“روتيني اليومي” بين القيم الأسرية وتسليع جسد المرأة

  • مصطفى باعلي (°)

إن أي ترسيخ لقيم مجتمعية، في أمة ما، يتطلب مسوغات قانونية وثقافية قد تستدعي عقودا من الزمن، وربما قرونا لتصبح سلوكا عاما متداولا يؤسس الصرح الأخلاقي القيمي للمجتمع. لكن الإجهاز على هذا البناء قد لا يستدعي زمنا مماثلا، بل ومن الوارد جدا ألا يتجاوز شهورا أو أسابيع معدودة. ذلك أن زمن التشييد والبناء يكون خاضعا لعامل التمدد، في حين أن زمن الهدم والتقويض يكون خاضعا لعامل التقلص.

من خلال هذه المنطلقات، واستحضارا لطبيعة المجتمع المغربي، المتأرجحة بين الحداثة والمحافظة، يمكننا مقاربة بعض الظواهر التي أصبحت تحتل مساحات لا يمكن الاستهانة بها في حيز القيم الأخلاقية للمجتمع المغربي، وقد تجتذبه إلى مستنقع الأخلاق المتلاشية والموغلة في براثين الإتجار بالجسد والقيم، ومن ذلك أساسا ما بات يعرف في قاموس منصات التواصل الاجتماعي، اليوتوب خاصة، ب “روتيني اليومي” .

لقد أصبح “روتيني اليومي” يساهم بشكل مؤثر في انزياح أخلاق المجتمع، موظفا في ذلك خطاب الجسد الداعر، عبر إنتاج صور بورنوغرافية مقنعة وغير مباشرة، تكثف معاني بإيحاءات جسدية إباحية يتم فيها التبئير بواسطة الكاميرا على مواضع محددة يُتعمد حمل الجسد على القيام بها من خلال تموضعاته الشبقية الباحثة عن تمثلات جنسية في مخيال المتلقي.

وسواءً توفرت الصفة القصدية لدى بطلات هذه الفيديوهات أم لا في استلهام الإثارة الجنسية عند المتلقي، فإن محتواها الشبقي، تؤثثه طبيعة الملابس المستعملة فيها، والتي تتيح الاطلاع على المفاتن والمؤهلات الجسدية لبطلات هذه الفيديوهات، ذلك أنهن يتعمدن ارتداء ملابس يبدين فيها شبه عاريات، بالإضافة إلى قيامهن بحركات ذات إيحاءات شبقية.

وفي بعض الأحيان يتم تعزيز الفيديوهات بأصوات تكثف المغزى الإباحي، قصد جني أكبر عدد من المشاهدات/ اللايكات والإشتراكات، غير مباليات بما قد يحدثه ذلك من عنف رمزي/معنوي يستهدف النيل من أخلاق الأسرة، وبالتالي المجتمع، الشيء الذي تكرسه طبيعة أماكن التصوير التي تتلخص في بيوت النوم والمطابخ، وهي أماكن تبعث على الطابع العمراني لحميمية المرأة كما أن سماع أصوات الأطفال في تلك الفيديوهات يعطي المتلقي إحساسا بكونه أمام مشاهد من منازل بكامل مكونات الأسرة الحقيقية في حياتها الطبيعية.

والخطير في الأمر أن هذه الفيديوهات تعطي الانطباع بأن الأسر المغربية في عمومها لا تجد حرجا في إشراك الآخر في حميميتها، رغم تسليعها لجسد ربة البيت، ففي الوقت الذي راكمت فيه البلد ترسانة من القوانين التي ترمي إلى تحصين المرأة وكرامتها، تخرج علينا بعض “مسترزقات العهر المقنع” بروتينهن اليومي المفلس أخلاقيا، والذي قد يعطي الانطباع بالتسويق للسياحة الجنسية والتشويش على الاستثمارات السياحية الضخمة، التي ما انفك الوطن يراهن عليها لبلوغ رقم عشرة مليون سائح في السنة، قصد تزويد فرص الشغل في هذا القطاع.

والكارثة العظمى أن هذا الانجراف الأخلاقي يقع بتواطؤ مع الزوج/ المصور المفترض. مما قد يجعل البعض يعتقد أن هذه الفيديوهات تشكل انعكاسا للوضع الطبيعي لغالبية الأسر المغربية، وهو الأمر الذي قد يسيء لطبيعتها المحافظة، ويصورها كأسر مستعدة للإتجار بجسد نسائها وتشييئه إلى حدود التبخيس مقابل ربح مادي يتم استخلاصه من عائدات عدد المشاهدات و”اللايكات” التي يحصدها الفيديو.

وكما لا يخفى على أحد، فبقدر ما يكون محتوى الفيديو طاعن في الميوعة والإباحية بقدر ما تكون “لايكاته” مرتفعة وطامحة لتحقيق “الطوندونس” أو “البوز”، وبالتالي ارتفاع الدخل المادي، لهذه الاعتبارات نجد على أن النساء، بطلات روتيني اليومي، مستعدات للذهاب بعيدا في الإفصاح عن مؤهلات ومفاتن أجسادهن، حتى وإن تطلب ذلك استعباد المال للأخلاق، وترويضها عبر الصور المستهكلة في فيديوهات “روتيني اليومي”، وتعريض المنظومة الأخلاقية للمجتمع للتلاشي والتلف.

وقد لاحظنا عدة تمظهرات لهذا النوع من السلوكات التي تستهدف المجتمع في صرحه الأخلاقي، فحينما يطل علينا بعض الأشخاص عبر فيديوهات للتعبير عن ميولاتهم الجنسية المتمحورة، ويعبرون عن افتخارهم بذلك، وحينما يتباهى شبابنا بحملهم للأسلحة البيضاء/ كاطورزا وترويعهم للمارة معتبرين ذلك فعلا رجوليا ..و..و.. نظن أننا أمام ظواهر اجتماعية تستدعي منا وقفة تأملية، لطالما أن مبدأ التحرر أصبح لدى شريحة مهمة من المجتمع يأخذ أبعادا سلبية ومؤدية للمجتمع.

هناك من سيعتبر “الجسد ملكية خاصة”، وتحريره من أي التزام أخلاقي أو قيمة معيارية، كيف ما كانت مرجعياتها، حرية شخصية تحيلنا على مبدأ الفردانية. الأمر الذي نستطيع أن نجد فيه تناصا أو تماهيا مع تحرير بعض القطاعات الاقتصادية، بحيث يصبح المنطق التجاري السائد هو المحدد لمآلات الجسد كسلعة، يمكن أن تحقق أرباحا مادية إذا تمردت على المعطى الأخلاقي، وهو ما تجسده بشكل صارخ فيديوهات “روتيني اليومي”.

ــــــــــــــــــــــــ

(°) فاعل مدني

error: