المصطفى تودي يشخص حالة “تهافت التواصل وتيه الكلمات”

  • المصطفى تودي (°)
إشكالات متجددة هي تلك التي تثيرها وظائف اللغة جراء استئساد ثقافة التواصل الاجتماعي: هل فقدت الكلمات عمقها الوجودي وحمولتها النقدية، أم هي في تقاليد جدران التواصل الاجتماعي تجليات لذوات وحدية solipsiste دجنتها فضاءات العوالم الافتراضية؟..
أصبح التواصل “مَشاعا” و “مبدأ” مؤسسا للعلاقات الاجتماعية. بحيث كسر الحواجز ورفع الحجب. ففُتحت سرائر البيوت على الشارع، وأُشرك الجمهور في صلب حميمية الذوات. أصبح كل شيء موضوعا للنقاش العمومي. أصبح الخاص شأنا عاما، وكل الموضوعات تناقش في واضحة النهار. أصبح الجو “ديموقراطيا” يذكرنا بالسياسة في المدينة اليونانية حيث الرأي والرأي المضاد. فلاديموقراطية بدون رأي ولا ديموقراطية بدون رأي مضاد.
أنا، على جدران التواصل الاجتماعي، ديموقراطي لأنني أتكلم، أناقش أقول “لا” كيف ما جاء واتفق…  فلم يعد التواصل، تداولا أو مقارعة للحجة بالحجة، بل لغة مباينة لدلالاتها ومفارقة للواقع الذي تدعي الإحالة عليه. هي محض مقارعة “لاء” أجوف بلاءات” تائهة.
 عرفت الحضارة الإنسانية ما سمي بفلسفة “اللا” وفلسفات السلب أو النفي فكان لها أثر فعال في تطور الفكر الإنساني على وجه العموم. فما دلالة كلمة ” لا”؟ من الناحية الوظيفية قد تكون ” لا ” نافية أو ناهية أو جازمة… وقد تكون زائدة ولا محل لها من الإعراب كما يقول أهل النحو. أما من ناحية أخرى، فالكلمة تعبر عن تماهي الذات وانفتاحها على غيرها وعالمها.
أنا لست متخصصا في السيميولوجيا ولا في علوم اللغة وبحورها، لكن فقهاء اللغة، يلحون على أن الكلمة لا تكون كذلك إلا للارتباط الاعتباطي، فيها، بين الدال والمدلول، بين الصوت والمعنى. وهذا كلام بديهي. فالكلمة لا تكون كلمة إلا لأن لها معنى. لكن المعنى ليس محض فكرة مجردة، بل إنه يحيل بالضرورة على مرجع، وعلى “واقع”. بل على ذات مستقبلة وعلى وعي يفك شفراتها.
من ثمة تتخذ الكلمة أبعادا متعددة متباينة ومختلفة بتباين وباختلاف الامتدادات الوجودية للذات. كما تختلف دلالة الكلمات باختلاف وبتباين المرامي الكامنة خلفها والسياقات التي تحتضنها. بذلك، وإن كانت الكلمات سليلة المواضعة والاتفاق الاجتماعيين، فإن دلالاتها قد تتباعد حسب الذوات. فلا تكون للغة وظيفة التواصل الخالص بل هي ذات وظائف سيكولوجية، اجتماعية، فكرية وسياسية ليس لكلمة “لا” دلالة لغوية فقط بل من خلالها تتحدد علاقة الذات بذاتها وبغيرها وبعالمها: فحينما أقول لا فإنني لا أرفض “إثباتا” Affirmation بل إنني أضع نفسي في علاقة تضاد إن لم يكن تناقضا، مع من يتبنى هذا الإثبات.
من هنا تعبر كلمة “لا” عن وضع وجودي للذات في علاقتها بغيرها. لا تتوقف الكلمة، إذن، على بناء الذات للمعنى، بربط فكرة بصوت. بل تتأسس الكلمة على التموقع الوجودي للذات واختيارها لشبكة العلاقات التي تبنيها مع ذوات أخرى ومع العالم. إنها بشكل من الأشكال “وعي” في مقابل ” وعي آخر” وفي مقابل “العالم”.
لكلمة ” لا ” بعد سيكولوجي وغايات نفسية عميقة. إذ يخبرنا علم النفس، أن من مقومات البناء النفسي لشخصية الطفل “المقاومة” و”الرفض” واستعماله لكلمة” لا”. فتمسك الطفل ببرازه خلال المرحلة السرجية من تطوره النفسي، هو رفض للنظافة باعتبارها مطلبا أبويا ينفي رغبة الطفل. رفض الطفل للأوامر الأبوية والممنوعات الاجتماعية هو سيرورة نفسية لبناء الذات وإثبات الأنا. للرفض، إذن، عمق نفسي، ف “لا” الطفل دالة على الرغبة في تمييز الذات عن غيرها ونزوعها نحو بناء الوعي وإرساء الأنا في مقابل الغير.
صحيح أن الغلبة تكون للمجتمع عبر التنشئة والتربية، التي هي إخضاع الطفل لأوامر المجتمع عبر سيرورات الثواب والعقاب. لكن الرفض هو تعبير مبدئي عن الحرية، كخاصية جوهرية تميز الذات الإنسانية. إلا أن هذا التعبير ينبغي لامحالة أن يتطور ليسمح بتجاوز المشاكسة اللاعقلية التي تحكمها ميكانزمات لا شعورية. هكذا يُبنى الأنا ويُقوى الوعي وتُخلص الذات من مخاطر النكوص.
للرفض بعد فلسفي كذلك. فالعديد من الفلاسفة يعتبرون أن الوعي، لن يتبلور إلا من خلال علاقة جدلية بوعي آخر. لا يمكن لوعي السيد، كما يقول هيجل، أن يتبلور كوعي سائد إلا من خلال نفي وعي العبد كوعي مسود. ويعتبر أب العقلانية الغربية الفرنسي رونيه ديكارت، أن الخطوة الأولى في التفلسف هي الرفض. أن نقول “لا” للانطباعات الحسية والأفكار العالقة بذهننا وإن كانت عامة سائدة وشائعة لدى عموم الناس. والمعرفة العلمية كذلك لا تتأسس إلا من خلال رفض الرأي وما يستسيغه الحس العام.
إن الحقيقة، إذن، نور ينبلج في علاقة جدلية بالواقع وبموضوعات الفكر من خلال نفي الجهل وإقصاء الوهم الذي يؤسس المعرفة العامة. تكون كلمة ” لا ” إذن، شعارا للمقاومة العقلية. والسلب والنفي والرفض مذهب عقلاني لبناء الحقيقة، وعلامة على الفكر المتنور اليقظ.  وفي المحصلة لن تصبح الكلمة غاية في ذاتها.
للرفض بعد سياسي فهو علامة على انبثاق وعي في مقابل وضع مرفوض أو واقع مُحبط. إن كلمة “لا” هي أداة سياسية للممارسة الديموقراطية هدفها جعل القضايا التي يطرحها وجود الإنسان موضوعا للنقاش العمومي. بهذا تكون كلمة “لا” مبتدأ ومنطلقا للتوافقات الجماعية المؤسسة للنظام الديموقراطي الحقيقي، وللتواصل الاجتماعي البناء. حيث لا أرفضك لأنك تقول مالا أقوله، بل نتوافق على قولٍ فيه ما تقوله وما أقوله. لكن للممارسة الديموقراطية شروط. لعل أولها، الحوار المؤسس على الإقناع العقلي وتقديس المصلحة العامة.
وأما ثانيها، فهو الاحترام الذي يجعل من الخصم محاورا ينبغي إقناعه وليس عدوا ينبغي نبذه وإقصاؤه. يقول أحد الفلاسفة أن رجل السياسة لا يفكر. ويقصد بهذا القول أن غاياته ليست الحقيقة بل المصلحة والمنفعة. ومن ثمة، ألا يمكن أن نعتبر أن الميكانزمات الفكرية التي تحكم إنتاج الخطاب السياسي على جدران مواقع تواصلنا الاجتماعي، مثلا، هي نكوص نحو المرحلة البدائية للدماغ؟ ألا يروم هذا الخطاب، ما هو سهل ملموس ومجسد، وهو نزوع طبيعي بدائي للدماغ الإنساني؟، فليس من الصعب على دماغ الإنسان، تمثل ما هو محسوس وما هو ملموس. لأن الملموس يجسد متطلبات الحياة البسيطة المأكل والتزاوج والأمان… أما ما هو غير ملموس ما هو غير مادي فيتطلب منه مجهودا إضافيا.
لهذا يتحدث علماء “علم الأعصاب” عن قاعدة تحكم الدماغ هي أن ما يتطلب مجهود يرفضه الدماغ ومن ثمة يميل طبيعيا نحو مالا يتطلب منه مجهودا. فقد نعجب بلوحة تشخيصية وقد ننفر من لوحة تجريدية رغم حبنا للفن والتشكيل. قد يكون الخطاب السياسي الشعبوي أكثر إقناعا لأنه يجسد المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، في شخص أو ظاهرة. قد يسهل إقناع الناس بأن سبب مشاكل شبابنا هو الهاتف النقال. أو أن سبب تفشي الفقر هو لاأخلاقية أحد منتخبينا، أو عدم تمسكنا بقيمنا الروحية وتفريطنا في قيم التآزر والصدقات… عوض القيام بمجهود عقلي لتحليل وتشخيص وضعية المجتمع من مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية… 
إن التاريخ الإنساني شهد مراحل اتسمت بنبذ كلمة “لا”، ذلك بمبررات وبخلفيات متباينة فلسفية منطقية أو سياسية. فباسم العقل والمنطق رفض أفلاطون الاختلاف، ذلك لأن الحقيقة، في نظره، واحدة ولا يملكها إي كان. لقد قال لغير أهل العقل أن يسكتوا ليتكلم الحكماء والفلاسفة. بهذا يكون الرفض لا عقليا وكلمة ” لا ” غير منطقية. بل لا تكون للمعارضة السياسية أي معنى في المدينة إذا جاءت على لسان العامة وغير الحكماء. فديموقراطية الأسياد هي إقصاء لكلمة “لا ” باسم العقل والحفاظ على الفضيلة والكمال. وباسم المصلحة العليا والحفاظ على النقاء والصفاء، نبذت الأحزاب اليمينية العنصرية الاختلاف والرفض و “اللاءات” لتؤسس أنظمة جرت ويلات مادية واجتماعية وتاريخية على الإنسان والإنسانية. وباسم الله فرض الرأي الواحد ورفعت السيوف وجزت الرقاب.
ليس منا من يملك الحقيقة، ليس منا من يدعي النقاء والأصالة، قال أحد المفكرين الأفذاذ العقل هو القيمة التي لا ينبغي التحجير عليها. لنرفع، إذن، شعار العقل ونعيد للكلمات دلالاتها وعمقها الوجودي وحمولتها النقدية. ولنتخلص من عزلتنا الوجودية والفكرية فمخاطبنا ليس أيقونة رقمية. لنجعل فضاءاتنا الحوارية مجالات لممارسة حقوقنا ولاحترام واجباتنا. لنجعل “كلماتنا” شعارات للحرية تعبر عن وعينا العميق بآمالنا وباختياراتنا في بناء ذواتنا وواقعنا …ولنضمن للعقل يقظته النقدية، كي لا تصبح “لغتنا” و “تواصلنا الاجتماعي” علامة على الفكر التائه ك “النوماش” somnambule في عوالم الحلم والخيال.
(°) فاعل مدني، باحث في الفلسفة وعلم الاجتماع
error: