد آليات استعمال التكنولوجيات المبتكرة في المجال البيئي التي تحد من كل أشكال التلوث.

  • تشجيع المؤسسات الاقتصادية على الاستثمار في المشاريع الصديقة للبيئة.

  • لابد من نشر الوعي البيئي و إدراك المخاطر البيئية لدى الأفراد و المجتمع و المؤسسة .

  • ضرورة التفكير في إقامة مجمعات صناعية متوافقة بيئيا تستخدم مخلفات بعضها البعض.

على المؤسسات الاعتماد في منتجاتها على العنونة البيئية و إدارة المخلفات أو النفايات.

جواد رسام

باحث في القانون و السياسات البيئية

error: