الباحث الجامعي سعيدي المولودي يشخص الفنون الأمازيغية بالأطلس المتوسط

  • سعيدي المولودي (°)
يمكن تصنيف الفنون الأمازيغية بالأطلس المتوسط استنادا إلى هذه الأنساق:
– نسق التعبيرات الحركية أو فنون الأداء ويشمل الرقص والمسرح وما يشاكلهما أو يتقاطع مع بعض من مقوماتهما أو عناصرهما.
– نسق التعبيرات الإبداعية ويشمل الإنتاجات الإبداعية المختلفة الشعريات منها والنثريات: الشعر، الحكايات ، الأمثال، الأساطير ، الأحاجي ، الألغاز…
– نسق التعبيرات التشكيلية ويشمل الزخرفة، الرسم، النقش.
– نسق التعبيرات الموسيقية: الألحان والأنغام.
في النسق الأول نقف على التعبيرات الحركية التي تضم الرقص، ونتوقف بوجه خاص على رقصة أحيذوس، فهي فعل أو إنتاج حركي متميز وله مكانته ووظيفته البارزة في الحياة الجمعية بالأطلس..

“أحِيذُوسْ”

“أحِيذُوسْ” لفظة أمازيغية تدل، بوجه عام، على رقصة جماعية شائعة بمناطق الأطلس المتوسط ، ولها امتداداتها الأخرى خارج هذه المناطق ،وهي تعود في أصولها إلى الفعل ” حِيذْسْ/ إيحيذْسْ/ إيسْحيذْسْ” بمعنى قام برقصة أحيدوس أو انخرط فيها، والمؤنث “ثاحِيذُوسْثْ” والجمع ” إيحِيذَاسْ” و ” ثيحِيذاسْ ” وفي أمازيغية الأطلس المتوسط نجد وزن الكلمة يتطابق مع بعض الكلمات ذات دلالات خاصة ومختلفة، منها على سبيل المثال ما يحيل على توصيف أصحاب العلل أو ذوي العاهات مثل “أَحِيزُونْ ” (الأعرج) و”أزِيزُونْ/ أزِينُونْ” الأبكم)، ومنها أيضا “أحِـيـﯖـُونْ”) ذكر الحجل/ الحيقون ) و”أهِيضُورْ/ أهيثُور ) جلد الحيوان) ويتطابق وزنها جميعا في حالتي الإفراد والجمع/
ومثلها ألفاظ أخرى تتحد معها وزنا في حالة الإفراد ولكنها مغايرة لها في حالة الجمع، ومنها “أخِيثُوسْ (البرنس /السلهام) وجمعه ” إيخيثُوسَنْ” و”أعِيضُوضْ” (أبو مقص/ حشرة) وجمعه “إيعِيضُوضنْ” و”أغِيبُوبْ” والجمع “إيغِيبُوبَنْ” (صفة قدحية تطلق على الشخص ذي الأصول العربية، وترشح دلالاتها بمعاني الدناءة والحقارة والذلة والهوان) وهذه النماذج تحيل إلى أن أصالة الميزان الصرفي للكلمة قائم في بنيات اللغة الأمازيغية بالأطلس وأن استعمالاتها خاضعة لتطور هذه البنيات ومنحنى الدلالات المحتملة التي علقت بها، واللفظة كما هو واضح من الكلمات المشتقة وتختزن في عمقها الدلالي مظاهر الوصف، وصف “حدث” أو ” فعل” ما مرتبط بممارسات وشعائر خاصة، ولذلك نفترض أن الاستقرار الدلالي للكلمة مرَّ عبر كمية من المعاني غير محددة بالنسبة لنا.
اليوم، بشكل ساطع، يعزز هذا ما نلاحظه من مظاهر التماس أو التعالق بين لفظة “أحيذوس” ولفظة “أورارْ” ( اللعب) إذ تشيران معا إلى الرقصة الجماعية مع تباين واضح في إطلاقهما، وهو ما يؤكد العلاقة الوطيدة القائمة بين الكلمتين حيث تستعملان معا للدلالة على تعبيرات حركية وأدائية خاضعة لقيود وسمات خاصة، و”أورار” أقرب في معناها إلى العمومية والشمولية ويتسع المجال أمام إطلاق دلالاتها، بينما “أحيذوسّ” يغطي أفقا دلاليا محددا، قد يكون تفرع من ذلك المعنى العام ” أورار”.
والمرجح أن لفظة ” أورار” هي التي أطلقت في بداية الأمر اعتبارا لما للعب من أدوار أصيلة في الوجود الإنساني، وإسهاماته الفائقة في تطوير أساليب بلورة الهوية الخاصة وترسيخ الشعور بالانتماء إلى الجماعة والارتباط بتاريخها وثقافتها، واكتسب معاني خاصة انضافت إلى دلالاته عبر صيرورة التحولات التي شهدتها المجتمعات الأمازيغية عبر التاريخ، وتولدت عنها أشكال مختلفة من ” اللعب المنظم” الذي يخضع لقواعد وأصول موحدة تنبني على المشاركة والتعاون وتتجلى فيه الكثير من العلاقات الاجتماعية. (1) والترابط بين الكلمتين وتقاطعاتهما الدلالية يحفزنا على القول إن التشكيل العام ل”أحيذوس” تطور عمليا من خلال تشكيلات ألعاب مختلفة كانت سائدة في المجتمعات الأمازيغية القديمة ومنها استمد على مر الزمن طاقاته التعبيرية والحركية.
ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى أننا قد نعثر على بعض من ظلال وآثار حضوره في لعبة ليلية معروفة يمارسها الفتيان والفتيات في الليالي المقمرة بالأطلس تعرف ب ” دُّوسِينْ” وتنجز في شكل دائرة مغلقة تتحرك فيها الأجساد الصغيرة في اتجاه دائري متموج ، مع الحذر الواجب خشية انقضاض “الليث” العدو المفترض الذي سيهاجم الدائرة لتفكيك حلقاتها واحدة تلو الأخرى. (2) . والبنية التشكيلية للعبة تتماس في بعض مكوناتها مع شكل “أحيذوس” ولا نستبعد احتمالات التقاطع بين التشكيلين وصيغ التلاحم والتكامل بينهما. ودلالات ” أحيذوس” العميقة في تقديرنا ترتبط بهذه الأصول ولو أن كثيرا من حلقات الترابط في هذا السياق تظل غائبة ومفقودة.
لذلك فإن دلالات ” أحيذوس” ،في الواقع، تطورت عبر علاقات سياقية وليدة تحولات ومتغيرات شتى ساهمت في ترسيخ منجزه التشكيلي المادي وغير المادي. وهي على هذا الأساس دلالات مشحونة بحمولات رمزية ودلالية ثاوية تختزن الكثير من الحقائق الاجتماعية الفردية والجماعية في تاريخ الإنسان الأمازيغي وعلاقاته بالكون والعالم المحيط به. على اعتبار أن ” أحيدوس” هو إحدى أقوى اللغات والحركات التعبيرية التي حاول الإنسان الأمازيغي من خلالها استيعاب هدا العالم وامتلاكه والسيطرة عليه.
من هذه الزاوية فإن الفعل ” حيذس/ إيحيذس..” فعل متفرع عن الفعل ” يُورَارْ” ( لعب) وهو إحدى تجلياته، وهو وليد تجارب شتى اجتماعية وثقافية وحضارية أسهمت في إضفاء معنى خاص به يتحرك في سياقاته ويحافظ على سماته التشكيلية ، ولا شك أن ثمة معايير ومقاييس معلومة هي التي تحكمت في سماته ومميزاته وهي التي منحته إطار أو صيغة استقلال أو تحرر أو انعتاق من ربقة أجناس أخرى ل ” أورار” قد تعود إلى ما يمكن نعته بالتميز أي الاعتماد على خصائص تلقائية أو موجهة خاضعة لقواعد وضوابط لها دورها في إدراك الأشياء والعالم كما يراه الإنسان الأمازيغي.
ومن الصعب الوقوف على تحولات وتراكمات وسيرورة هذا “الاستقلال” ضمن شبكة العلاقات والاستراتيجيات المختلفة ل” أورار” بوجه عام، غير أن الثابت ان الفعل ” حيذس” خضع لخصائص ذات أبعاد كبرى حضارية وثقافية وروحية وعلى ضوئها اكتسب قيمته الفنية والاجتماعية والتاريخية ليعني شكلا محددا من أشكال “أورار” ويتوفر على جاذبية جمالية يحصن بها كيانه المتفرد الذي يتأسس على جزئيات ومعالم تحيل إلى مناحيه وأبعاده، وتجعله منصهرا في دائرة “أورار” في الوقت الذي يبدو فيه وكأنه خارج عنها أو منفصل عن مداراتها..
وهو ما يقودنا إلى الإقرار بدور الفعل ” حيذس” في إعناء الممارسات المرتبطة ب” أورار” وشحن امتداداتها التعبيرية والحركية بكثير من مظاهر الاحتفاء بالوجود والحياة، إن ارتباط ” أحيذوس” إذن ب” أورار” هو ارتباط عضوي لكنه يتميز بخاصيته الجمالية التي تؤسس سياقها الحيوي الفريد وتقف جنبا إلى جنب مع مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان الأمازيغي.
قد يعفينا هذا الطرح بشكل أو آخر من افتراض دلالات أخرى للفظة ” أحيذوس” خارج هذا المجال، باعتبارها مثلا كلمة مركبة قائمة على عنصرين دالين اثنين هما: ( آحْ) و (دُوسْ)، العنصر الأول ( آح) هو “اسم صوت” ذو طبيعة انفعالية يوظف مصاحبا لبعض الأعمال الشاقة التي تستوجب الجهد البدني والعضلي وتستوجب طاقة غير اعتيادية للتحمل، كما يوظف كذلك للتعبير عن الإحساس بالألم أو الوجع والتوجع، ويوظف كذلك للتعبير عن الشعور باللذة والغبطة والابتهاج، وإصداره يتناغم مع إيقاعات الإحساسات أو الانفعالات والممارسات أو الأعمال التي يتم إنجازها، وينهض بدور محوري في عمليات التخفيف من شدتها و وطأتها. أما العنصر الثاني (دوس) فقد يكون بدوره اسم صوت ويتعذر، على الأقل بالنسبة لنا ،الحسم في بعده الدلالي.
أما الزعم بأن الكلمة ذات أصول لاتينية فليس بوسعنا تأكيدها أو نفيها (3)والقول كذلك بأن الكلمة مشتقة من “الحدس” الكلمة ذات الأصول العربية لا يصمد أمام الوقائع إذ الكلمة لها أصولها الأمازيغية العريقة، والدلالات القائمة للفظة الحدس ( المقدرة الغامضة على المعرفة) لا تقترب بتاتا من دلالات أحيدوس وطبيعته ومقوماته المختلفة.(4) ونستبعد في الوقت ذاته الزعم بأن كلمة ” أحيّذوس” تعني في اللغة الأمازيغية ” الفارس الشرس” (5) إذ لا اساس لها ولا تسندها أية معطيات لغوية أو دلالية في صلب الأمازيغية بالأطلس على الخصوص. ويبدو لي أن هذا النمط من التأويلات أو التفسيرات تضع نفسها بعيدا عن إدراك حقيقة ” أحيذوس” كتجربة جمالية وتعبيرية أمازيغية خاصة وتضع معناه موضع تساؤل مريب.
وفي كل حال فإن ” أحيذوس” ممارسة فنية وطقس(6) خاص يؤدي دوره البارز كمؤشر للعب المنظم ويرسخ جانبا من جوانبه، ومن خلاله حاول الإنسان الأمازيغي قديما استيعاب هذا العالم والسيطرة عليه ،وهو من هذه الزاوية مثقل بكثير من الإيحاءات والإيماءات والإشارات والأصوات والإيماءات والإيقاعات وربما شكل إحدى الصيغ التعبيرية الأولية لدى الإنسان الأمازيغي، فقبل أن يخترع الإنسان الكلام ، كما يقال، لابد أنه رقص، ولهذا سمي الرقص باللغة الأولى للإنسان (7)
وأحيدوس تبعا لهذا كان اللغة الأولى للإنسان الأمازيغي، وهو لا يشكل سياقا تعبيريا يجسد عفوية البوح والإفصاح عن مشاعر وإحساسات شعورية أو باطنية خاصة فحسب، ولكنه أيضا بناء أو لنقل معمار أو تشكيل هندسي، لأن الفعل المقترن به والعالق بطبيعته هو الفعل “إيصْگا” (نصب، نصَّب ،رفع وأقام أو بنى) وهو فعل يفترض الإعداد والتخطيط والتصميم والتركيب والتنظيم، أي أن الأمر يتعلق هنا بفعل أو عمل أو نشاط يتأسس على مجموعة من علائق وترتيبات متشابكة ومتناغمة هي التي تمنحه هويته.
للإشارة فإن حقل توظيف الفعل “إيصكا” تتحصن داخل بعده الدلالي معالم الترتيب والتنظيم والتشكيل الهندسي والمهارة “إيصْكا أخامْ” ( نصب الخيمة) مثلا، إضافة إلى البعد الجمالي الذي يضفي ظلال السمو والتفوق على كل عناصر ومقومات الشكل والمحتوى، فالبناء هنا صيغة من صيغ الإبداع والإتقان والقوة أيضا، وعلى هذا المستوى لا يمكن إدراك أو استيعاب “أحيذوس” خارج هذه الدلالات والجوهر فيها أن الأمر يتجاوز التعبير عن الفرح أو المرح أو السعادة للتعبير عن رؤى وتصورات عريقة وبعيدة كانت لها وظيفتها الثقافية والرمزية في تاريخ الإنسان الأمازيغي.
واقتران الفعل ” إيصكا” بأحيدوس يجعل منه ” واقعة جمالية” تحوي قواعد وضوابط محددة تدرجت عبر التاريخ وتطورت بحسب البيئات التي كان يعيش فيها الإنسان الأمازيغي وبحسب الحالات أو الأوضاع أو المناسبات التي كان يستثمر فيه طقس أحيذوس والغايات الكبرى المضمرة والبارزة التي كان يسعى إليها.
وإذا وضعنا في الاعتبار أن الرقص كان على الدوام ضرورة اجتماعية وكان ينهض بمهمات تنظيم نشاط الإنسان، فإن أحيذوس سيكون الإطار المناسب الخاص لتوجيه ممارسات الإنسان الأمازيغي وحياته استنادا إلى اعتبارات ثقافية متباينة، ولا ريب أنه كان في مراحله البدئية الأولى يتماس ويتداخل مع الممارسات السحرية ووظف لمواجهة الأخطار المختلفة التي كانت تهدد الأنماط البدائية للحياة الاجتماعية للإنسان الأمازيغي ومحاولاته الدؤوبة للسيطرة على الطبيعة وإخضاعها لإرادته ورغباته، ومن ثم يشكل حقل جاذبية خاصة تتجدد باستمرار مع تحولات الواقع والحياة الجمعية، والتصورات الخاصة بالنظام المعرفي الخاص بالمجتمعات الأمازيغية العريقة والأصيلة.
والغالب أنه كان كذلك مظهرا من مظاهر التصدي للطبيعة وسطوة الكون ومواجهة المخاوف التي تحيق بالإنسان الأمازيغي وتهدد وجوده الفعلي، ووظف لاسترضاء القوى الغيبية الرهيبة ومواجهة الأرواح الشريرة وللتزلف والتقرب من الآلهة المفترضين لضمان أسباب العيش الآمن والحماية من قوى الشر والدمار، وكان صيغة أولى للتقديس والتوسل والتضرع ضمن الرؤى التي كان الإنسان الأمازيغي يدرك بها العالم المحيط به.
في خضم هذه السياقات يمكن القول إن ” أحيذوس” بمثابة طقس عبور ومن أبرز الطقوس الانتقالية التي مارسها الإنسان الأمازيغي عبر تاريخه العريق، ولا سيما أن هذا الطقس في تشكلاته الأولية كان يقام عمليا أو يمارس في مواسم أو مواعد ومواقيت محددة، وهي غالبا مرتبطة بتحولات الحياة الرعوية والزراعية وتقلباتها، حيث تقام شعائر الاحتفاء أو الاحتفال بانتهاء الموسم الزراعي وجني وجمع المحاصيل، والاستعداد لاستقبال موسم زراعي ورعوي جديد، واتسع مجال استثماره أو توظيفه مع التطور خارج هذه المواعد.
وبالأطلس المتوسط قبل عقود كانت الاحتفالات الجماعية والفردية وما يرتبط بها من طقوس تقام بعد الانتهاء من جمع المحاصيل الزراعية حيث يلتئم كل أعضاء القبيلة لإقامة هذه الاحتفالات التي قد تستغرق أسبوعا كاملا، وأقل من ذلك أحيانا، وقد اختل هذا النظام الآن بفعل المتغيرات الجوهرية العديدة التي دمرت مظاهر الحياة الجماعية وحطمت عرى القبيلة وأعرافها وقيمها التاريخية والثقافية، ومن الصعب علينا اليوم تحديد منحنى التشكلات أو السياقات الأولى لتطور رقصة أحيدوس، ولكن من المؤكد أنه كان مرتبطا بفعاليات خصب الطبيعة والإنسان وتحدياتهما.
الجدير بالإشارة هنا أن من بين الأنساق الحركية الأخرى التي يظهر أنها ذات علاقة ما، وترتبط بشكل أو آخر بالرقص وتشكلات أحيذوس، ما يعرف بالرقص الجنائزي، وطقس ” أﮜـجْذُور” ( الندب وبكاء الميت مع ما يصاحبه من توجع ونواح ،مع خدش الوجه وتمزيق ملامحه وقسماته)(8) الذي ساد بمناطق الأطلس المتوسط إلى وقت غير بعيد، يجسد في أصله شكلا من أشكال الرقص، وهو طقس يحتوي ردود الفعل الحركية والعاطفية القصوى والهيستيرية للتعبير عن حرقة الفقدان وغياب الأحبة، إنه في تقديرنا أحيذوس الموت لو يجوز التعبير.
والسائد أن تشكيل أحيذوس يقوم على معمار أو شكل خاص هو الشكل الدائري إذ يتناسق شكله العام في إطار دائرة متحركة تتماوج فيها الأجساد التي تشكل حلقاتها، والشكل الدائري على هذا المستوى له دوره الحاسم في هذا الباب وهو إلى حد ما جوهر ممارسة طقس أحيذوس ويستغرق كيانه وهويته الشمولية، والدائرة إحدى الأشكال الهندسية المعروفة في العديد من الحضارات وتكتسب دلالاتها أبعادا رمزية خارج سياقها المرئي، فهي رمز سماوي وسحري وتحيل إلى الكمال وإلى اللانهاية والاستمرارية.
كما تتضمن دلالات التناغم وعدم التناثر أو الانقسام (9) ودلالات الحصانة والمناعة والحماية من الأخطار، واعتمدت منذ القدم كإطار لتنظيم وبناء المدن لدى بعض الشعوب، فالمسرح الإغريقي مثلا كان على شكل دائرة مقدسة وحلقات السحرة في حضارات مختلفة كانت تقام على شكل دوائر صاخبة ومعظم السحرة يومن بالقوة السحرية الفائقة للدائرة (10) وفي ما بعد اكتسبت الدائرة طابعها التقديسي مع الممارسات الدينية خاصة لدى المتصوفة حتى إن رقصة الدراويش الدائرية ” مستوحاة من رمزية كونية، فهم يقلدون دورة الكواكب والأفلاك حول مراكزها بحثا عن الله..”(11)
وعلى هذا المستوى نرجح أن أحيذوس في مراحله الأولى والبسيطة كان يشكل دائرة تتألف من سلسلة طقوس تنهض بدور سحري محدد، وكان أداة تواصل وتفاعل مع الطبيعة والقوى الخفية الكامنة فيها أو الآلهة وكل “الأشياء” التي كان الإنسان الأمازيغي يقدسها ويبجلها ويواجه أخطارها ” فقد تحدث الإنسان إلى آلهته بالرقص وشكرها بالرقص وتضرع إليها أيضا بالرقص”(12).
وأحيذوس كتعبير حركي داخل كيانه الدائري ينهض فيه الجسد وأعضاء الجسد بدور محوري ،حيث تساهم عبر حركاتها في بناء الشكل وصيانته وإضفاء الأبعاد الجمالية الخاصة عليه، إن الأجساد في هذه الحال هي ما يمنح الطقس قيمته التعبيرية ويشحنه بنبض الحياة التي توجهه، وتتناغم حركة الأجساد هنا بشكل فريد حيث الأطراف العليا تتحرك في انسياب وتلقي بإيقاعاتها على الأطراف السفلى، وتتعانق حركة الأكتاف في تموجها وصعودها أو انحدارها مع حركة الأقدام واندفاعها إلى جهات الخلف أو الأمام، ومع حركات الأيدي في وضع انفصالها أو التحامها وتشابكها أو في حال التصفيق، بحيث تنثال الإيقاعات متناسقة ومنسجمة وتتوحد الأجساد كجسد واحد يحصن محيط الدائرة المتحرك،(13).
وتتخلل هذه الحركات والتموجات أحيانا حركات خبط الأرض عبر إيقاع طارئ ينطوي بمعنى أو آخر على مظهر التعلق بالأرض والتشبث بها، ف” الجسد يؤسس علاقته بالأرض عبر القدم، “(14) ولذلك يكتنز خبط الأقدام دلالات عريقة وعميقة ذات أصول سحرية وأسطورية قديمة إن ” الضرب بالقدم يعمل أيضا على استدعاء طاقة شيء معبود، والارتداد بهذه الطاقة إلى الذات، وما يتم تصوره خاصة من خلال خبطات الأقدام …هو استجابة متبادلة بين المؤدي والروح..” ( 15) وفي الغالب فإن مجموع هذه الحركات محملة بانفعالات وأحاسيس حادة تعرض في شكل درامي ذي سحر احتفالي متميز.
هكذا فإن دائرة أحيذوس تشكل ” عالما” خاصا يحمل في صلبه إيقاعات مرئية وغير مرئية تتحكم في الأجساد وترجُّ خوامدها وتفجر سواكنها، هذه الإيقاعات التي تستمد مظاهرها وطبيعتها من خلال التماهي مع حركية الكون والعالم المحيط بالإنسان الأمازيغي وكائناته وما يزخر به من متغيرات شتى، كما تشكل كذلك حصنا متينا يحيل إلى معالم التلاحم والتضامن والإحساس بالانتماء والأمان الجماعي.
وتتنوع حركات الجسد في هذا السياق على نطاق واسع وتتباين صيغها من مكان لآخر ومن مجموعة بشرية أو قبيلة لأخرى، مما يعني ثراء وغنى صيغ وطرائق أداء طقس أحيذوس في كل مناطق الأطلس المتوسط من شماله لجنوبه ومن الشرق إلى الغرب، وتشكل على هذا المستوى تعبيرا ملموسا عن الممارسات اليومية وقيم الجماعات المتوارثة بما تحفل به من تمثلات وتطلعات كما تعكس المشاعر الاجتماعية والوجدان الجمعي الخاص.
وكما أشرنا فإن البدايات الأولى لطقس أحيذوس كانت مندرجة ضمن الممارسات السحرية، وأدى وظيفته في هذا الإطار استجابة لتصورات ومعتقدات خاصة أسطورية وخرافية وسحرية ودينية، وكانت تتخلل إيقاعاته وتشكيلات أدائه المختلفة تراتيل وأدعية وتعاويذ محددة، بحيث غدا طقسا تعبديا ومظهرا أساسيا للحياة الدينية لدى الأمازيغ، تلك التراتيل والأدعية هي التي تحولت إلى أهازيج وجسدت البدايات المتعثرة والمضطربة للإنجاز الشعري وما يتصل به، والتي كان لها دور أساسي في تعزيز بناء أحيدوس وتطوير مناحي أداءاته، ولذلك يمكن القول إن طقس أحيدوس كان الموطن الأكبر ومهد البدايات الشعرية.
هذه البدايات التي كانت تتناسل داخل الإيقاعات المختلفة التي يقوم عليه أحيذوس. والمفترض أن تكون هذه البدايات أول الأمر عبارة عن مقاطع صوتية بسيطة يتم ترديدها بموازاة الإيقاع الخاص لأحيذوس، وتترسخ مع الزمن في الذاكرة الجمعية عبر الدوران على ألسنة الأفراد أو الجماعات.أبرز الإيقاعات التي يقوم عليها أحيذوس يمكن إجمالها كالآتي:
– إيقاع ( آمْسَرَّحْ) ونضع له المقابل العربي ” المستوي” وجذر الكلمة يعود إلى الفعل ” إيسَرَّحْ” بمعنى تحدَّر أو سار في المنحدر(16)، وهو إيقاع بطيء إلى حد ما في امتداد أو انحدار تنهض فيه الأجساد بحركات هبوط وانحدار وصعود متناسق ومتناغم مع الإيقاعات التي تحددها ضربات الدفوف وقد يطلق عليه ” أحيذوس أكسواث” ( أحيذوس الأكبر) (17) ورغم أن إيقاعه يبدو بسيطا وسلسا إلى حد ما ، إلا أنه صعب المراس ولا يكاد ينخرط فيه إلا الأفراد المتمرسون المهرة وذو الخبرة والتجربة في بناء أحيذوس.
– إيقاع ” عوكش” أو ” هوكش” ولعل الاسم تولد عن الأصوات التي تتخلل الإيقاع هنا وتصاحبه مثل : “هوكس/ هوكش” ويتميز بإيقاعاته السريعة والانخراط فيه لا يتطلب المهارة الفائقة كما هو الشأن بالنسبة لإيقاع «آمسرح”.
– إيقاع ” ثامهاوْشث” أو الجذبة وهو إيقاع بطيء وثقيل والغالب أنه يعتمد في حالات خاصة وطارئة ولا يكاد يتجاوزها، حين تنتاب بعض الأفراد مثلا نوبة هيستيرية ورغبة جامحة في الرقص حيث يحاصر داخل دائرة أحيذوس وتحاصر أو بمعنى آخر تدعَّم حركات جسده وانفعالاته بموسيقى قوية تؤجج مظاهر الجذب فيه حتى يشبع رغبته ويسقط بعدها على الأرض مغمى عليه، ويقال إن ذلك يوفر له الأمن والسلامة والاستقرار والصفاء الروحي ويساهم في طرد ودحر الأرواح الشريرة من جسده المسكون.
قد تكون هذه الإيقاعات أو الأشكال عامة، لكن كثيرا من الخصوصيات تتدخل في هذا السياق لتطبع أحيذوس بسمات خاصة وتضفي عليه ألوانا من الفرادة والتميز، ولذلك سنصادف العديد من الإيقاعات في هذا المجال تتباين من موقع لآخر مما يعني أن أحيذوس تتوفر له بنيات خاصة تعبر عن الإشكالات والتقاليد الحيوية لكل مجموعة قبلية.
وكخلاصة إن طقس أحيذوس داخل المنظومة المعرفية والثقافية الأمازيغية بالأطلس المتوسط يؤدي أدوارا رائدة في صون وحماية بعض رواسب التقاليد والأعراف الأمازيغية التي وسمت الصيرورة الحضارية للإنسان الأمازيغي، وهو إحدى البؤر الثقافية التي تتكتل فيه مجموعة من الأدوار الوظيفية وتتقاطع أو تتلاحم في بناء صرح الإبداعات الفنية الأمازيغية، وهو على هذا المستوى له وظيفته الاجتماعية والمعرفية والثقافية والروحية ووظيفته الإبداعية والجمالية، وكل هذه الوظائف متلاحمة ومتداخلة ومتشابكة ولو أن لبعضها طابعه الجزئي’ لكنها جميعها تلتئم ضمن نسيج دائرة أحيذوس باعتباره كلا لا يتجزأ وباعتباره كينا متعدد الروافد والضفاف يراوح عبرها استبطان العالم واكتشافه.
الهوامش:
* كان من المفترض أن يلقى هذا العرض في اليوم الدراسي الذي نظمته “جمعية قدماء تلاميذ مجموعة مدارس مريرت”، يوم 12 مارس 2022.
1- انظر: عبد المنعم الحفني. (سيكولوجية اللعب) موسوعة عالم علم النفس. دار نوبليس. بيروت . المجلد الأول. الطبعة الأولى 2005. ص: 272.
2- سعيدي المولودي: مداخل إلى الأدب الأمازيغي بالأطلس المتوسط. منشورات جمعية أجذير إيزوران للثقافة الأمازيغية. خنيفرا. مطابع الرباط نت. الطبعة ألأولى 2018. ص: 41-42.
3- محمد بايشيت: أحيذوس أمازيغ. فن وتاريخ. مطابع الرباط نت. الطبعة الأولى 2018.ص:16.
4- محمد بورمظان: فن أحيدوس: أوجه التشابه والاختلاف بين قبائل الأطلس المتوسط. جريدة العالم الأمازيغي.29 أكتوبر 2015. وكذلك :حنان النبلي: أحيدوس رقصة امازيغية من الهامش إلى العالمية. العربي الجديد. 17 ديسمبر 2015
5- عماد فواز: أحيدوس رقصة الاعتزاز بالعرص والأرض. جريدة “الوطن” ( القطرية) 09 شتنبر 2016.
6- الطقس:” سلسلة من الحركات تستجيب للاحتياجات الجوهرية، حركات يجب تنفيذها وفقا لتناسق معين”. لوك بنوا: إشارات ، رموز وأساطير. تعريب: فايز كم نقش. دار عويدات للنشر والطباعة. بيروت. الطبعة الأولى 2001 ص:89
7- آية الأتاسي: فلسفة الرقص. القدس العربي. العدد 7935. 22 نونبر 2014.
8- سعيدي المولودي: مداخل إلى ا لأدب الأمازيغي . مرجع سابق ص 43
9- انظر: خليل أحمد خليل: معجم الرموز. دار الفكر اللبناني. بيروت الطبعة الأولى1995. (مادة: الدائرة)
10- انظر: فيليب سيرنج : الرموز في الفن- الأديان – الحياة. ترجمة عبد الهادي عباس. دار دمشق. سوريا. الطبعة الأولى 1992.ص:478 وما يليها.
11- خليل أحمد خليل: معجم الرموز. مرجع سابق.
12- آية الأتاسي: فلسفة الرقص. مرجع سابق مشار إليه.
13- انظر : فاطمة بوخريص. معلمة المغرب. الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر. نشر مطابع سلا. الجزء الأول. مادة : أحيدوس.
14- هيلين توماس .جميلة أحمد: الأجساد الثقافية. الإثنوغرافيا والنظرية. ترجمة : أسامة الغزولي. المركز القومي للترجمة. القاهرة الطبعة الأولى 2010. ص250.
15- هيلين توماس. جميلة أحمد: الأجساد الثقافية… مرجع سابق ص251
16- انظر : المصطفى فروقي: رقصة أحيدوس الأطلس المتوسط: البنيات والدلالات ضمن كتاب : الجبل الأمازيغي. التاريخ. الثقافة ورهانات التنمية. منشورات جمعية أجذير إيزوران للثقافة الأمازيغية. خنيفرا. مطابع الرباط نت.2020. ص: 212.
17- انظر: فاطمة بوخريص: رقصة أحيدوس بين المحلية ودينامية التحول. مجلة ” أسيناك” العدد المزدوج 4-5 .2010.ص: 58.
(°) أستاذ جامعي، فاعل مدني، كاتب وباحث، من أعماله: “بناء القصيدة في شعر سعدي يوسف”، “قصيدة النثر – بحث في الأصول والخصائص”، “مدخل إلى الأدب الأمازيغي بالأطلس المتوسط”، رواية “ثيلوفا”…   
error: