محكيات: أنواتي…. – للقاص لحسن جريلي

  • لحسن جريلي (°)
حتى الآن أجدني مستعص على فهمي.. فمرة أنا لست أنا..! بل واحد آخر غيري.. يستبيحني ..يضاجعني ..يغتصب كل عذرياتي .. ويمكث في دواخلي زمنا.. حتى اذا استفاق وغادرني، تركني اتصبب عرقا، خجلا من نفسي أو منهكا لها .. وأعجب كيف لم أستطع التخلص من طيف هذا المجون الغجري المعسول …!!؟؟؟ كيف تركت نفسي لنفسي تفعل بها فعلتها تلك …!!؟؟؟، وما بالي كنت مستسلما مستلقيا منتشيا بنار جهنمها تلظى جسدي..!! وأناشدها، عجبا!!!  هل من مزيد..!! بل أطالبها بألا تغيب..!؟؟”..
قال هذا الكلام، بينما كان جالسا القرفصاء، فوق صخرة كبيرة تطل على “أگلمام أزگزا”، البحيرة السياحية العالمية، واسطة عقد جبال الأطلس المتوسط الشامخة..، عرجنا إليها من جهة الشرق، بعد مرورنا على عين اللوح تلك المدينة الساحرة، الداخل إليها غير الخارج منها.. ثم ويوان ضاية العشق المقدس، وعيون أم الربيع فيها تجري الأنهار خالدة رقراقة..!! سحر الطبيعة بهذه الأماكن يغري بالانتشاء والتفسخ .. !! كانت في يده قنينة جعة … وقد احتسى نصفها ..
سنوسي رحال اسمه، الفلسفة وعلوم النفس شغفه وقراءاته ..السفر والترحال لوعته .. وسيم أحرقت سحنته مفاعيل النبيذ والجعة والسيجارة التي لا تفارق أنامله إلا الى شفتيه .. ‏ما يدهشني فيه أنه مدمن مزاجي .. فقد يهجر كل هذا مرة واحدة، ولا يعود إليها، إلا لنشوة في زمن اللاشيء … !! لكنه يحتفظ بجسد قوي وسليم، لحبه الكبير ممارسة الرياضة الجبلية، التفت إلي بعد رجوعه من السماء بنظرة مستفسرة خارسة .. فَطِنتُ إليها، وبادلته نظرة متأملة صامتة، متظاهرا، بخبث، باهتمامي وفهمي لما كان يقول .. مما شجعه على الاسترسال في الكلام..
ومرة أخرى أجدني أنا لست أنا !! بل آخر ثاني غيري.. يستدرجني في صحوة مني، ويلقي بي في المقرات.. وعلى المنابر، وسط الحشود ..موزعا مناشير النضال والتعبئة ..في الجبال والهضاب والسهول ..في المدن والقرى، لا أكل ولا أمل .. أهيم في شوارع العاصمة صارخا غاضبا شاهرا لافتات كتبت عليها ..الكرامة أولا ..! العدالة الاجتماعية ..!! الحرية ..! أرفع شارة النصر ..للمناضلات والمناضلين تحية.. وأرفع شارة الزيرو ..للحكام هذية ..!! وإذا عطشت وخارت قواي، أشرب ماء روحيا في حوانيت جانبية ..حوانيت تجيد فن الاستقطاب بدون دعاية ولا استعطاف ..!
فاسترخي.. واغني للقضية.. حتى اذا اشعرني النادل بفراغ فنجان قهوتي طالبت المزيد ..!!وطالبت :التصعيد..!! التصعيد ..!! هذا صوت القواعد ..القواعد المنسية .. !! قاطعته متعمدا اصغائي إياه بل ومستوعبا لما قاله، سائلا: ولكن لماذا تستغفل نفسك وفي صحوة منك هكذا..؟ أليس هذا تناقض صريح !!؟؟ سكت قليلا وتململ في مكانه كأنما يعيد السؤال على نفسه، ورد قائلا: لقد سألتُني هذا السؤال مرات ومرات!! حاولت أن أجعلني أرسو على أرض ثابتة، اختارها وأجد فيها مستقري، فكانت كل الأراضي وكل الاختيارات تلبسني وتكسوني بل وتسكنني.. حتى اذا داخت بي الدنيا.. أو دوخت الدنيا من أمري ..تركتُني هكذا مبهما مع نفسي، فربما احتجت احدُني لِليلة ظلماء او لنهار بالألوان ..!!!
 2
استأنست منه رغبة في إفراغ ما في جعبته و تركته يسترسل في الكلام، استوى على الصخرة واحتسى ما تبقى في جعته وقال مبتسما : أتدري أخي حسن أني يوما سألت أحد أنواتي عندما وجدته يربط على عنقه ربطة، ويتهندم ويتعطر متأبطا كتابا، ومسافرا إلى ربوع أخرى، محاضرا مناقشا في ندوات فكرية.. حائزا على شهادات.. اعترافات.. تقديرات ..يصفق الناس له كثيرا حبا وتوددا …سألته، لعلك أنت من أكون !!؟، تصور أنه لم ينبس بكلمة، بل سقطت من عينيه دموع بمدرار وبدأ يرتجف كأنه صرع من خوف أو برد أو خرف …
وفهمت منه أنه أسف ،اسف أنه هو أيضا لم يعرف ما اذا كُنتُه أم أحدا غيري ..طلبت منه، وهو الأنا المتنور، أن يساعدني على اكتشافي ،فقد يستدعي لذلك ديكارت وفرويد وغيرهما ..لكنه لم يستطع وكأن لسان حاله يقول بغمغمة غير مفهومة “وما يدريني ربما كنت ذات يوم اناك “ياه !!! قال هذا الكلام بنبرة حزينة، بصوت مخنوق.. حتى أنه التفت عني ليخفي تأثره بهذا المشهد السريالي الذي تتراقص فيه على إيقاعات درامية حزينة و جميلة ، أنواته برشاقة على حبال تجد كلها روابطا إلى مكنوناته.. استشعرته في حيرة وجودية، دفعته إلى مزيد من الشرب والتدخين..,
ووددت أن أغير الموضوع وألطف الأجواء فباغته بالسؤال : وماذا عن النساء في كل هذا ..؟؟، انتزعت منه ابتسامة عاثرة استدركها بقهقهة مدوية تداعت لها الجبال المحيطة .. ثم قال، والحيرة تعلو محياه، وعيناه جاحظتان بفرط غوصه الفكري في اشكالية موضوع النساء، والذي لم أكن أنوي أنه سيستفيض فيه كل هذا وأنه موضوع محوري في حياته..
 وجدت نفسي مرة بين نساء العالم ..أضاهي الملوك في تعدادهن ..أرغب فيهن جميعا، لا أبارح حضن الواحدة منهن حتى أرتمي في حضن الاخرى ..اتسع قلبي لهن ..وفَحُلت قواي ..وكنت لهن الفارس وكنّ لي الحور العين ..أُمِرنَ أن تكنّ بي رحيمات ..حاضنات ..طائعات ..ساكنات ..عاطفات ..حنينات ..شبقيات ..!! _هههههه (ضحكت) لابد أن اسمك كان زيرا ..!! ‏_ لواه زير بن عطية ..هههه (يضحك) ثم أكمل يقول: فعلا كنت زير النساء، كما يقولون، وكنت أشعر أنه لو رغبت في كل نساء العالم، لأحببتهن جميعا ..!!!
ولما رجعت لأناي تلك أسائلها عن السر في ذلك؛ وجدتها تبرر لي الأمر بأن للمرأة سحر لا يقاوم ..! جاذبية تُنهِمُك بلاشبع ..! فقد تسوقك إلى البحر وتعود بك غير مبلل ” كما يقال في المثال المأثور.. ‏ ظللت على ذاك الحال طويلا حتى جاء أمر من السماء، فأوحى لمرأة: اُسْكنيه ..!! ولما سَكنْتُ إليها ، نفختْ فيَ من روحها، ودبت الحياة بين ضلوعي، وأدركت أني كنت قبلها من الغافلين ..الجاهلين..!! ‏أشعل سيجارته الثانية والثالثة والرابعة ..وشرب دخانها بعمق واستأنف الكلام والدخان يملأ خياشمه وفمه…
فخرج صوته متحشرجا مبحوحا، وبدأ مداخلته الفلسفية: إني كثيرا ما أمثل المرأة بالوردة، في ألقها وعذوبتها ونضارتها ورمزيتها للجمال والحب والتضحية (فالوردة عندما تتفتح لتسعد الآخر فهي تضحي لتدخل عليك البهجة، لأنها بعدها ستموت لتعبر بذلك على أن الحياة جميلة وليس هناك وقت للكراهية..)، وكلما حاولنا نحن بني البشر، بأنانيتنا أن نقطفها ونتملكها، تذبل وتموت فنفقد بالتالي أحد أهم معاني الحياة وسر وجودها، وهو الحب والجمال والطيبة …!!
كذلك المرأة.. فجمالها وألقها وعطاؤها وقوتها في أن نحبها حبنا للحياة، بدون ان نسعى لتملكها والاستقواء عليها ..لأننا بفعلنا ذلك نقتل الحياة فيها وفينا ،وبالتالي ندمر أنفسنا من حيث لا ندري .. ‏- لعلك إلى المبالغة في هذا الموضوع أنت أقرب..!! قاطعته، ‏- أبدا، ثق بي اذا قلت لك،أخي حسن، أن تخلفنا، نحن الثالثيين، ناتج عن كوننا لم نعط المرأة ماتستحقه من مكانة اعتبارية، في الحق والوعي والتربية والحب الحقيقي ..بل ظلت منذ زمن بعيد موضوع استبداد وقهر واضطهاد وتنكيل وحگرة واغتصاب وازدراء وتشييء على مر العصور ..
3
قال هذا الكلام وتاه بين أشجار الغابة، ينشد نفسا وهواء يجدد به ما تلوث بداخله جراء خليط المآسي والدخان و…!! مشيت خلفه ..وفي نفسي وسوسة شيطاني الفضولي، تهمس لي باستفزازه بمزيد من الأسئلة حتى يتكلم أكثر، فبادرته بالسؤال : ما الذي يحملك على قول هذا..؟ ألا تخاف من التأويل !!!؟ _ هههه (يضحك) التأويل ..!!؟؟ لا والله فالتأويل فينا ومنا تليد ..فنحن أمة التأويل منذ أن كنا وأمة ضحكت من فرط تأويلاتها الأمم ..!!!! فإذا كنت تعني أن الآخر سيقول عني سكيزوفرين (اعاني من انفصام في الشخصية) أو متعدد الشخصيات أو حتى منافق (سامحه الله)..فلم يقل شيئا غريبا عنا وفينا.. فنحن كذلك ..
إلا ان هناك من يدرك ذلك فيه، وهذا ما أسعى إليه، ويحاول أن يكون إيجابيا، حتى وهو متعدد الشخصية ..أو باختصار يعيش ويعايش شخصيته في كل أبعادها، ويعتبر ذلك غنى وليس ضعفا ..وهناك من يجهل حتى أن له صوتا داخليا يكلمه وينبهه، بل قد يكون هذا الصوت حاملا لحقيقته، لكنه كثيرا ما يخنقه ويتجاهله، راكبا التي تغازله من الوسوسات وتُركبه على قصبة لتوهمه أنه راكب حصانا .. فما العيب في أن أبحث عن نفسي لأتعرف عليها واحملها على مايزنها ، وأعطيها حق قدرها…. !!؟؟؟ ثم لماذا اجعلني مسؤولا عن سوء فهم الآخر لي ..؟؟..
يكفي اني أصرح بأعطابي ومايعتريني من ضعف، حتى في فهمي لنفسي ..!! يكفي أني أعطيت الحق للآخر أن يحسبني كما يراه مناسبا، لإرضاء تهيؤاته ، ولم أعترض ..! يكفي أن أسمح له حتى بتفسير صمتي أوعلني..! أن يصدقني أو يكذبني ..أن يحبني أو يكرهني ..يكفي أني استحمل بعضا من سخافاته او بعض مجاملاته..!! وهذا فعلا ما يعجبني في نفسي.. ولعل أناي هي كل هذا التعدد ..!!وإذا كان كذلك، فمرحبا بي بين أنواتي، فقد أحببتني في كلياتي ولا أستطيع التخلي عن أي واحد مني، لأن كل أنواتي لهم جدور في أعماقي.. يتكاملون وينسجون ويطرزون لي في تكاملهم ذاك شخصية أجدها جميلة …!!!
تنفس الصعداء وأحسست به منتشيا كما لم يكن من قبل، يخفي فرحة كادت عيناه تنطق بها تلألؤا وتعسلا ..وطفق يغني : …واورهبيلخ شا ميدنا تصانين ..غاس بضاضنش ايسمون ايديگي (لست أحمقا أيها الضاحكين المستهزئين ..إنما هو مس من صبابة الحبيب ..) هو مقطع من أغنية أمازيغية صدحت بها حنجرته بدفء و…احتضنته الجبال والغابات المحيطة به بصدى متراقص رخيم ..وكأني به ينتشي باللحظة .. شاركته ترنيمته بروح عاشقة، زادته حماسا ونشوة للمضي في الغناء وتعداد الأبيات الشعرية المتناغمة وسياق الموضوع …. ‏
هدأ هنيهة ونظر الي بثقة وثبات، رافعا سبابة يده اليمنى، كمن يريد ترتيل الشهادة وقال: من الآن فصاعدا سأهتم بكل أنواتي ولن استعيض من أي واحد منها بل سأجد نفسي فيها جميعا، فرادى و مجتمعين … قد يدفعني أحدهم الى التبرم منه، عندما ينزع نزوعا سلبيا ..!! لكن اذا وقع و جعلت من ذاك النزوع السلبي ما به يقيني من سلبية الآخرين فقد يتحول الى قيمة إيجابية و يتحول بالتالي إلى قوة مستضافة تسعد أكثر مما تقلق؛ فالحياة، يا أخي حسن، أوسع من أن نعيشها ببعد واحد ..وأقصر من أن نعيشها في صراع مجاني مع الآخر..!!! زماني ألبسني جلبابا على مقاسي….
(°) فاعل تربوي وناشط مدني
error: