مستوى الرؤية والتصور في مجموعة “ظل طيف” للقاصة فاطمة الشيري

  • رشيد أمديون
مقدمة
القصة القصيرة جدا من الأجناس الأدبية التي تحيط ذاتها بجدار صلد، عاصمة كيانها من أي هجوم يخترق قلاعها ويرميها بتهمة الاستسهال والضعف. إلا أن أثرها الأدبي وغوايتها لا يتركان قارئها يستسلم لحصونها إن تسلح بالتمعن ودقة النظر ليعدّ لها حصان طروادة، الذي نتمثله في التأويل، كحل مشروع  كي يقتحم القارئ قلاعها وتفاعل مع مضامينها. إن دور القارئ أساسي في التعامل مع النص الأدبي، وهذا ما دفعني إلى قراءة مجموعة القصص القصيرة جدا للقاصة فاطمة الشيري، والتي تحمل عنوان “ظل طيف” الصادرة عن سليكي أخوين بطنحة، سنة 2019.
هذا العمل الذي يقع في 115 صفحة من الحجم الصغيرة، ويضم مئة نص مكثف، يتصدره تقديم للباحث مسلك ميمون.  من خلال هذه الورقة سأقدم قراءة في دلالة العنوان باعتباره مدخلا إلى فهم العلاقة القائمة بينه وبين النصوص من خلال مقاربة بعض موضوعاتها المطروحة لكشف مستوى الرؤية والتصور عند القاصة فاطمة الشيري.
  1. الرؤية والتصور: قراءة في العنوان والنصوص
يعد عنوان “ظل طيف” جملة اسمية مكونة من مركب إضافي وإسنادي. (ظل): خبر لمبتدأ محذوف(هذا)، فيكون بذلك العنوان مشارا إليه في سياق يحتمل التعريف والتقديم والتنبيه (هذا ظل طيف)، ووقوع (طيف) في الجملة نكرة يفيد عموم المعنى، ليخلق صورة مجازية نستطيع إسقاطها على الأشياء. وحين نقول ظل الشيء، فإنما نقصد به لغة: أثر الظلام الذي ينتج عن حجب جسم للنور أو للضوء. وفي المعجم هو: “خيال يقع على شيء مجاور للمرسوم من سقوط الضوء عليه”. ويمكن أن نقصد به الخيال، من حيث هو تمثل لشيء غير واضح الملامح، لا تبدو لنا صورته ويتبدى لنا أثره.
وقد اعتمد خيال الظل كفن من فنون التمثيل لعكس الواقع وتشكيل الرؤية . أما الطيف، فمن الناحية الدلالية، (بعيدا عن التفسير الفيزيائي) يعني ما لا يرى، وإنما يتمثل في الذهن والخيال فيعمل العقل والوجدان على تصوره أو تتبع أثره، وفي هذا قال البوصيري في قصيدة البردة:
 “نعم سرى طيف من أهوى فأرقني / والحب يعترض اللذات بالألم”.
 إذن هل يمكننا القول إن العنوان يشار إليه ضمنيا للإخبار عن احتمال أن يكون للطيف ظل خاص به؟  وكيف ذلك وقد سبق أن قلنا إن الطيف لا يرى، وإنما هو تمثل وتصور لشيء معين يؤثر في العواطف والعقل؟
هنا نعود لنقول إن تأثيره يكون من خلال الأثر/الظل؛ (ظل طيف) ينعكس على مرآة الرؤية العقلية أو العاطفية على شكل عالم متخيل ومختلف تتوق إليه النفس كملاذ للخلاص (أو كما ينجذب الإنسان نحو ألوان الطيف، كتمثل لعالم جميل). وحيث إن إسقاط الانتباه بالإشارة، يكون على الأثر (هذا ظل)، فماذا لو مكننا هذا التفسير على أن نذهب بعيدا في تأويلنا لنص “ظل” الذي أعتقد أنه الوحيد في نصوص المجموعة الذي ذكرت فيه كلمتي العنوان منفصلتين، يقول النص:
“تستسلم لهواجس الليل.. تحفها زرقة النافذة، تدخل الملعب. بين طيف ونفاق تراوغ. يصيح الديك: أقفلوا النوافذ
انتهت المقابلة.. ” (ص 13).
من هذا النص المكثف، يمكن أن نتسلل إلى ما يفيد المعنى؛ حيث إن الليل يعد فترة التوحد بالذات وانبعاث حرارة القلق، التي تدفع القاصة إلى ممارسة دورها بدخول تجربة الكتابة أو الحكي (الملعب)؛ هذا المجال الرمزي الذي تمارس فيه الشخصية مراوغة الواقع بما تحمله من تصور عن عالم مختلف تتوق إلى تحققه فتتأثر بظل طيفه في واقع سمته (النفاق)، فهو صراع من أجل إعادة علاقة مختلة بين الذات وتصورها الجمالي، والواقع الصلد.
والزمن هنا سلطة تمثلت في صياح الديك الذي يذكرنا بديك شهرزاد، الذي يوقف الحكي وينهي المقابلة، أي أن مدة استغلال (الملعب) كمجال للحكي أو كتابة النص رهينة بالزمن، وبهذا فهي دائما أصغر من حجم التصور لشساعة ظل طيفه (إذا سلمنا إلى أن الظل هو الأثر).
لكن القصة لم تعن بمن انتصر في (المقابلة)، بل دفعت بالقارئ  إلى تصور المآلات القادمة بناء على ما يوحي به النص – على صغر حجمه وقلة ألفاظه اللغوية- وما توحي به نقط الحذف في النهاية. بالإضافة أيضا إلى أن تجربة كتابة القصة أمر متجدد ومتطور وفيه من الإصرار والتحدي ما يبرر النزوع – عند القاصة- نحو إسقاط ظل تصورها نحو الأمام (الاستشراف)، وهو ما يفتح أفاقا رؤيوية تحضر في كل نصوصها الأخرى التي سنشير إلى موضوعاتها لاحقا.
هذا التصور يتجلى في عدة مستويات ذاتية واجتماعية وأخلاقية وسياسية وثقافية..، وبذلك تتحول النصوص إلى وعاء يعرض لقطات من الواقع وما يعيشه الإنسان في يومه أو ما يصادفه من غريب المواقف أو ما لا يتلاءم مع قناعته، تقول القاصة : “ترصد واقعا جرد لوحتها من الألوان” (ص 33)، وهذا الرصد لا تعتمده القاصة فقط من باب إخبار القارئ بالواقع الذي لا يخفى عنه، فهو ينتمي إليه، بل تعتمد من خلاله طرح أسئلتها، وقد افترضناها هكذا: ماذا لو أن الموقف كان عكس ما رصد النص؟ ماذا لو أن الحياة عكس ما هي عليه الآن في الصورة؟ ماذا لو تحدينا الواقع بقيمنا الجميلة؟ ولنأخذ على سبيل المثال نص “زمن” :
 “يسأل تلاميذه عن أزمنة الأفعال:
يرد تلميذ:
الماضي لأمجاد كانت…
والمضارع نئن لأوضاعه.
والأمر هو السائد..
ترى هل سيكون لنا فعل؟” (ص 14).
إن النص حين يعكس الواقع يجعل القارئ يتمثل ظل (أثر) التصور أو الرؤية التي تحضر لدى القاصة فاطمة الشيري، وهي (رؤية /تصور) أكبر من النص لأنها خلال ذلك تعيد إنتاج السؤال؛ لماذا توقف فعلنا عند زمن الماضي ولا يتجاوزه؟ ولماذا لم نستطع في المضارع/الحاضر إنتاج الفعل، بل أنتج هذا الزمن (الأخير) صيغ الأمر، فكثر الخضوع، واستسلمنا للسائد. لم تذكر القاصة زمن المستقبل إلا بالإشارة إليه بالسؤال (ترى) ثم (السين) التي تفيد الاستقبال، لأن التصور الذي يكمن خلف السؤال هو ظل الطيف الذي تريد أن يشاركها القارئ تمثله، ليس من خلال رصد أحداث الواقع وأعطابه بل في إنتاج السؤال والرؤية والوعي بحقيقة أن البحث عن المخرج ضرورة اجتماعية وجماعية تنبني على أسس قيمية، وهذا ما يشير إليه نص “اندثار”:
“صم العواء الآذان.. استعانت بهم، خوفا على القطيع؛ تكالبوا عليها وعليه. طهر المطر المكان، مسح آثار الجريمة. أنبتت الأرض نوعا عدلت جناته تحت الشمس” (ص 30) إن الاستشراف أمر لاحظناه في قصص فاطمة الشيري، هذا الاستشراف الذي يتجلى في السؤال عن الفعل في القصة الأولى، ويتجلى في التنبؤ بالمآل في القصة الثانية؛ استشراف ينتج عن تصور -القاصة- الواقع يحتاج إعادة توازن، يحتاج تعاونا جماعيا، فكما أن الأشرار (في القصة) تعاونوا على الشر فكذلك الأخيار لا تخلوا منهم الحياة،  وأن ما يحتاجونه هو التعاون لا التهاون، وأن من سنن الكون الاندثار وإعادة التكوين والتجدد، وليس الثبوت والسكون، وأن الفعل الحقيقي الايجابي يأتي على قدر الوعي بالمسؤولية والاقتناع بها،  ولا يأتي عن طريق الارغام وسلطة الأوامر التي يتسبب عنها سلوك المراوغة والنفاق.
إن إسقاط التصور والرؤية على الواقع هو ما رمزت إليه القاصة بالقمر في قصة “تشوه”: “رأيت القمر في السماء، وعلى سطح البحيرة. انشغلت بجماله وهي تتسلى بقضم فاكهة. النواة حولته حلقات متلاشية” (ص 34). يمكننا أن نعتبر رؤية القاصة طيف يرافقها خلال كتابة كل نصوصها، وهو كالقمر في السماء، وظله في الواقع، كانعكاس القمر على بحيرة الماء، وهذا الانعكاس هو ما يمثل تجسيد الرؤية الجمالية القيمية في كل مناحي الحياة (الأثر). وإذا قام الإنسان من منطلقه بتغيير سلوكه وبتهذيب طباعه ليحافظ على مبادئه وقيمه الجمالية من التأكسد والتشوه، يكون الفعل بذلك هو المرتكز الأساسي لتحقيق أثر الرؤية، لهذا يطل علينا مجددا، وضمنيا، نفس سؤال القصة السابقة: ترى هل سيكون لنا فعل؟
ونجد أن القاصة تعود إلى ذكر القمر والبحيرة في قصة “شاهد”:
 “ضوء القمر في السماء ينير سطح البحيرة. تعكسه اتجاه عشاق في الجوار. يهرب الشيطان.” (ص 76)
هذا التوظيف الدلالى للقمر يخدم  المعنى السابق؛ القمر هو ذلك التصور/الطيف الذي يتمثل في القيم التي تؤمن بها القاصة، والبحيرة هي الواقع الذي يفترض أن يعكس التصور ويتحقق فيه الأثر/الظل، فإذا حدث ذلك صارت النتيجة إيجابية (فر الشيطان). وفي هذا استشراف لما هو أفضل وأحسن، حتى إن لم تصرح القاصة بذلك، فيكفي أن تصورها لِما يجب أن يكون هو ما حدا بها إلى قول ووصف ما هو كائن.
الانطلاق من الواقع المرجعي لحياة الإنسان أمر ضروري لتحديد المفارقات، لهذا طرحت القاصة جملة من الموضوعات والقضايا المهمة ، كالتعليم في قصة “تجنيد” وقصة “رسالة” التي تجسد الدور الوظيفي للمدرسة /للمعلم(ة)، باعتباره دورا تربويا (رسالة) ولو في مرحلة التقاعد التي لا تعد نهاية مشوار المدرس(ة)، بل ممارسة اجتماعية وظيفية، لتثبيت وإنزال القيم، رغم أن المجتمع يتبرم من ذلك بقوله “أيصلح العطار ما أفسده الدهر؟!” (ص 102).
ثم نجد موضوع الأمومة في قصة “بر”  وقصة “استجداء”، وهما قصتان لمشهدين مترابطين، (رغم تباعدهما في الصفحات) فحين ينتهي النص الأول ب” صارت فرض كفاية” يبتدئ النص الاخر ب “تنزوي على ناصية رصيف العمر” أي أن قطع الصلة بالأم يكون ابتداء حين تصبح حياة الأبناء مستغنية عن دورها ومكتفية منه.
وفي النصين ما يضمر أن الأمومة ليست مرحلة وتنتهي، بل هي حياة للإنسان تمده بقيم العطف والرحمة والارتباط الوجداني وتشعره بأصالة الانتماء، لهذا يؤكد نص *شهيدان “على أن حياة الابن من حياة الأم، فإن استشهد الابن استشهدت الأم أيضا و” دخلت عالم الصامتين” (ص 98). ثم تطرح المجموعة  موضوع الإصلاح في قصة “قاعدة”، لأن القاعدة إذا كانت فاسدة وهشة فترميم الشروخ يعد هلاكا.  وفي قصة” اجتياح” تتناول إشكالية الطبيعة أمام هول زحف الإسمنت. ثم موضوع السياسة في قصة ” كعكة” وقصة ” سياسة”. أما قضية المرأة فتناولتها  قصة ” تعدد” و قصة ” حاسة”. وتطرقت القاصة لمسألة التقاعد ومشاكل المتقاعدين ضمن قصة “حانت”. وموضوعات أخرى لم نحصرها هنا، منها ما هو أخلاقي قيمي وما هو اجتماعي وسياسي.
خاتمة
من خلال ما تقدم حاولنا تحليل عنوان مجموعة “ظل طيف” من الناحية الدلالية والرمزية، واستطعنا ربطه بالنصوص حتى نتبث العلاقة الجدلية بينها وبين العنوان، وأيضا لاعتبار العنوان سمة ومدخلا وعتبة مهمة للتأويل والفهم.  وقد رأينا أن خطاب القصة القصيرة جدا عند القاصة فاطمة الشيري، خطاب قيمي، يشتغل على مستوى من الرؤية والتصور لاستشراف عالم متخيل، بلغة سردية مكثفة تلمح ولا تصرح  في أقل الجمل وأوجز العبارات، وهو ما قيل عنه قديما إجاعة اللفظ وإشباع المعنى..
وبذلك تحتاج الطاقة الكامنة في ثنايا المعنى إلى من يتفاعل معها ليفجرها كي يتمثل له الخطاب ويستوعب الرسالة، اعتمادا على كل عناصر النص من ألفاظ وأفعال وأسماء وأساليب  وجمل وفراغ ونقط الحذف، ثم الاستعانة  بالتأويل كأداة مشروعة لتنفتح القراءة على التناص والرمز والصورة التي يشكلها المجاز والاستعارة، وكل هذا من أجل فتح أفاق من التخييل قصد إعادة إنتاج النص عند القارئ في نسق من التأمل والتفكير وطرح الأسئلة.

(*) كاتب مغربي، عضو الراصد الوطني للنشر والقراءة

 

error: