التخييل التاريخي في رواية “المغاربة” لكاتبها عبدالكريم جويطي

  • سكينة الروكي (°)
تزايد الاهتمام بالحقل السردي، ولعب فيه أهل الاختصاص دورا كبيرا، إما تأليفا، أو نقدا، أو تحديدا للخلفيات الإبستمولوجية التي تبناها البعض لرسم كلمات قصته أو روايته في قائمة المحترفين، والأول يحيل على الروائي عبد الكريم جويطي، معلمة رامزة تعكس انفرادها شكلا ومضمونا، اشتغالا وتنزيلا، إنه تشييد تأليفي جعله لا يستثنى من حلقة الكبار الذين اشتغلوا على السرود تأليفا، ليشكل تجانس كل هذه الميكانيزمات تناغما وسم سردياته بالجمالية.
عملت في هذه القراءة على عرض أهم النقاط المتوصل إليها في دراستي الموسومة بــ “التخييل التاريخي في رواية المغاربة للكاتب عبد الكريم جويطي”، وهي رواية حاصلة على جائزة المغرب للكتاب، اللائحة الطويلة لجائزة البوكر العربية سنة 2017، ونشر المركز الثقافي العربي نسختها الأولى سنة 2016.
ظهرت في بداية العصر الحديث مجموعة من الأشكال السردية والتعبيرية، وتعد الرواية شكلا أساسيا عبر عن فئة اجتماعية معينة، وواكب الإبداع نظريات حاولت دراسة الأنماط السردية التخييلية التي تحيلنا على مفهوم المتخيل في علاقته بالأجناس الأدبية التي لا تخرج عن سياق محاكاة عالم المثل حسب تعبير أفلاطون، وهو عالم منزه عن الأعراض الحسية، ومنه فـكل نوع أو جنس أو أي شيء في الوجود المحسوس له ما يطابقه أو يتطابق معه في عالم المثل أي الإيدوس، الذي هو عالم الوجود الحقيقي، وبين التخييل الذي لا يغدو إلا محاكاة لعالم آخر إدوسي، والرواية جنسا مصورا مفصلا” ازداد الوعي بالحاضر، الذي فرض الاهتمام بالتاريخ، بوصفه الحاضر أو تاريخ الحاضر” (1).
ونلمس هذه الرؤية واضحة جلية في رواية “المغاربة” عبر تصوير الواقع التاريخي بأسلوب فني حقق الترابط المنهجي والاتساق والانسجام الفكري بين مختلف المعارف، وبما أن مجالات اشتغال التاريخي متشعبة، والعوالم التي يعنى بها “العمل السردي، هي دائما عوالم زمانية” حسب تعبير بول ريكور؛ فإننا سنركز على الذاكرة التي ” بواسطتها يستطيع الباحث دراسة الظواهر والنصوص والمؤرخ تدوين ما يعتبره وقائعا وأحداث” (2)…
هي تأسيس جعل صور الرواية تتطابق مع “الإحالة على الأشياء الماضية التي مازالت موجودة في الذاكرة لحل الالتباس” (3)، الحتمي الذي فرضه الواقع الاجتماعي والسياسي السائد في فترات زمنية معينة استدعاها السارد فنيا عبر تذكر الأحداث التي عايشها في زمن الماضي وضبطها في مسار استرجاعي يوحد الحيوات ويجعلها متداخلة وهامة، لكن ساعة الحسم فيها قد فات أوانه.
يقر السارد بفاعلية التاريخ وقدرته على رسم مسار الإنسان، يقول “من يملك القدرة على تغيير أحداث وقعت؟ الله سبحانه، وفي نواميسه التي يجري بمقتضاها الكون”، (4) وبين ذاكرة الماضي، وراهنية الحاضر، الحتمية والرغبة في الاستدراك، يكون التاريخ قد رسم وجوده المنقضي الذي لا سبيل لملامسته وتغييره، وعليه، فزمانية التذكر تتوافق وإلى حد كبير مع الحاضر، هو توافق حاصل بالقوة إحالة على الأشياء الملتبسة.
وبين الذاكرة والتذكر، نجد الأولى تتلاعب بالماضي وتخلط أحداثه لتصنع أشخاصا غرباء يشبهوننا لكنهم يختلفون عنا، وربما يكونون نفس الفكرة، يقول السارد” أرى أحداثا تافهة تكبر وتصير هامة، ولا أجد بداخلي أي أثر لأحداث كنت أعتقد أنها حاسمة في حياتي، أراها مثل حفرة ذرة تعرض لصاعقة مدمرة، لم تترك فيه إلا بعض الأعواد المتناثرة، لم أكن أعيش في الزمن بل الزمن كان يعيش بداخلي، وها هو يندلق كمصاريف كرش مبقورة لا أعرف مبتدأه ولا خبره” (5).
ويضيف: “أرى بأن الذاكرة تتلاعب بالماضي وتعمل خلاطتها في أحداثه، وتصنع في النهاية شيئا غريبا، أرى في إنسانا يشبهني وتذكرني حياته بحياتي، وبأشياء عشتها لكنها تفتقد الكثافة أو الخفة التي كانت تنعكس بها في سريرتي” (6)، وهنا تغدو الذاكرة لا اللواء الذي تنتظم تحته الحقائق ، بل المفهوم الذي يكرس الحقائق التاريخية والتمثلات التي بواسطتها تنتج المعرفة و يتصرف فيها.
وعلاوة على الذاكرة الذاتية التي أرخت متحف صور أعرب عن كنه الحقائق من منظور تخييلي، تلعب الذاكرة التاريخية الجماعية في الاتجاه الجانبي، هي تلك التي عبرت عن ثقافة الأمة، ومنه فإن سردية التاريخ الثقافي حاضرة، تشكيلا وفاعلية، قلبا وقالبا، مبرزة سلطة المعتقد الثقافي، من خلال تصوير أجواء مواسم الأولياء وكتائب الجذابة، والتأثير الروحاني الذي تمارسه أجساد الجاذبين حول قبب الأولياء، واللغة الصوفية العاكسة للولاء..
إنه المعمار الذي أرخ له السارد مبينا التأثير النفسي الذي غاص به في دهاليز الخوف والضياع برعب المشاهد، وتسليم جيل بأكمله بواقعية المقدس، الذي يمارس إوالية الفرح الفطري من جهة، ويعكس الرعب من عالم الخوارق التي تمارس فعل السحر من ناحية أخرى.
وتأسيسا للتأثير الجماعي الغريب الذي يخلقه الجذابة في نفسيات شخصيات مأزومة اجتماعيا وثقافيا، نجد النبش في الموروث الثقافي المادي فيه ما يضمد الجراح تطبيبا بالدم، الذي يحمل دلالة رمزية كثيفة الدلالات، ويظهر هذا جليا في صورة تمريغ الجذابة وجوههم في دم الثور الأسود، واشتهائهم له هدية دامية تحقق الخلاص وتبلغ المؤجل.
نضيف، في الآن نفسه، بأنها تعبر عن أفعال طقوسية للموسم الصوفية عبر تعايش الشعائر الإسلامية والممارسات والمعتقدات الشعبية لطرد الأرواح الشريرة.
ويزداد الوعي بالتاريخ في الرواية من خلال تصوير سردية سلطة الدولة، وسردية الذات الغيرية التي عبرت عن قساوة المجتمع، من خلال شخصية الأخ العسكري والصحراوي والسارد محمد الذين واجهوا العدو.
إن ما يمكن أن نؤكد عليه هو أن الروائي عبد الكريم جويطي قد كان فطنا في نقل أحداث الماضي والتعبير عنها في قالب تخييلي سلس قوامه البناء الرصين للمعارف، وأساسه الغوص في استنطاق الحقائق، ليعرب تجانس كل ما سبق عن تحقيق شعرية السرد التاريخي ذي الوظيفة الأدبية الجمالية عبر الاهتمام بالرواية لا باعتبارها أدبا كائنا (être) بل باعتبارها خطابا يحاول أن يتكلم” (7).
ومن ثمة تتحقق الشعرية بمفهومها العام الشامل لكل ما ينتجه الإنسان، أي “استعمالها العام الذي لا يتعلق بمجموعة قواعد ولا بفن الشعر” (8)، وبمعناها الإبداعي الذي يجعل من عمل ما عملا إبداعيا (شعريا – سرديا) يوصل الأمانة سواء أكان هدفها الخير أو الشر في سياق جمالي يبحث عن الخصائص المجردة للرواية التي ما انفكت تعالج قضية الأنا والآخر في جدليتهما مع التاريخ.
الهوامش:
  • جورج لوكاتش، الرواية التاريخية، ترجمة صالح جواد الكاظم، دار الشؤون الثقافية، ط1، 1982، ص7
  • جمال بندحمان، من التمثل إلى التاريخ: أفق سيمياء منفتحة، أمل التاريخ، الثقافة، المجتمع، مطابع الرباط نت، 2018، ص16،17
  • بول ريكور :الحبكة والسرد التاريخي، ص33.
  • عبد الكريم جويطي المغاربة، المركز الثقافي العربي، ط4، 2019، ص 9.
  • عبد الكريم جويطي المغاربة، ص 9.
  • عبد الكريم جويطي المغاربة، ص 9
  • عثماني الميلود: شعرية تودوروف، عيون المقالات للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1999، ص18.
  • المرجع السابق
(°) طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية /جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال
error: