تحقيق البطولة في “يوميات معلم في الأرياف” للسعيد الدريوش

  • رشيد أمديون (*)
تقديم
 تعد كتابة اليوميات مغامرة، لأن نسج محكي ذاتي في نص يعتمد على السرد لتقديم الذات يحتاج إلى الشجاعة لتقول الذات أشياءها وتتعرى لتكشف عن بعض الخصوصيات. ولو اعتمدنا منطق الجاحظ أن القارئ عدو الكاتب: “و ينبغي لمن كتب كتابا أن لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء”، فإن الأمر يصير محل ريبة، فيما يعني أن الكاتب يرتاب من القارئ قبل أن يغامر بصياغة يومياته ويبوح بأسراره، لأن الكلام والكتابة، كما يقول كيليطو، مرتبطان بانزعاج قد يبلغ حد الخوف والذعر.
بيد أني أعتقد  أن وعي الكاتب بقيمة ما يقدم هو الدافع الأقوى إلى نشر اليوميات، حتى لو افترضنا أنه  فكر أول الأمر أن يدونها ويحتفظ بها لنفسه، فإنه ولاشك  في مرحلة ما سيخرجها بدافع كشف الذات التي تريد أن تعبر عن عالم عاشته وعن تجربة تستحق أن يطلع عليها الآخرون. إن الذات ترى دائما أنها لم توضع في مكانها الذي تستحقه أو في وضع لا يتلاءم مع تصوراتها، لهذا تكتب محكيا يفضح ويعري أشياء كثيرة تساهم فيها أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية، فينحى المحكي منحا تمثيليا للوقائع والمواقف دون أن يخرج عن سياق الوضع العام للحقبة أو للزمن الذي يكتب عنه أو فيه الكاتب يومياته.
من هذا المنطلق تتناول هذه القراءة “يوميات معلم في الأرياف” ، للسعيد الدريوش، وقد صدر هذا الكتاب عام 2017 عن المطبعة السريعة بالقنيطرة. ويقدم (في 112 صفحة) صورة واضحة ونموذجا لواقع رجل تعليم عين بإحدى الفرعيات بمنطقة جبلية بالشمال (معروفة بزراعة الكيف). اصطدم الشاب بعالم منعزل أشعره بوجوده في سجن كبير، يقول: “تأملت المكان، وأيقنت أني غريب في وطني، سحين في حريتي، مدرسة بواد غير ذي زرع ولا ضرع، تطل على مقبرة نسجت قبورها صدرا يريد أن يحضنني، الدوار هناك على بعد كيلومترين من المدرسة، أنا والأموات فقط هنا، تركني وطني وحيدا مع الأشباح” (ص7) .
إن الصدمة التي تلقاه كانت أكبر من تصوره، لأن المكان، حيث توجد الفرعية التي سيدرِّس فيها، لا يوحي إليه إلا بالموت، فإما أن يحيي الموات بالتعليم أو أن يستسلم للموت (اليأس). ويتجلى في هذا، صراع من أجل تحقيق البقاء والبطولة، وهو ما يحتاج إلى فاعل.
  1. الفاعل والبطولة
نلاحظ- بداية- أن هذه اليوميات تتقاطع على مستوى العنوان مع رواية توفيق الحكيم” يوميات نائب في الأرياف”، ورغم اختلاف الجنسيين الأدبيين، إلا أن المشترك هو التجربة الذاتية والإنسانية، فكما أن تجربة توفيق الحكيم كانت تجربة (فاعل) في وسط ريفي بمصر حيث مثَّل السلطة، فإن السعيد الدريوش في يومياته بوسط مغربي جبلي يخوض صراعا مع الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وهو صراع لأجل النجاة من واقع هزيل يقاوم فيه قسوة الطبيعة (برد قارس، أمطار، جبال عازلة..) وقسوة ووحشية الإنسان والحيوان والحشرات.. وسلطة المدير الذي ينعته بملتهم المطعم المدرسي والذي كان سببا في تأخر ترقيته..
يقول عن المكان : ” يوم واحد في الفرعية كألف سنة مما تعدون”. إن خوض الصراع من أجل النجاة يتجلى في تحقيق بطولة تخلع عنه صفة المفعول، ويقاوم كي يكون فاعلا (معلما). وإذا كان توفيق الحكيم في روايته نائبا يمثل دورا وظيفيا مؤثرا، فكذلك الكاتب السعيد الدريوش، هو معلم يؤدي واجبه في ظروف غير مناسبة لا يد له فيها. وأدى به ذلك إلى تجاوز دور المعلم إلى أدوار أخرى، كدور الفقيه، ثم مجتهد في المذهب (كما يقول) إلى درجة المجتهد المطلق، يقول: “من غرائب ما أنتجت جواز صلاة التراويح خلف المذياع لأن إمام المسجد كان يزرع الحشيش ويجمع محصوله وراء المحراب، لهذا تختلط عليه الآيات..” (ص20).
وتجاوز دور المعلم أيضا إلى أدوار أخرى تمكنه من أن يبقى على قيد الحياة وأن يلبي متطلباته الضرورية، يقول: “فبالإضافة إلى ضبط التخصص التربوي والبيداغوجيا والديداكتيك، يتحتم على المعلم في الأدغال والبراري أن يكون ماهرا ومتخصصا في ركوب الدواب، وحلب البقر والماعز، وسقي الماء من العيون والآبار” (ص48).
ولكي يكون فاعلا أيضا فهو تجاوز دوره الوظيفي للأدوار أخرى حرفية وغيرها، يقول: “لكي تكون معلما ناجحا في الأدغال وفي جزر القنب الهندي والحشيش الطازج اللذيذ، ينبغي أن تكون ماهرا في كل شيء، موسوعيا باهرا، وحرفيا متخصصا في شتى أنواع الفنون. عليك أن تكون نجارا لإصلاح الطاولات والسبورة، وبناء لترميم ثقوب القسم وشقوقه والحفر الضخمة المنتشرة كالفطر داخل السكنيات المدرسية، وفقيها مقاصديا تؤم المصلين الذين لا يتعدون الأربعة في مسجد الدوار (..) وعليك أيضا أن تكون جزارا صلبا تنحر الدجاج والماعز والغنم وبيبي حبيبي لكل امرأة تأتي إلى المدرسة، حتى أصبح القسم الآيل للسقوط، والذي لم ترد النيابة ترميمه رغم العديد من المراسلات والشكايات التي توصلت بها من المعلمين السابقين والحاليين، الأموات والأحياء، مكانا جيدا للذبح السري”(ص42).
ويحاول الكاتب هنا السخرية من الوضع، ويعتبر المسؤولين و السياسيين هم السبب فيه. ففي موضع آخر يقول: ” أليس في المسؤولين رجل رشيد؟ “(ص47). وحيث أن المعلم في عزلته بمكان الفرعية (التي أسماها فرعيانتامو على وزن غوانتانامو) مكلف بتدريس قسم مشترك فيه مستويات مختلفة : الثالث والرابع والخامس والسادس، ويدرس المادتين معا العربية والفرنسية، فإن هذا الوضع المزري أنتج لديه استياء من الواقع والظروف، مما أجبره على إعادة النظر في التكوين الذي تلقاه في مركز المعلمين، لأن إنزال ما تعلمه على وسط طاله الإقصاء والتهميش يعد هراء، يقول مثلا: ” وبدأنا نتساءل عن مغزى التنشيط  قرب الحمار زعيريط الذي لا يحلو لصاحبه احميدو اعتقاله إلا في ساحة المدرسة، قائلا: أستاذ سعيد، راقب هذا الحمار جزاك الله خيرا، واحذر أن يغادر ساحة المدرسة” (ص25).
إن الكاتب في كثير من يومياته لا يكتفي بسرد ما وقع له بل ينقل إلينا أيضا تداعياته النفسية وما كان يفكر فيه هو وزملاؤه، ومن خلال ذلك يستطيع القارئ أن يستشعر نفسية الكاتب ومواقفه الواضحة بل يعبر عنها بأسلوب ساخر، لهذا نقرأ أنه إضافة إلى رأيه في صعوبة إنزال ما تعلمه، خلال التكوين بالمركز، على الواقع ينتقد أيضا سياسة الوزارة التي تلزم المعلم بارتداء وزرة بيضاء في ظروف غير مؤهلة لممارسة التدريس: “بدأنا نتساءل عن الوزرة البيضاء التي أمرنا بارتدائها في غياب المراحيض، حتى إذا بلغت الحلقوم فإنك تهرول كالمهر بوزرتك صوب أقرب شجرة (…) بدأنا نشعر بمهزلة الوثائق التربوية البعيدة كل البعد عن واقع يفتقر إلى كل شيء، فكرنا أيضا في سيارات النقل السري والشاحنات التي تقل المعلمين إلى فرعياتهم عوض سيارات تحفظ كرامتهم وتقدر رسالتهم الملائكية”(ص25).
يعتبر الكاتب التفكير حقا مشروعا، فمن حقه أن يفكر في أوضاعه، ليؤكد وجوده، وليظل محافظا على وعيه، خاصة في تلك الظروف التي يسهل فيها الانجراف نحو مطب الإدمان (لوفرة سبل الحصول على الحشيش) حتى يفقد عقله، فقد قال عن بعض المعلمين: “ومنهم من طار له العصفور في جزر الواقواق من فرط تدخينه للماريخوانا والشقوفة” (ص57)، إذن هو يحتمي بالتفكير كعلامة على الوجود، “نحن نفكر إذن نحن موجوجون”(ص25).
إن تحقيق البطولة هو ما ساق السعيد الدريوش إلى التفكير والتعقل وعدم الاستسلام رغم كل الظروف السيئة، وحاول أن يؤدي دوره، إلا أنه تجاوز دور المعلم إلى أدوار أخرى حتى لا يقع في موضع من مواضع الإعراب مفعولا به، لهذا نجده مطالبا من طرف السلطة بالإشراف على عملية الاقتراع الانتخابي بالدوار، ولم يرفض، لإيمانه بواجب صنع التغيير في المجتمع بأبسط ما لديه من وسائل وإمكانيات. ورغم صعوبة المسؤولية، خاصة في واقع مشحون بالعنف، إلا أنه حاول أن تمر العملية الانتخابية في ظروف نزيهة كاد أن يكون ضحية لما يعقبها من معارك عنيفة بين أنصار المرشحين.
ثم إن تحقيق البطولة والانتصار على الواقع هو ما دفعه إلى التفكير في متابعة دراسته الجامعية ومداعبة القرطاس والقلم (كما يقول بدل) ” الكارطا والبارشي والدكوك” فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا. ويعد ذلك شكلا من أشكال التمسك بحبل النجاة لتحقق الذات مطالبها المشروعة. وبعد اثنتي عشرة سنة غادر الفرعية إلى وزان ليدرس بإحدى ثانوياتها بعد نجاحه في مباراة تغيير الإطار.
لقد عبر الكاتب بإحساس بليغ عن لحظات وداعه للفرعية؛ احساس رغم ما يضمره من سعادة بتحسين وضعيته المهنية فيه أيضا حسرة وحنين لأن الإنسان، مهما كانت الظروف التي يعيش فيها، يكوّن علاقات وروابط مع المحيط حوله، فهو لم ينتقل إلا بعد أن ترك بعضا منه بتلك الأرض، زهرة شبابه التي “امتص نحل الحرية رحيقها وعبق مسكها” (ص106). والأرض أيضا تصير جزءا من الإنسان حين يشرب من مائها ويأكل من خبزها، ويخالط إنسها وجنها وحيواناتها وحشراتها، لهذا يقول: “اثنتا عشرة سنة من استنشاق رائحة الأرض المبللة بأولى قطرات المطر المتكاسلة، سنين عجاف من ملامسة خبز خشن، ببقايا الرماد المتناثر على جنباته كعيون تخفي أسرارا لن تبوح بها إلا في الوقت المناسب، كنت كسمكة تتلوى خارج بركة ماء، أو فرس جامح استعصى عن الترويض” (ص106). 
إن المكان هنا صار جزءا منه، لهذا كان الفراق شديدا بطعم الحنين، يقول: ” الأماكن تحن لمن يعمرها ويغمرها بحنان ولطف”(ص106). وهذا يؤكد أن الكاتب كان فاعلا لا مفعولا به، لأن من يترك الأثر الطيب هو من يستحق أن يحن إليه المكان،  وتجلى ذلك في تأثر التلاميذ والناس حال وداعه، ليقول له أحد تلاميذه: ” أستاذ صافي سخيتي بينا”. كما تجلى في وداع أهل القرية له بجدي أقرن سمين، كعربون محبة وتقدير وتكريم.
 خرج الكاتب من صراع قوى مختلفة منتصرا على الواقع والظروف ومنتصرا على الطبيعة والحيوان والإنسان.. وبقدر ما أعطى أخذ، لكنه عطاء وأخذ غير متكافئ، فمن ناحيته كان فاعلا فأعطى لأولئك الأطفال نصيبا من العلم فأعطوه خبزا حافيا، بنكهة آهات البؤساء. إنها رؤية إنسانية لرجل تعليم شارك تلاميذه في حياتهم القاسية وفي ظروفهم الطبيعية والاجتماعية البئيسة وسط عالم أريد له الإقصاء والتهميش، فساقه القدر ليقتسم مع أولئك الأطفال الألم والشجن، فعلمهم أبجديات اللغة وعلموه أبجديات الحياة.
 خاتمة
  “يوميات معلم في الأرياف” كتبت بلغة جميلة سلسة تنزع نحو السهولة للبيان، وتستثمر فن السرد الرشيق لتكشف عن محكي ذاتي طرح قضايا عديدة تخص المعلم والتعليم عموما في مناطق هامشية لم تنفك عنها العزلة، بعيدا عن أي أثر للحضارة. وطرح عبرها الكاتب السعيد الدريوش قضايا تخص كل ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي وأخلاقي وإنساني… يوميات نقلت إلى القارئ حياة ومشاعر المهمشين وبعض تفاصيل عالمهم، وعبرت عن خوف واضطراب الإنسان في عالم مجهول يصارع فيه قوى الطبيعة والحياة والقرارات، ويقاوم فيه مخاطر الموت  والأمية والجهل كي يحقق بطولته ويؤدي دوره الفاعل.
(*) كاتب مغربي، عضو الراصد الوطني للنشر والقراءة

 

error: