البؤس الجديد .. بؤس شديد

من الأسئلة الملحة التي أصبحت لا تغادر ذهني أبدا في ما يتعلق بالتنمية البشرية ومستقبل الإنسان في هذا البلد الآمن الأمين، هناك سؤال يحيرني يوما بعد يوم : أين فقدنا الطريق ولماذا تهنا عنه، وماذا يجب أن نفعل هنا والآن لنهتدي إليه من جديد ؟

فالبؤس المادي، أي الفقر بجميع أشكاله وألوانه وتمظهراته، لم يخفني يوما ولم يزعزع أبدا ثقتي في مستقبل وطني ومصير بناته وأبنائه كلهم بدون استثناء، وذلك رغم انعكاساته  السلبية على حاضر الفئات الاجتماعية التي تعاني في صمت وجلد من آثاره الوخيمة والتي تستحق، بفعل ذلك، كل تضامننا وتلاحمنا وتآزرنا.

فيما يتعلق بهذا النوع من الفقر، أعتقد جازما أنه إن توفرت الإرادة السياسية الحقيقية والحكامة الرشيدة المستنيرة، وإن تضافرت جهود القوى الحية في المجتمع المدني بتنسيق مندمج مع مؤسسات الدولة وهياكلها المركزية والجهوية والمحلية لأمكن، بالفعل وليس بالشعارات الجوفاء، التقليل من ظاهرة الحاجة والفقر والفاقة، ولربما القضاء عليها تماما بطريقة تدريجية.

نعلم جميعا أن محاربة الفقر و”هزمه” لن يتأتيان لنا أيضا إلا بالعمل الدؤوب المخلص المتفاني على إعادة توزيع الخيرات المادية بطريقة أكثر عدلا وإنصافا وإحسانا، مع السهر على إبعاد المفسدين والوصوليين والانتهازيين وتجار البؤس عن هذه العملية المصيرية بالنسبة لحاضر ومستقبل بنات وأبناء فئات كثيرة من مجتمعنا.

ما يخيفني، عكس ما سبق، هو في الحقيقة بؤس من نوع آخر وخطر من نوع مغاير، ألا وهو خطر البؤس الفكري والمعنوي والروحي الذي يتربص ببلدنا نتيجة انهيار المنظومة التربوية والتعليمية العمومية منذ عقود متعددة؛ وتلك هي الطامة الكبرى التي يصعب علاجها أو التخلص من عواقبها على مستقبل هذه الأمة برمتها.

من تجليات هذا النوع الخطير من البؤس الذي يحيرني ويؤلمني في نفس الآن هو بروز نخب جديدة “متعلمة” تمتلك في الظاهر كل الأدوات التقنية والشكلية والإجرائية للتفكير والتمحيص والتحليل والتركيب والتدبر والتدبير، ولكنها ساعة الفعل يتبين بالفعل أنها “خاوية على عروشها” لا تستطيع التفكير والتجرد والتجريد وإعمال العقل والإرادة لرصد الواقع وإدراكه وفهم مستوياته وطبقاته وأبعاده المتعددة، من أجل التفاعل معه كما هو بعقلانية وحكمة، وإن اقتضى الحال أو استوجبت المصلحة العامة ذلك، تجاوزه وتغييره.

عمليا، السؤال الأساسي في ما يتعلق بهذه الظاهرة المعقدة هو كيفية تدبير هذه المرحلة البينية بحكمة ورزانة… ونجاعة أيضا. أعتقد أن الأمر  يستوجب اهتماما خاصا واستثمارا كبيرا في التكوين وإعادة التكوين والتكوين المستمر لهذه النخب الجديدة لتأهيلها للعب الأدوار المهنية والمجتمعية المنتظرة منها، مع تثمين كفاياتها ومعارفها وملكاتها.

وبالموازاة مع ذلك، أرى أنه من الضروري واللازم والمستعجل أيضا الاهتمام الحقيقي والمستمر بالتأطير الذهني والنفسي لهذه الفئة من الشباب التي هي في حاجة ماسة لوعي جديد متجدد بمكامن قوتها وضعفها وبحساسية المسؤولية الملقاة على عاتقها لبناء مغرب الغد، الذي نريده جميعا مغربا قويا متعددا متجانسا متراصا متضامنا متعاضدا منفتحا…وواثقا تمام الثقة من نفسه ومن قدرات ووطنية بناته وأبنائه.

شكيب تازي مصانو

استاذ جامعي – فاس

error: