صراع الأزمنة في رواية “قـمـر” للكاتب المغربي أمجد مجدوب رشيد

      × كمال الكوطي (°)

تبدأ رواية “قمر” (°°) لأمجد مجدوب رشيد (°°°) بسرد حلم، حلم لا يخلو من شبقية érotisme، لنجد أنفسنا، ودون سابق إنذار، داخل زاوية، وصورة شيخها وهو يترنح في الفراش بعد أن قطع آذان الفجر عليه متعته ! هذه النقلة المفاجئة من عالم حلم مليء بإيحاءات جنسية ملتهبة إلى فناء فجر زاوية لابد لها وأن تزرع في قلب المتلقي من التساؤلات الكثير. أيعقل أن تسقط روح تجلت لها كل أسرار الخلق في حبال رغبات الجسد؟ أهي النفس الأمارة بالسوء وقد استولت على قلب ناسك، أم بقايا تلبيس إبليس لعين؟..

لا هذا ولا ذاك، بل ” هو ذا الإنسان” Ecce homo !  لكل شيء ظله، كما لكل ارتفاع عمقه. فكما يلازم الشيء ظله، أو الارتفاع عمقه، تلازم الإنسان أشباحه: ماضيه الدفين، بإحباطاته، مخاوفه، هواجسه، عقده ورغباته. هو ذا إذن شيخ الزاوية (الحاج الفلواتي) ! بيد أن ظهور “قمر” (الشخصية الرئيسية في الرواية) أحال الحلم واقعا، أو لنقل أخرج الرؤية (لارتباطها بلحظة ما قبل الفجر) من القوة إلى الفعل …شكل حضورها في حياة شيخ الطريقة كشفا ومكاشفة: كشفا لحقيقة الشيخ أمام الاغيار( سقوط قناع الزهد، والورع والتقوى…) ومكاشفة لذات الشيخ أمام نفسها..

فحبها الذي شغفه كان بذلك الداء والدواء، داء لأنه أيقظ أعين المحيطين، ودواء لأنه شكل لحظة صحوة ضمير. لقد مثلت “قمر” (بعنادها، وقوة شخصيتها، وثقافتها وجمالها الساحر) وسيطا ما بين ماضي الشيخ ونفسه، لقد احتلت موقعا مماثلا لذاك الذي يحتله المعالج النفسي  بين وعي المريض ولاوعيه. لقد جعله وجودها عاريا، ومجردا مما مثل إلى الآن مصدر سلطانه وتأثيره…أو ليس هو شيخ الطريقة ومنارة المريدين؟ !

هذه العلاقة المتوترة ما بين نداء الروح ونداء الرغبة، كما تعكسها صورة الحسناء (قمر) والشيخ، تخفي ضمن ثناياها ثنائيات رئيسية (على الأقل في اعتقادي كقارئ)، وهي ثنائية: المقدس والمدنس، التقليد والحداثة ثم الدين والسياسة.. وباستحضاره، الضمني والصريح، المعلن والخفي، لهذه الثنائيات يكون الكاتب “أمجد مجدوب رشيد” قد انخرط في “تحليل” لمسألة السلطة، والصراع على السلطة، لكن في قالب روائي لا يخلو من جمالية…

ما شدني أكثر وأنا أقرأ هذا العمل الإبداعي الكبير هي الطريقة التي جعلني بها الكاتب أحيا في نفس القالب تجربة عالمين مختلفين. لحظات عديدة قد يتخيل القارئ نفسه داخل ردهات وسراديب زوايا القرن 16 أو17، لا يستفيق من حلمه ذاك إلا حين تسقط عيناه على ما يشير عليه بأنه قد ولج القرن 21 (هاتف نقال، سيارة فارهة، قنوات إعلامية، أجهزة تنصت، صحف…)، وكأن الكاتب يحقق حلم السفر عبر الزمن..

هذا ما جعل من الإيقاع الزمني لرواية “قمر” إيقاعا منكسرا، يعكس في الواقع صراعا ما بين زمنيين: زمن التقليد وزمن الحداثة، وما هذا الصراع سوى تجلي لما سماه الانتروبولوجي المغربي “عبد الله حمودي” (في كتابه “الشيخ والمريد”) باختراق خطاطة الشيخ والمريد لذهنيتنا، مما جعل حداثتنا دوما حداثة موءودة…

إن الرواية في عمقها إعلان عن فشلنا: سياسيا واقتصاديا وثقافيا…وما يعكس ذلك هو هذا الترحال الذي يستشعره القارئ وهو يتابع خيوط الراوي ما بين ماض-حاضر، وحاضر-معتل. ما يعكس ذلك أيضا هو أن الرواية انتهت، نهاية سعيدة مؤسفة ! لكونها أبقت على الثنائيات حية، وفاعلة، وكأن “أمجد مجدوب رشيد” يقول لنا لازال الطريق شاقا وطويلا…لازالت خطاطة الشيخ والمريد، المقدس والمدنس هي ما يحدد أفاق الفعل، والتفكير والشعور… لذا لن أتردد في القول بأن “أمجد مجدوب رشيد” نجح روائيا في بيان أومن به، وهو أننا لا نعيش حداثة، بل نعيش مظاهر تحديث…

خنيفرة بتاريخ 05-08-2021

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 (°) باحث في فلسفة العلوم، من أعماله ترجمة لكتاب “رحلة قصيرة في عالم الكوانتا” لإتيان كلاين
(°°) رواية صادرة في 192 صفحة عن المركز المغربي للاستثمار الثقافي (مساق)
(°°°) روائي، شاعر وناقد مغربي، من أعماله: الأنساق السيميائية والتخييل، النص الشعري بهجة القراءة والتداول، فاس وأخواتها في الشعر العربي الحديث، السرد ومرايا الذاكرة، نايات العشق، أقواس الرؤيا، رعشة، أقنعة، نسمات…   

 

error: