المكان في الرواية.. آراء متقاطعة حول “بطل” رئيس للنص السردي

شكل حضور المكان في الرواية موضوع لقاء احتضنه فضاء المعرض الدولي للكتاب والنشر بالرباط، تقاطعت فيه رؤى وتجارب كتاب عرب بارزين بشأن موضوع متجدد الطرح في الحقل النقدي الأدبي بالعالم العربي وخارجه.
وفي جلسة أدارها الكاتب محمد صوف، قدم الروائي المصري ناصر عراق، اعتمادا على نماذج من تجربته، رؤيته للمكان مبرزا أنه محظوظ بالانتماء إلى حي شعبي إسمه “شبرى” على أطراف القاهرة، وهو نقطة التقاء بين آخر امتدادات الريف المصري بالدلتا وبداية التمدن القاهري.
يذكر وهو طفل كيف تأمل في الحقول قبل أن تداهمها العمارات. من بيته كان يستطيع أن يرى الهرم من مسافة بعيدة وهو ما بات متعذرا بفعل التضخم العمراني. تحولات المكان كانت زادا له في اختيار المواضيع والفضاءات.
يقول ناصر عراق، الحائز على جائزة كتارا عن روايته “الأزبكية”، إن خلفيته كرسام تساعده على الاهتمام بتفاصيل الأمكنة بالوجوه والحركة التي تمور بها. كما أن متابعته للمسرح ساهمت في هذا الأفق من العلاقة الوثيقة بالمكان، خصوصا من زاوية السينوغرافيا، وتوزيع الديكور وحركة الممثلين في علاقة بالكتل الموجودة.
من “الأزبكية” الى “”الأنتيكخانة” (المتحف)، مرورا بغيرها من الروايات، يرى ناصر عراق أن علاقته بالمكان وطيدة وملهمة.
أما الكاتب والناقد المغربي أحمد المديني، فأبرز الحضور القوي للمكان في التراث العربي، وخصوصا الشعري منذ المعلقات إلى الشعر الحديث، والأمر سيان في التراث اليوناني الذي تجسده مثلا ملحمة “الإلياذة والأوديسا”.
غير أنه يشدد على ضرورة التخفف من الإسقاط العاطفي للذات على المكان والمجاهدة في وصف المكان في وجوده الموضوعي، لأن لغة الرواية ووظيفتها غير لغة الشعر ووظيفته. لا يحبذ المديني إثقال تناول الرواية العربية للمكان بمشاعر الحنين والتذكر، والحال أن الرواية تتطلب مهارات دقيقة لاستجلاء خصائص المكان الذي يشكل بؤرة العمل السردي، سواء بوصفه مادة عينية أو كفضاء لحركة الناس وعلاقاتهم.
ويعد المديني واحدا من الروائيين والكتاب الذين احتفوا بالمكان وجعلوه “بطلا” للنص، على غرار رواياته حول فاس والدار البيضاء فضلا عن نصوصه الرحلية التي شملت باريس وفلسطين والحج وأمريكا اللاتينية.
ومن جهته، استعاد الكاتب التونسي، كمال العيادي، تجربته مع المكان من خلال ذاكرة الطفل الذي كان يمرح في فضاءات الحي الشعبي الهامشي قريبا من المقبرة التي يرقد فيها أبوه. الحنين عنصر محفز على كتابة المكان وتنشيط ذاكرته وتحريك الشخصيات في فضائه لكنه، يقول العيادي، ليس كل شيء، لأن الرواية هي صنعة وتقنية متعددة الأبعاد والمكونات.

error: