الخزانة المغربية تتعزز بإصدار حول “سيميائيات الصورة الإشهارية” للدكتور محمد حدري

أ. بيضي

تعززت الخزانة المغربية بصدور كتاب جديد يحمل عنوان “سيميائيات الصورة الإشهارية – مدخل نظري” لمؤلفه د. محمد حدري ، ويتناول المقاربة السيميائية واللسانية لموضوع الصورة الإشهارية، وهو صادر عن دار بصمة لصناعة الكتاب، ويقع في 141 صفحة من القطع المتوسط، بإخراج فني للأستاذ توفيق البيض.

وينقسم الكتاب لفصلين، أولهما حول الخطاب البصري، ويضم مبحثين يفككان مفهوم العلامة بين اللسانيات والسيميائيات، بناء على نظريات سوسير، يلمسليف وش. س. بورس، ثم سيميائيات النسق البصري، عبر طرح التمثيل الأيقوني وبناء الدلالة البصرية، التمثيل التشكيلي وبناء دلالات الصورة، ثم الصورة واللغة.

أما الفصل الثاني من الكتاب فيرتكز على خصائص وبنية خطاب الصورة الاشهارية، ويضم ثلاثة مباحث حول بناء ودلالة الصورة الاشهارية، مداخل معنى الملصق الاشهاري ثم بلاغة الصورة الاشهارية، مع اعتبار الكتاب عموما إضافة علمية للخزانة الوطنية التي تفتقر للموضوع بشكل واضح.

مقدمة الكتاب:

“..يطرح موضوع الصورة الاشهارية إشكالين مركزيين: يتعلق أولهما بالصورة باعتبارها علامة أو مجموع علامات ( نص) تقترح نوعا من التشابه مع الواقع الخارجي الحسي، ثانيهما: ويرتبط بحقل الإشهار باعتباره خطابا للاقتصاد والتجارة والترويج والمنافسة والاستهلاك. واستدماج هذين المكونين يجعل من الخطاب الاشهاري أكثر الخطابات غموضا والتباسا -من جهة- وأقواها تداولا وانتشارا وإقناعا وهيمنة من جهة أخرى. إنه خطاب تتداخل في صياغة دلالاته سائر المجالات الفكرية والمعرفية، فهو مجال اللغة والفن والثقافة والفكر والايديولوجيا وعلم النفس والمجتمع والدين… ومن خلال كل ذلك يستمد الخطاب الاشهاري قوته وسطوته على الجماهير.

إن وجهة نظر الدارس لهذا الموضوع -أو غيره- هي التي تحدد نوع المقاربة المنهجية التي سيتبعها، وبذلك فإن اختيارنا المنهجي في هذا الكتاب -كما هو واضح من خلال عنوانه- سيسير على هدى المقاربة السيميائية واللسانية لموضوع الصورة الاشهارية، باعتبارها ظاهرة تواصلية ونسيجا علاماتيا مركبا، ونصا دلاليا مستقلا من جهة، ومرآة تعكس السياقات السوسيو-ثقافية التي تنتج داخلها إرسالياته ويتم تداولها وتأويلها فيه من جهة أخرى.

لقد اعتبرت السيميائيات -منذ زمن بعيد- الصورة الاشهارية ظاهرة تواصلية ودلالية بامتياز، ووسيط بين ما هو مادي (الصورة) وما هو ذهني مجرد (الفكر)، ومادامت حياتنا (اليوم) -أكثر من أي وقت مضى- غارقة في الصور – والاشهارية ضمنها- فإن الغاية من هذا الكتاب تتحدد في فهم كيفية قراءة الصورة الاشهارية، من خلال الوقوف على أنماط وتقنيات إنتاجها للدلالة وبنائها للمعنى ثم الاقناع من أجل دفع المستهلك للشراء والاستهلاك. إنها عملية تستدعي تحليل وبسط بعض الفرضيات النظرية السيميائية التي تقدم عدة منهجية فعالة في تفكيك بنية الخطاب الاشهاري المصور، ووضع اليد على كيفية بنائه للمعنى وطرق إقناعه بالمنتوج.

إن أول ما يميز الصورة الاشهارية -بنوعيها الثابت والمتحرك- هو اندراجها ضمن ما يسمى بالتواصل الخطي La communication linéaire  أي أن الارسالية تسير من باث قوي يمتلك السلطة من خلال امتلاك كل وسائط الإبلاغ ( تلفزة، راديو، سينما، مجلات، أنترنت،…) إلى مستقبل ومتلق ضعيف، أعزل لا حول له ولا قوة، ودون أن تكون هناك عودة للإرسالية أو الرد عليها، ومن هنا تبنى ديكتاتورية الصورة.

لا تتحدد وظيفة الاشهار فيما هو اقتصادي وتجاري الغاية منه الترويج لمنتوج معين، ولكن له وظائف أخرى مستترة وخفية أبرزها بناء وجدان “إنسان ما بعد الحداثة” والتحكم في أهوائه وانتماءاته واختياراته قصد توجيهها، إنه آلية فعالة في الفتك والضبط والتوجيه الاجتماعيين، فاستراتيجياته الخفية تكمن في اقتلاع الانسان المعاصر من جذوره وهويته وتاريخه، وجعله كائنا ضحلا شفافا ومسطحا بدون ذاكرة، إن خطورة الخطاب الاشهاري تكمن في اقتراح –مستمر- لحاجيات وبدائل حياتية وثقافية هجينة لا أصل لها ولا جذور.

إن الاشهار – من خلال هذا التصور- ليس مجرد دعاية مباشرة لاستهلاك هذا المنتوج أو ذاك، أو إخبارا بمزايا هذه الخدمة أو تلك وتعدادا لمناقبها، ولكنه بنية خطابية تتقاطع فيها علوم اللغة والتواصل بعلم النفس والسوسيولوجيا والايديولوجيا والدين، وهو ما يزيد خطاب الاشهار غموضا والتباسا، فهو يتجاوز حدود التعيين المباشر، نحو اقتراح بناء جديد لعلاقاتنا بالكون والموجودات الحسية حولنا.

 تقترح السيميائيات– في هذا المجال- مجموعة من الفرضيات النظرية المبنية على تصور يعتبر أننا لا ندرك الأشياء والوقائع والظواهر الطبيعية في ذاتها ولذاتها، ولكن ما ندركه هو سلسلة العلاقات والعلامات التي تحيل عليها، وتعد الصورة الاشهارية من بين هذه العلامات الأكثر فعالية في التشخيص والأكثر بلاغة في التعبير وبناء المدارك. إنها توهم بواقعية التجربة الحسية لأن مصدرها العين وليس الألفاظ، ومن هنا تستمد قوتها في الدفع بالمتلقي نحو الإثارة أولا ثم الشراء والمزيد من الشراء والاستهلاك لاحقا.

وبذلك يدين الإشهار للصورة باستثارة الرغبات والأحاسيس والانفعالات التي تم “نسيانها” في زحمة الحياة وإكراهات اليومي، إنه من بين الخطابات التي تؤسس لأساطير الحداثة والتذكير بقيمها “الفاضلة” في أفق التطبيع معها. تمثل الصورة الاشهارية للحظة وجودية يقدم من خلالها المنتوج “س” باعتباره جزءا من الكينونة، وليس مجرد مادة موجهة للاستهلاك فحسب، ولكنه -وهو يعرض من خلال وضعية وجدانية خاصة- يولد اندفاعات حسية من خلال فعل الإثارة الذي تنتجه الصورة.

إن الصورة الاشهارية هي اقتراح لبدائل تمثيلية للتجربة الحسية والواقعية التي نعيشها والتي ستعتبر لاحقا معيارا للإدراك والفهم، » نحن نعرف اليوم أنه من العبث القول إن الانسان المعاصر يدرك العالم الذي يعيش فيه، ويحكم عليه دون أن يأخذ في الحسبان هذا الكون الصوري المسكوك، وهي صور أفرزها الاشهار حوله « [1] واعتبارا لأن معرفتنا بالكون وبأشيائه وموجوداته – على غناها وتنوعها- هي معرفة بالعلامات التي يدرك من خلالها، فإن الصورة تعد من أخطر الأنساق التواصلية تأثيرا وإدماجا لقرائها، إنها نص ونسيج علاماتي مركب ومعد ومرتب ومنضد ومقدم بعناية فائقة تستثمر كل معطيات “الموسوعة الثقافية” للقارئ – الزبون المحتمل- . 

إن قراءة وتأويل الصورة رهين بمعرفة هذه الإجراءات وبكيفية التأليف بين العناصر المرئية منها، من أجل خلق حالة انسجام هي ما يؤدي للإبلاغ والإفهام وإنتاج الدلالة. ففي مقابل تنوع الظواهر الدالة وتعدد لغاتها وأشكال تجليها، هناك وحدة في السيرورة التدليلية المنتجة للمعنى، وهي سيرورة تتنوع أشكال اشتغالها بتنوع المواد التعبيرية الموظفة فيها، بين ما هو لغوي لفظي أو بصري أيقوني، أو ايمائي، أو تشكيلي وغيرها..”

وبناء على كل ما سبق، تضيف المقدمة، تم “تقسيم هذا الكتاب إلى فصلين رئيسيين خصص الأول منهما للبحث في افتراض وجود “نَحْو” Grammaire  لبناء الدلالة البصرية أي مجموعة من القواعد والاواليات الذهنية والمجردة التي تشبه -إلى حد بعيد- قواعد و”نحو” اللغة اللفظية، وذلك من خلال التوقف في المبحث الأول من هذا الفصل عند تصورات كل من “سوسير”  و”بورس” ثم “يلمسليف” في تحديداتهم لمفهوم العلامة اللسانية، وذلك من أجل اختبار مجموعة من المفاهيم -اللسانية المنشأ- على غرار “العلامة” و”الدال والمدلول” و”الاعتباطية” و”التمفصل المزدوج” … وغيرها قصد تجريبها في تحليل الخطاب البصري والوقوف على تقنياته في بناء الدلالة.

أما المبحث الثاني فقد خصص لبحث مكونات وخصائص الخطاب البصري وآليات إدراكنا لهذا النوع من العلامات، وذلك من خلال دراسة وتحليل مفهوم الأيقون وخاصية “الأيقونية” L’ iconicité مع ما تثيره طبيعة العلاقات بين الأيقون وموضوعه من علاقات -كالتشابه والتناظر والتماثل- سواء من جهة بناء المعنى، أو من جهة تلقيه وتأويله.

بينما تناول الكتاب في المحور الثاني من هذا المبحث مفهوم العلامة التشكيلية وما يثيره من قضايا تتعلق أساسا بالادراك والفهم والترويج والتداول، وذلك من خلال فحص وبحث مختلف المواد التعبيرية التي تستند إليها الصورة في بناء وتوليد معانيها، من ألوان وأشكال هندسية، وتقنيات الوضعة وغيرها من إواليات بناء الدلالة البصرية.

أما المحور الثالث من هذا الفصل فقد خصص للعنصر الثالث من عناصر الصورة وهو اللغة –أو النص المصاحب- وعلاقاتها المتنوعة بالصورة سواء من جهة التوجيه الدلالي، أو من جهة البعد التشكيلي للكتابة، مع ما يعنيه ذلك من وظائف محددة تنجزها اللغات اللفظية في توجيه المدرك البصري، وفهمه وتأويله.

أما الفصل الثاني فقد خصص لتحليل مكونات الصورة الاشهارية وأنماط إنتاجها للمعنى. تم التوقف في المبحث الأول منه عند استراتيجيات الخطاب الاشهاري باعتباره خطابا محملا بقصدية واضحة تتجاوزه وتتمثل في الدفع بالمتلقي نحو الشراء والاستهلاك مع ما تتطلبه هذه العملية من حشد لكافة مكونات النسيج البصري والتوليف بين عناصره، من أجل إنتاج المعنى الاشهاري. بينما خصص المحور الثاني من هذا المبحث لدراسة الملصق الاشهاري باعتباره من أشرس الوسائط البصرية التي يعتمدها الاشهار ومن أكثرها انتشارا وتداولا، سواء من حيث خصائص بنيته الداخلية، أو من خلال مميزاته الخارجية، ومجموع مواده التعبيرية من أيقونات وألوان وأشكال

كما تم التوقف في هذا المبحث أيضا عند مفهوم المميز البصري “Logo ” باعتباره نصا إشهاريا موازيا يشكل القوة الضاربة في خطاب الاشهار عموما والملصق الاشهاري بالخصوص، باعتباره آخر ما يعلق بذهن المستهلك ووجدانه، مما سيقود لاحقا لخلق حالة احتفاز لا واعية هي ما سيقود للاستهلاك. أما المبحث الثاني من هذا الفصل فقد خصص لتحليل بعض الوجوه البلاغية التي تعتمدها الصورة الاشهارية في بناء دلالاتها، من خلال فحص بعض خصائص الحجاج والاقناع الاشهاري، للدفع بالمستهلك إلى الشراء والمزيد من الشراء، اعتبارا لأن تقديم المنتوج لا يتم بشكل تقريري مباشر، ولكن يتم وضعه داخل بنية أسلوبية محددة هي ما ينتج ويؤثر في البنية الوجدانية للمتلقي، المستهلك المحتمل..”

  • دافيد فيكتروف، » الاشهار والصورة – صورة الاشهار« ، ترجمة وتقديم: سعيد بنكراد، منشورات ضفاف، الطبعة الأولى: 2015، ص:36.

  

error: