ذ. محمد شهبون يكتب عن “مدرستنا.. والخوف من السؤال؟؟”

  • ذ. محمد شهبون (°)

منذ زمن طويل لا تني مدرستنا عن تقديم المعرفة الجاهزة للمتعلم، بأقل ما يمكن أن يدفع من الأتعاب الفكرية والإبداعية.. فتقصي بذلك اشتغاله الذاتي وقلقه الوجودي لبناء معارفه النابعة من أسئلته الخاصة نحو الكون والحياة. وبذلك يتجاهل الفعل المدرسي الطبيعة الإنسانية الأصلية التي راكمت معارفها وأنجزت فعلها الحضاري عبر البحث المتواصل عن أجوبة لأسئلة مقلقة دوما.

لقد احتكر المدرسون لردح طويل حق السؤال، وولَّد ذلك لديهم احتكار الجواب أيضا.. فظل المتعلم كائنا مفعولا به، تُعطل قدراته، وتعلب في قوالب جاهزة خارج ذاته، مما أفقده الحافزية والفضول، وجعل فعله التعلمي استنساخا باهتا لتجارب الغير.

والناظر إلى مناهجنا التعليمية يستنتج أن عناصرها جميعا (البرامج، الكتب المدرسية، الأنشطة، الطرائق، المحتويات، أنظمة التقويم..) تكرس حرمان المتعلم من حقه في ممارسة مقتضيات صفته.. إنها تصادر حقه في طرح السؤال وبناء المعرفة ذاتيا.. وتركز على دور المدرس في العمليات التعليمية/التعلمية، وتمهره لطرح وتوجيه السؤال، والتحكم الفردي في مسارات التعلم.. فتضيق بذلك هوامش التفكير الحر والمنطلق لدى المتعلمين، وتحول بينهم وبين التحول الفكري الذي ينبغي أن يصاحب تحولاتهم النفسية والفيزيولوجية.. ولعل هذا ما يفسر تأفف بعض المدرسين من إنجازات المتعلمين حينما يجدها تغريدا خارج سرب النمطية المتكررة.

في مسار كل متعلم جريء على طرح السؤال أكثر من حادث قهر ونهر يطالبه بالكف عن ” الشغب” والاستكانة وسط “الحظيرة” الهادئة.

إن إلغاء السؤال يعني بدهيا ممارسة الإكراه لتقديس المعرفة الموحدة، وإقصاء حقوق الآخرين في الاختيار والاعتراض.. فينشأ عن ذلك فكر القطيع الذي يُنكر ذاته ويفنى في الآخر/القائد.

إن المدرس الناجح في أعرافنا التربوية هو المهيمن على الفعل التعليمي، والذي يمارس سطوته المعرفية على المتعلمين، ويتحداهم بتعجيزاته البيداغوجية، مغلقا أمامهم أبواب الحركة الفكرية الذاتية، منَصبا نفسه صنما للمعارف يطوف حوله المتعلمون بخشوع وتقديس.. بل تحول هذا السلوك الاستبدادي إلى تمثل إيجابي لدى المتعلمين أثناء الحديث عن مدرسيهم والمقارنة بينهم.. وبه يصير المدرس المحتكر للكلام، الملغي للمتعلمين متميزا لا يُشق له غبار.. أما زميله الذي يتنازل عن أقساط وافرة من هيمنته لصالح متعلميه فيُنعت بصفات الضعف والتقصير.

وهكذا يتحول الكسب المعرفي إلى فعل قهري يمارَس على المتعلم من خارج ذاته، مما يكون سببا لمخرجات الفشل والهدر.. ويصبح “الحق في التعلم” شعارا بلا معنى.

ومادامت الأجوبة في منظومتنا التعليمية أهم من الأسئلة عكس ما ينبغي أن يكون في عرف بعض الباحثين التربويين، فإن الذات المتعلمة ستظل فاقدة لشهية التعلم، لأنها تحس أنها مستدعاة للمشاركة في نشاط لا يعنيها في شيء، فتحضره مجاملة أو خوفا.. أي دون أن تشعر بلذة فيه…لا أمل في تعلم لا لذة فيه.

والغريب أيضا أن المدرس – وهو يصادر حق المتعلم في طرح السؤال- يصوغ أسئلة مغلقة متكررة أشبه ما تكون بالنفق الذي يحكم على داخله بالمضي قدما وفق مسار وحيد إلى مخرج وحيد.. مما يجعل المتعلم يلغي خرائطه الذهنية الخاصة، ويُعد الأجوبة المنتظرة التي يتوقعها مدرسه أملا في تحقيق علامات تؤهله “للنجاح“.

وينتج –حتما- عن هذا غرقٌ في بركة معرفية آسنة لا حركة فيها.. وعوض تمهير المتعلم على توجيه السؤال والبحث عن جوابه الخاص، يتم توجيهه إلى كيفيات تقديم “جواب النجاح” مهما كان بعيدا عن منطق الذات وقناعاتها الخاصة.

أليس النفاق سلوكا اجتماعيا متواطأ عليه.. فلا حرج أن يمارس المتعلم نصيبه منه في مساره التعلمي.

إن المدرسة التي تخاف من السؤال وتبني أمامه أسوارا حاجزة، لا يمكن أن تكون قاطرة للفكر والحضارة، وهما النتاجان الأصيلان لقلق السؤال.

لقد مضى عصر احتكار المعرفة، وانقضى زمن التأله المعرفي، وانفتح العالم اليوم على تعددية ثقافية وفكرية لا نهائية، يعيشها المتعلمون خارج المدرسة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي مكنت الجميع من طرح السؤال وتقديم الجواب الخاص.. انهارت الأسوار جميعا.

وما دامت مدرستنا تعيش خارج هذا السياق، وتزيد أسوارها علوا وسُمكا، فلا معنى لتعلماتها الشاردة.

أمام هذا الاهتراء الوجودي الذي تعيشه منظومتنا التعليمية، وجب إحداث تحول نوعي في مسارها ووظيفتها، عبر إعادة الاعتبار للذات القلقة بهم السؤال، وذلك من خلال:

  • بناء البرامج والمقررات التي تراعي حق المتعلم في طرح السؤال وبناء التعلمات ذاتيا.

  • تمهير المدرس على مهارات السؤال البيداغوجي المفتوح ذي الأجوبة المفتوحة والمتعددة.. بل تمهيره قبل ذلك على تلقي السؤال عوض احتكار إلقائه دوما.

  • تحفيز المتعلم على توجيه السؤال مهما كان وفق وضعيات تعليمية مبنية لهذا الغرض.

  • إعادة النظر في وظائف التقويم وأشكاله، والتركيز في أنشطته على القدرات التفكيرية والإبداعية الذاتية بعيدا عن التقويمات التقليدية التي لا تسائل إلا الذاكرة الحافظة، والتي تقصي الذات وتستنسخ الآخر: (بضاعتنا ردت إلينا)

وفي انتظار هذا التحول المنشود، سيظل المتعلم الفاقد لحق السؤال ضحية فعل تعليمي يجرد الإنسان من صفة جبلية خلقت فيه، هي قلق السؤال والبحث الدائم عن الجواب.

لن يكون مستقبل الأجيال القادمة – في غياب هذا التمرين الحيوي- سوى نسخة باهتة عن الأسلاف الذين خلوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(°) مفتش تربوي بقلعة السراغنة
error: