عبداللطيف نجيب يكتب عن مسرحية “هكذا تكلمت مديا”

  • عبداللطيف نجيب (°)
هكذا تكلمت مديا، عنوان العرض المسرحي الجديد لفرقة الشعاع بتارودانت، وكما تعودنا مع هذه الفرقة، يستمر نفس الإبداع بكل تجليات مسرح الهواة وتحضر السمة الاحترافية في الانجاز والأداء.
يفصح العرض المسرحي منذ الوهلة الأولى عن تحول جديد في مسار هذه الفرقة، فالعنوان لم يعد كما كان مركبا وغامضا حد الغرابة لإثارة الفضول لدى المتلقي، عنوان صريح، يسوقنا بكل وضوح نحو شخصيته المركزية، يقودنا إلى عوالم أسطورة ميديا وما ألم بها في دروب الخيانة والانتقام. الأسطورة التي جعل منها يوريبيديس نصا مسرحيا اضحى حتى اليوم مصدر إلهام لكتاب مرموقين كما د. الهنائي .
التحول الثاني في هذا المسار المسرحي المميز لفرقة الشعاع ومخرجها الإدريسي ، موضوعه هو المونودرام ، فهو ربما حسب تتبعي لمنجز هذه الفرقة هو الابداع الثاني في صنف المونودرام، بعد مسرحية “فاتي اريان” التي كتبها الدراماتورج محمد ماشتي.
من تجليات قوة العرض المسرحي الذي تابعنا فرجته في مركب نجوم سوس بحي الفرح بأكادير، قوة الأداء المحكم للممثلة الواعدة فاطمة الزهراء الناقي. ليس من السهل أن يتوفق الممثل في ضبط تنقلاته، بل تحولاته النفسية والجسدية بين شخصيتين إن لم نقل شخوص وحكايات انطوت عليها فصول العرض. طيلة مدة العرض ونحن نحلق في عالم مديا وعلاقتها بساجون الحبيب الذي خان تضحية الحبيبة مديا بعد أن أهدته سر الحصول على الصوف الذهبي من أجل بلوغ المجد والخلود. حتى لحظة الانتقام بقتل العروس و الأولاد، أولاد ميديا وساجون بالطبع .
بالموازاة لذلك، يستدرجنا العرض بسلاسة ودون تصنع او حشو ،يقودنا إلى تتبع حكاية الراوية والتي ما هي سوى مهاجرة عاشت تجربة الزواج المختلط وانتهت إلى خيانة هي أقرب الى قصة مديا. من هنا نجد مبرر توظيف مؤثتات فضاء البيت، مسكن الراوية طبعا، وبالتالي جعلها تأخذ دلالتها من خلال سرد اطوار الحكاية الرئيسية حكاية مديا، مما جعل السينوغرافيا المقدمة منسجمة مع فضاء الحكايتين.
لقد بقي المخرج مولاي الحسن الإدريسي وفيا لموقفه الفني في الإخراج المسرح . بما أنه يفلح دائما في جعل المتلقي متملكا لشفرات فك الرموز ودلالات كل عنصر من أكسسوارات العرض وإدارك الدال والمدلول حتى ولو تعددت وظائفه في المشهد المسرحي. إنه مخرج مبدع في حصر الفضاء المشهدي و ضبط مكوناته.
من جهة أخرى، وبالتوقف عند أداء الممثلة فاطمة الزهراء، تتجلى لنا قدرة المخرج على ضبط إيقاع العرض كي لا يختل ميزان الأداء. كيف لا وهو القادم من عالم الموسيقى والغناء. زادتها المؤثرات الصوتية وخاصة الحان الأغاني التي أنجزها الفنان المختار بلخدير. المصاحبة للعرض اقول زادتها رونقا وجمالا.
جماليات العرض المسرحي، تكمن في هذه التركيبة المتكاملة بين فن الأداء و قوة السرد المتتالي للأحداث دون تكلف، هذا إلى جانب الاختيارات الجمالية للسينوغرافيا. وفي اعتقادي هذا ما جعل جمهور الحضور الذي غصت به قاعة المركب مشدودا للعرض لما يزيد عن ساعة من الفرجة الماتعة.
المسرحية هي من إعداد د. ابراهيم الهنائي واخراج مولاي الحسن الإدريسي الانجاز السينوغرافي صفية الزلزولي والإضاءة مولاي أحمد ولد مو ثم التشخيص للممثلة الصاعدة فاطمة الزهراء الناقي، أما الاستشارة والمساعدة في الإخراج فكانت من انجاز عبد الرحمن خالص.
(°) كاتب وفنان مسرحي
error: