بَعْض الْمُقَوِّمَاتِ الْحَدَاثِيّةِ لِلشِّعْرِ الْأَمَازِيغِيِّ: دِيوَانُ “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس أُنْمُوذَجاً

  • د. محمد أمحدوك (°)
     الملخّص:
عمّر الشّعر الأمازيغيّ المغربيّ طويلاً داخل الشّكل الشّفويّ باعتباره فنّاً للقول الهوياتيّ. وقد توارثَه الأمازيغُ جيلاً بعد جيلٍ، واستوعبتهُ ذاكرتهم استيعابها للكلام المقدّس. ويمثّل بمنطقة الأطلس المتوسّط (أو فَازَازْ) تجسيداً لفسيفساء البيئة المحليّة بخصُوبتها وعُذُوبتها وتنوّعها، ويشكّل عبر تجلّياته المختلفة أفقاً مفتوحاً على نسيج التّاريخ واحتفاءً بالحياة الجماعيّة والارتباط العضويّ بنواميسها وطُقُوسها الكُبرى. 
ومن هذا المنطلق، كان له في الجهة الأطلسيّة وزنه وقيمته الكبيرة في الحفاظ على اللّغة الأمازيغيّة، إذ كان وما يزالُ معجمُه اللّغويّ محمولاً وحيّاً متداولاً في أفواه الشّعراء على إيقاعاتٍ مختلفةٍ من حيث الأنساق وطرائق النّسج الدّلاليّ، بما يذكّر بالشّعر الملحميّ عند اليُونان، الّذي تداخلت فيه الرّواية التّاريخيّة بالبوح الشّخصيّ.
وقد عرف في العقود الأخيرة ديناميّةً كبيرةً وحركةً غير مسبوقةٍ اتّسمتْ بظهور أسماء بشّرتْ بالتّجديد، ولوّحتْ بتجربةٍ يراد لها أن تنخرطَ في سياق التّحديث الّذي يرتبط في الشّعر الأمازيغيّ بالانتقال من الشّفويّ إلى المكتوب، لأنّ فعلَ الكتابة في اللّغة الأمازيغيّة يتجاوز كونه فعل تدوينٍ أو حفظٍ للموروث المحلّيّ إلى كونه فعلاً تثويريّاً لبنيات الثّقافة الأمازيغيّة. ولذلك تأتي هذه الورقة لتُسلّطَ الضّوء على جانبٍ مهمٍّ من مقوّماته الفنّيّة الحداثيّة، شكلاً ومضموناً، استناداً إلى الدّيوان الشّعريّ “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهدَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإنْسَانِ) لبلعيد بودريس.
تقديم:
يعدّ الشّعر أقوى الأجناس الأدبيّة وأعرقها في تاريخ الفكر الأمازيغيّ، ومن أقدمِ الفنونِ الأدبيّة وأكثر وسائل التّعبير انتشاراً وتداولاً في البيئة الأمازيغيّة (مولودي، 2006، صفحة 71)، فهو ديوان الأمازيغ (إِيمَازِيغْنْ) الّذي يعبّر عن همومهم، ويترجم أحاسيسهم، ويصوّر أنماط عيشهم، وفيه يصوغ الشّعراء (إِنْشَّادْنْ، أو إِمْدْيَازْنْ، أو إِمَارِيرْنْ) عواطفهم وانطباعاتهم وأفكارهم وتصوّراتهم للحياة في قالبٍ فنّيٍّ يجمع بين جزالة الكلمة، ورصانة المعنى، وعمق الدّلالة، وبلاغة الأداء، وجماليّة اللّحن.
وقد لقيَ، تاريخيّاً، عنايةً كبيرةً من الأمازيغ، حيث ثبتَ قبل دخولهم الإسلام “أنّهم كانوا ينظمون الملاحم على عهد الرّومان، ويسجّلون فيها بُطُولاتهم ويمتدحون بما عندهم من أمجادٍ” (الجراري ع.، 1971، صفحة 137). وازدهرَ أيضاً حتّى بعد مجيء الإسلام؛ إذ عثر محمّد المختار السّوسيّ على ملحمةٍ شعريّةٍ أمازيغيّةٍ تصف فتح إفريقيّة، وتُشيدُ بشهامة القائد عبد اللّه بن جعفر (السّوسيّ، 1959، صفحة 120). كما كان له بعد ذلك دورٌ مهمٌّ وتأثيرٌ كبيرٌ على النّفوس؛ حيث ذكر ابن خلدون أنّه احتلّ في عصره مقام الصّدارة في الحروب قائلاً: “يتقدّم الشّاعرُ عندهم أمام الصّفوف، ويتغنّى فيحرّك بغنائه الجبال الرّواسي، ويبعث على الاستماتة” (ابن خلدون، 1965، صفحة 258).
وتتمتّع الإنجازات الشّعريّة الأمازيغيّة بثراءٍ كبيرٍ من حيث اتّساع مجال ممارستها وتنوّع وسائل أدائها، إنْ على مستوى توظيف اللّغةِ أو استثمار عناصر التّخييل أو التّصوير. ومن هذا المنطلق، كان للشّعر الأمازيغيّ في الأطلس المتوسّط وزنه وقيمته التّاريخيّة الكبيرة؛ حيث اكتسى خلال مرحلة الاستعمار طابعَ الإثارة والحماسة لاسترجاع الأرض من المستعمر الفرنسيّ، بينما عالج بعد الاستقلال جلّ القضايا الثّقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة المحلّيّة والوطنيّة.
فإلى الشّاعر أو “أَمْدْيَازْ” يعود الفضل الأكبر في الحفاظ على اللّغة الأمازيغيّة وعناصر الثّقافة المحليّة من خلال حرصه الدّائم على انتقاء كلماته من القاموس الشّعريّ الأصيل، وعبر الزّيّ التّقليديّ الّذي ما انفكّ يرتديه في كلّ مناسبةٍ وحينٍ. وإليه يرجعُ أيضاً فضل ترسّخ جانب ٍكبيرٍ من الهويّة الأمازيغيّة بما تحمله أشعاره من قيمٍ محدّدةٍ للإنسان الأطلسيّ في علاقته مع الذّات والطّبيعة والآخر.
غير أنّ وضعه الحالي أصبح يطرح ضرورة البحث في الشّعر الحديث، والحرص على التّعريف به وجمعه ودراسته وتحليله، وتهيئة الأسباب الّتي تضعه في المكانة السّامقة الّتي يستحقّها، وهي من بين الغايات المنشودة من كتابة هذه الورقة. لا سيّما أنّ السّاحة الأدبيّة الأمازيغيّة باتت تعرف في السّنين الأخيرة ديناميّةً كبيرةً تجلّتْ معالمهَا في تنامي الوعي بأهمّية الفعل الإبداعيّ الشّعريّ بالأَمَازيغيّة، وتحقيق نوعٍ من التّراكم إنتاجاً وطبعاً ونشراً لتثبيت أسُسه ومبادئه وتجاوز وصمة الشّفَويّة المرتبطة به.
ونتوقّف في هذه الدّراسة عند بعض السّمات الكُبرى المحدّدة للتّجربة الشّعريّة الأمازيغيّة الحداثيّة بالأطلس المتوسّط، لنبسط جوانب من مقوّماتها الشّكليّة والمضمونيّة، استناداً إلى ديوان بلعيد بودريس “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَدَات فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) الصّادر سنة 2015م، كما نتوخّى تحديد بعض أنماط الْقَوْلِ الشِّعْرِيِّ الْأَمَازِيغِيِّ الْأَطْلَسِيِّ، باعتبارها مرتكزاتٍ أساسيّةً قامت على هديها هذه التّجربة الإبداعيّة.
  1. أَنْمَاطُ الْقَوْلِ الشِّعْرِيِّ بِالْأَطْلَسِ الْمُتَوسِّطِ
قبل تحديد طبيعة الأنماط الشّعريّة الأمازيغيّة المتداولة بالأطلس المتوسّط والوقوف على أبرز خصوصيّاتها الدّلاليّة والفنّيّة، نعمل أولاً على استجلاء بعض السّمات الطّبيعيّة والسّكّانيّة المميّزة لهذه البقعة الأمازيغيّة الأطلسيّة.
  • مَفْهُومُ الْأَطْلَسِ الْمُتَوَسِّطِ
الأطلس المتوسّط منطقةٌ جبليّةٌ وسط المغرب، سمّيت كذلك لارتفاعها وموقعها. تضمّ حواليْ خُمس المساحة الجبليّة بالبلد وخُمس ساكنة الجبال بكثافة سكّانيّة معدّلها 47 نسمة / كم2. وتشملُ عدداً كبيراً من الأقاليم والعمالات، منها خنيفرة، والحاجب، وصفرو، وإفران، وبولمان، وتازة… وتمتدّ من الشّمال الشّرقيّ إلى الجنوب الغربيّ على مسافة 250 كم، وعلى مساحة تقدّر ب 40000كم2. مناخها شبه رطبٍ، شتاؤه رطبٌ وباردٌ، وكثيراً ما تتساقط بها الثّلوج. تسود الأنشطةُ المرتبطةُ بالغابة وتربية الماشية المرتفعات، بينما توفّر المناطق السّهليّة ظروفاً مواتيةً للرّعي؛ إذ تنتشرُ فيها الشّجيراتُ والحشائش والأعشاب. وأمّا الزّراعات المسقيّة، فتمارس داخل المنخفضات وأودية سبو وأمّ الرّبيع، ومن ثمّ فالمنطقة فلاحيّةٌ نشيطةٌ، لكنّها تعرف أيضاً تحوّلاتٍ عميقةً (بريان و آخرون، 2006، الصفحات 203 – 204).
ويتميّز الأطلس المتوسّط عن الرّيف شمالاً بضعف كثافته السّكانيّة، ويختلفُ عن الأطلس الكبير بكون ساكنته لم تعرف الاستقرار إلّا حديثاً. ورغمّ أنّ طبيعته الجغرافيّة ليست مهمّةً من حيث عدد السّكّان، إلّا أنّها أصبحت اليوم فضاءً أساسيّاً بالنّسبة للاقتصاد الوطنيّ، لأنّها تتوفّر على العديد من الإمكانات الطّبيعيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة الّتي شُرع في توظيفها. لا سيّما أنّ بها مسالك عبورٍ أساسيّةٍ في اتّجاه واحات الجنوب، وكذا بسبب تزايد استثمارات ساكنة المدن. وهو ما جعل جبال الأطلس المتوسّط في السّنين من أكثر الجبال استغلالاً في المغرب (بريان و آخرون، 2006، الصفحات 203 – 204).
  • أَنْمَاطُ الْقَوْلِ الشِّعْرِيِّ الْأَمَازِيغِيِّ الْأَطْلَسِيِّ
يتميّز الشّعرُ الأمازيغيّ بالأطلس المتوسّط بتعدّد أنماطه وتنوّع أشكاله حسب بنية المتن الإبداعيّ، ومناسبة إلقائه، وطبيعة موضوعه… وهو ما يؤكّد الثّراء والغنى الّذي يتمتّع به هذا المنجز الأدبيّ على مستوى توظيف اللّغة أو استثمار عناصر التّخييل أو التّصوير… ورغم ذلك يمكن وضع إطارٍ عامٍّ لحركة انتشار السّلالات الشّعريّة في هذه الجهة الأطلسيّة.
ونستعيرُ هنا لفظ السُّلالات لأنّها، في تقديرنا، الأبلغ والأقدر على احتضان الأبعاد الدّلاليّة للنّتاج الشّعريّ الأمازيغيّ بالمنطقة؛ إذ لا يتأتّى تحديدُ أيّ نوعٍ من هذه الأنواع الشّعريّة القائمة خارج الوشائج البنائيّة أو الموضوعاتيّة أو علاقات القرابة الّتي تصله بالأنواع الأخرى الّتي تنأى عنه بالمغايرة، لا سيّما أنّ تحته تسلسلاً وقواسم مشتركةً تقع على هذا المستوى أو ذاك في مواقع أقرب للفعل المتسلسل أو الأداء المتعاقب، وهو ما يسمح بالقول إنّ بناء الأنواع الشّعريّة بالأطلس المتوسّط يقوم على عناصر وقواسم مشتركةٍ تبدو معها كتلةً متداخلةً ومترابطةً لا تقبل الانفصال أو التّجزئة… (مولودي، 2018، الصفحات 35 – 36)
ويمكنُ تقسيمُ هذه السّلالات الشّعريّة وفق التّوزيع الاصطلاحيّ التّاليّ: “أَفْرَّادِي”، و”إِيزْلِي”، و”تَامَاوَايْتْ”، و”تَايْفَّارْتْ”. ويضُمُّ هذا التّوزيعُ ثنائيّةً تقابليّةً واضحةً: اصطلاحان منهما يحملان دلالاتٍ تحمل على “القوّة الذّكوريّة” (أَفْرَّادِي وإِيزْلِي)، واثنان يحيلان على “القوّة الأنثويّة” (تَامَاوَايْتْ وتَايْفَّارْتْ)، وهو مَا يؤشّر لسياق تصادمٍ أو تقابلٍ أو تكاملٍ يحافظ على وجوده بما يسمّى “تطابُق الأضداد” أو تعالقها (مولودي، 2018، الصفحات 35 – 36). فضلاً عن أنماطٍ محلّيةٍ أخرى مطبوعةٍ ببعدٍ مناسبتيٍّ موسميٍّ أو ثقافيٍّ، مثل: “أَهْلّْلْ”، و”تَامْنَاضْتْ”، و”تَاغُونِي”…
  • أَفْرَّادِي (ج. إفْرَّادِييْنْ): نمطٌ شعريٌّ معروفٌ عند السّاكنة المحيطة بسهل “ملويّة” بالأطلس الكبير الشّرقيّ وجنوب الأطلس المتوسّط. ويبدو أنّه لغةً مشتقٌّ من لفظٍ عربيٍّ تمّ تمزيغُه (تكييفُه مع اللّسان الأمازيغيّ)، ليحيلَ على الدّلالة العدديّة (الفرد أو المفرد)، ولو أنّ بعض أصوله المعنويّة توجدُ في الثّقافة الأمازيغيّة؛ حيث يرتبط مثلاً بِ “إِفْرْدْ”، وهو دالٌّ لغويٌّ يطلقُ على ولد المعز (الجدي) “إيغْدْ” أو “إِغْجْدْ”، الّذي يستطيع بعد ولادته تحقيق نوعٍ من الاعتماد على الذّات، فيمتلك القدرة على الرّعي استناداً إلى إمكاناته الذّاتيّة وكفاياته الخاصّة،
  • وهو حال هذا النّمط الشّعريّ الأطلسيّ الّذي يستمرّ وجوده في الذّاكرة المحليّة بعد ولادته في استقلالٍ تامٍّ عن باقي أجزاء القصيدة الّتي قد ترد معه. ويوجد أيضاً طائرٌ في الفضاء الأطلسيّ يطلق عليه “إِفْرْدْ / ج. إِفْرْدِيوْنْ أو إِفْرْدْنْ” (الدّيك الحبشيّ)، الّذي يُستعارُ اسمُه في التّداول الشّعبيّ الأمازيغيّ للدّلالة على السُّرعة والخفّة، وهما خصيصتان لصيقتان أيضاً ب”أَفْرَّادِي”؛ حيثُ يُنظَمُ غالباً في بيتٍ شعريٍّ واحدٍ، ويتّسمُ بالاختزال وتكثيف المعنى، لأنّهُ يرتبطُ بمناسبةٍ معيّنةٍ أو بواقعةٍ محدّدةٍ، ويُلقى بتلقائيّةٍ وعفويّةٍ نادرتين، إلى حدّ يمكنُ القولُ معه إنّهُ يعادلُ القصيدة التّامّة في قيمته الجماليّة والأدبيّة. وقد يكون هذا النّمط الإبداعيّ أصل باقي الفنون الشّعريّة الأطلسيّة الأخرى وأصل الشّعر الشّعبيّ المغربيّ المعروف ب”المفْرّْد” الّذي عرّفه عبّاس الجراري بقوله: “ميزانٌ قديمٌ لعلّ قصائد الملحون كانت تنشد عليه في القديم” (الجراري، 1978، صفحة 40).
          ويعتبر “أَفْرّادِي” من الزّاوية الاصطلاحيّة شكلاً شعريّاً غنائيّاً يتألّف عادةً من جزأين مُتساويين إيقاعيّا؛ إذ يقوم على أبياتٍ من شطرٍ واحدٍ أو شطرين أو على بيتين مزدوجين لا يستقيمُ المعنى إلّا بهما، ويتمّ الوقوف عند نهاية أوّلهما قبل استئناف دورة الإيقاع الّتي تنتهي بنهاية الشّطر، ويكون فيه المعنى تامّاً، بحيث يتكامل أو يتعانق الشّطران ليجسّدا معاً هذا المعنى ويؤسّسانه. ويسهلُ قرضُهُ عندما يكون الشّاعر وسط احتفاليّة الأعراس، ولذلك يرتبط كثيراً في المنطقة بفنّ “أَحِيدُوسْ”. ويعتمد غالباً على الرّمز والإيحاء وعمقِ المعاني، ولا يستوعبه إلّا من خبر الكلمة الموزونة المعبّرة. كما يتعلّقُ بشكلٍ كبيرٍ بظاهرة النّقائض؛ إذ تأتي “إفرّادِييْنْ” في الغالب لتردَّ على “إفرّادِييْنْ” آخرين.
  • إِزْلِي (ج. إِزْلَانْ): مصطلحٌ يحيلُ على المقطعِ الشّعريّ المغنّى، سواء كان قصيدةً واحدةً أو مقطوعاتٍ شعريّةً قصيرةً، كما هو الحال في نمط “تِيقْسِّيسِينْ” (1)، يقوله الشّاعر ويردّده الآخرون تبعاً لإيقاعه على شكل أهازيج. وهو نمطٌ قد تقابله في اللّغة العربيّة تسمية “البيت الشّعريّ”، يعتمد على تجميعٍ ارتجاليٍّ لأبياتٍ متعدّدةٍ قد لا تكون بينها روابطُ عضويّةٌ، ولذلك كثيراً ما يتعذّر على المنشد أن يعيد “النّصّ” نفسه بذات الأبيات وذات التّرتيب (أزروال، 2004).
  • وتكاد أغلب الإبداعات الشّعريّة المتعلّقة به تنسب للمجهول، رغم أنّ مبدعه فردٌ واحدٌ، إلّا أنّ الذّاكرة لا تحتفظُ إلّا بالملفوظ، فيقول اللّسان الأمازيغيّ: “إِنَّا بُو يْزْلِي” (قال صاحب البيت الشّعريّ)، وكأنّ الأمر يتعلّق بِتَبَنٍّ جماعيٍّ للإبداعات الشّعريّة، تُنْسَجُ من خلاله ذائقةٌ نوعيّةٌ تعبّر عن الاتّفاق الجماعيّ الضّمنيّ حول المعايير النّقديّة الّتي تجعل من أحد “إِزْلَانْ” رائعاً والآخر أقلّ روعةً.
ويعتبر “إِزْلِي” أكثرَ المفاهيم انتشاراً في الدّراسات والأبحاث الّتي اهتمّتْ بالشّعر الأمازيغيّ، حيث غطّى على باقي الفنون الأخرى واستغرقها، وهو ما خلّف نوعاً من الاضطراب في التّحديدات الّتي وضعت له، فَهو:
  • “أبياتٌ متفرّقةٌ تخضعُ للوزن ولا تهتمُّ بالقافية” (أمرير، 1987، صفحة 98).
  • “عبارةٌ عن قطعٍ غنائيّةٍ قصيرةٍ لقصر أبياتها يغنّيها أَمْدْيَازْ متفرّقةً على جملٍ موزونةٍ ومشطّرةٍ دون تقفيةٍ” (شفيق م.، 2000، صفحة 25).
  • “يتكوّن من بيتين اثنين ولازمة” (بن عبد الجليل، 1978، صفحة 55).
  • “شعرٌ مصحوبٌ بالعزف يردّده إردّادن بعد المغنّي أو في حلقات أحيدوس بالأطلس المتوسّط، ويتكوّن إِزْلِي من بيتين أو أربعةٍ فقط” (مجاهد، معلمة المغرب، 1989، صفحة مادة أمارك).
  • عبارةٌ عن مقطعٍ شعريٍّ قصيرٍ ذي إيقاعٍ موزونٍ مجزّإٍ إلى شطرين، يقابله في القصيدة العربيّة البيت الّذي يتكوّن من صدرٍ وعجزٍ” (أمصحو، 2013، صفحة 25).
يتّسم “إِزْلِي”، إذنْ، بكونه أبياتاً (أبياتاً متفرّقةً، أو أبياتاً شعريّةً، أو أبياتاً متعدّدةً…)، أو نمطاً من القصائد (قصيدة قصيرة، أو قصيدة مختزلة…)، ومقطعاً شعريّاً (مقطعاً شعريّاً قصيراً، أو قطعاً غنائيّةً قصيرةً…)، وشعراً (مقطعاً شعريّاً، أو شعراً مصحوباً بالعزف…)، وأغنيةً (عبارة عن قطعٍ غنائيّةٍ، أو شعرٍ يردّده المعيدون بعد المغنّي…). وهو البنية المشتركة بين أشكالٍ شعريّةٍ وغنائيّةٍ أمازيغيّةٍ متعدّدةٍ، والأقرب للتّدليل محلّياً على مفهوم “الأغنية”، كما تتداول شعبيّاً.
ويأخذ مصطلح “إِزْلِي” في لغة “القبائل” الجزائريّة معنىً آخر يرتبط كثيراً بالغناء، فهو: “قصيدةٌ قصيرةٌ سداسيّةٌ غالباً تُتداول في أوساطٍ نسويّةٍ… ولكن قبل أن يستقرّ المصطلح على هذه الدّلالة كان يعني على الأرجح الشّعر المغنّى أو المؤدّى وفق طبع الغناء الشّعبيّ المحلّيّ” (بوحبيب، 2013، صفحة 338). وتذهبُ تسعديت ياسين إلى القول إنّ “إِزْلِي” كلمةٌ جذرها «زَلْ» بمعنى غنّى أو أنشدَ، وهو فنٌّ شعريٌّ شفويٌ أمازيغيٌّ، و”إِيْزَلانْ” هي قصائدُ شعرٍ غزليّةٌ قصيرةٌ مصحوبةٌ بالموسيقى تنشدها في الأعراس غالباً النّسوة وأحيانا الشّباب في بلاد القبائل وبلاد الطّوارق، وهي أيضاً إنشادٌ يرافق المرأة في كلّ أعمالها (Tassadit, 1990, pp. 15 – 30).
  • تَامَاوَايْتْ (ج. تِيمَاوَايِينْ): وتسمّى أيضاً “لْمَايْتْ (ج. لْمَايَاتْ)”، مصطلحٌ شعريٌّ أمازيغيٌّ أصله من الأطلس المتوسّط، جاء على وزن الصّفة المشبّهة باسم الفاعل من الفعل (يِيوِي) بمعنى “أَخَذ”، و”الأَخْذُ” في التّداوُل الأمازيغيّ يستعملُ مجازاً للتّدليل على التّنقّل في المكان: “يِيوِي ابْرِيدْ” (أَخَذَ الطّريقَ). وبهذا المعنى يكون المقصود منها ذلك الشّعر المختصر الّذي يرافق المسافر (بشكلٍ عامٍّ)، و”يأخذ” به الطّريق. وتحيلُ دلالتهُ المعجميّة إلى “الرّفيقة” أو “المرافِقة” أو “أغنية المسيرة” الّتي تصاحب المسافر عبر الجبال والوهاد، والرّاعي في المجالات الرّعويّة الفسيحة،
  • وكلّ إنسانٍ منفردٍ عن القوم، يشعر بالوجد والفقد والشّوق، وتشجيه الوحشة، فيُطلقُ العنان لحنجرته عبر التّموّجات الصّوتيّة الرّنّانة، ويصدحُ متغنّياً بفقرةٍ من نظمه أو نظم غيره، مادّاً لكلّ نغمةٍ أكثر ما يمكن المدّ، فتردّد الجبال والغابات صَداها، وتوصلها إلى صاحبها الّذي يردّ عليها بعد ذلك. فهي إذنْ عبارةٌ عن محاورةٍ شعريّةٍ مرتجلةٍ ورسالةٍ مشفّرةٍ بين طرفين، وكثيراً ما يتحاورُ عبرها فتيان قريةٍ وفتياتها في المواسم أو الأعراس. وتأخذ “تَامَاوَايْتْ” في الدّلالة الاصطلاحيّة بعداً تشكيليّاً شعريّاً يتميّز بخصائص إيقاعيّةٍ وموسيقيّةٍ ودلاليّةٍ معيّنةٍ، فتأتي في شكل أبياتٍ مستقلّةٍ من شطرين إلى ثلاثة أشطرٍ أو “بيتٍ شعريٍّ واحدٍ يغنّيه من وهبه اللّه صوتاً مؤثّراً، وقد يُغنّى هذا النّوع لتسلية النّفس في الوحدة والعمل” (أمرير، 1987، صفحة 87).
          وتقع “تَامَاوَايْتْ” من حيث لفظُها بين الشّعر والنّثر، لأنّ الشّاعر الأمازيغيّ حرٌّ في التّقفية أو عدم التّقفية، غير ملزمٍ بإتيان الرّويّ (شفيق م.، 2000، صفحة 99)، فتنشدُ بشكلٍ فرديٍّ، تتمازج فيه العاطفةُ بالتّناوب بين مشاعر الفرح والمعاناة. ويدور غالباً موضوعُها حول تيمةٍ عاطفيّةٍ، أو قضيّةٍ من القضايا المتعلّقة بالحياة اليوميّة، يرخي فيها الشّاعر أو المغنّي العنان لتأمّل الطّبيعة عبر صوتٍ طويل النّفس، تظهر فيه براعته وحسنُ صوته… ولعلّ أهمّ ما يميّز “تَامَاوَايْتْ” أنّها تردّد بشكلٍ عفويٍّ وبصوتٍ عالٍ جدّا يُسمع دويّه في الجبال. ولذلك فهي أقربُ صوتيّاً ودلاليّاً من مفهوم “الموال” العربيّ، باعتباره نوعاً من الغناء يرتكز على مقطعٍ واحدٍ يردّد مراراً.
          وفي مقابل “أَفْرَّادِي” المرتبطِ بالطّقس الجماعيّ، تحتفظ “تَامَاوَايْتْ” بكينونتها الإبداعيّة الفرديّة على مستوى طبيعة الأداء. ولعلّ من أشهر الأسماء الّتي أدّت هذا اللّون الشّعريّ المتميّز بالمنطقة “يامنة ن عزيز”، و”حمّو واليزيد”، و”بنّاصر وخويا”، و”الشّريفة كْرسيت”…
  • تَايْفَّارْتْ (ج. تِيفْريِنْ): تطلقُ في اللّغة على القيد أو الغلّ أو العقال الّذي يربط قوائم الدّابّة. وباعتبار النّظم الّذي يشبه الحلقة المتسلسلة، تطلق كنايةً على الأبيات المترابطة معنىً ومتناً. وفي الاصطلاح هي نمطٌ شعريٌّ يعادل مدلول القصيدة، ويأخذ شكل متتالياتٍ من الأبيات، ذات خصائص شكليّةٍ وبنائيّةٍ متعلّقةٍ بقيودٍ ومواصفاتٍ خاصّةٍ تستحثّ قدرات الشّاعر وإمكاناته ومهاراته، مثل: الوحدة الموضوعيّة، والالتزام بالإيقاع المحدّد، وتدفّق مستوياتها، وتوظيف الصّور والأخيِلة… وقد تتّخذ طابعاً حواريّاً فيشترك في إلقائها أكثر من شاعرٍ. كما أنّ أوزانها كثيرةٌ ومجالات الإبداع فيها متعدّدةٌ بتعدّد الشّعراء والأغراض.
وشعر “تايفّارت” جنسٌ أدبيٌّ قديمٌ في منطقة “فَازَازْ” (الأطلس المتوسّط)، حيث يرجع أصلهُ إلى جذور الحضارة الأمازيغيّة الّتي تعود إلى أزيد من ثلاثين قرناً، ينشده الشّاعر وهو يقف وسط الجمهور، ومعه “إِرْدَّادْنْ” (الْمُرَدِّدُونَ) يعيدون البيت الشّعريّ الأخير من القصيدة.
وتتداولُ في منطقة الأطلس المتوسّط أنماطٌ شعريّةٌ أخرى كثيرةٌ، غير أنّها أقلّ انتشاراً من أنماط القول السّابقة، ومن أهمّها:
  • أَهْلّْلْ: قصيدةٌ ذات أبعادٍ روحيّةٍ ودينيّةٍ وقيميّةٍ تتشكّل من ثلاثة مقاطع رئيسةٍ: المطلع، والقلب أو الموضوع الأساس، والخاتمة. لا تزال متداولةً في المنطقة، ولها آثارٌ في الجنوب الشّرقيّ المغربيّ أو ما يسمّى “أَسَامّْرْ”.
  • تَامْنَاضْتْ (ج. تِيمْنَاضِينْ): يعرفُ هذا النّمطُ كثيراً بصيغته الجمعيّة “تِيمْنَاضِينْ”، وهو من بين الإيقاعات ذات الحمولة الشّعريّة الفيّاضة، بالنّظر إلى طبيعته الرّومانسيّة والانسيابيّة، حيث يعكس حال النّفس وما تعانيه من غربةٍ وشوقٍ وحبٍّ… ولكنّه قد يوظّف أيضاً في فنّ “النّقائض”، فيخال المتلقّي نفسه أمام عراكٍ مفتوحٍ بالنّار والحجر. وتدلّ التّسمية (تَامْنَاضْتْ) في اللّغة على المجال أو النّاحية أو الجهة، كما قد تدلّ على التّراشق، وكثيراً ما تنقلب فيها اللّام نوناً “تِيمْلَاضِينْ”، ويقصد بها “المقْذُوفَاتُ”، في إشارة إلى المقارعة والسّجال الشّعريّ. وهي فنٌّ شعريٌّ يعتمد الحواريّة بوصفها شرطاً ضروريّاً لاكتمال مقوّماتها الفنّيّة؛ إذ لا تتجسّدُ إلّا في شكل حوارٍ أدبيٍّ راقٍ ومبارزةٍ فنّيّةٍ إبداعيّةٍ بين شاعرين.
  • أَزْدَّايْ: ومعناه “الْمُمْتَدّ” أو “الرَّابِط”، وهو نمطٌ شعريٌّ قلّما تناولته الدّراسات الأمازيغيّة الحديثة، يعتمد على ترديد الكلمات الأخيرة من كلّ شطرٍ، ويستند غالباً إلى الامتدادات الصّوتيّة لإظهار مدى الانسجام الإيقاعيّ بين الشّعراء.
  • وَارُّو: شعرٌ نسائيٌّ خالصٌ يتزامن إلقاؤهُ مع تخضيبِ أيدي العرسان بالحنّاء أو مع مقدم موكب هديّة العريس للعروس، أو ما يسمّى “تَارِيكْتْ”. ويَشتَرِكُ في ذلك مع أنماطٍ شعريّةٍ أخرى كلّها نسائيّةٌ، كَ “أَبَاغُورْ”، وهو شعرٌ تُعَدّدُ فيه محاسن العروس وفضائلها، و”أَزّنْزِي” أو شعر “التّبكير” الّذي يلقى احتفالاً بمقدم العروس إلى بيت زوجها، وإن كان الاختلاف بينها واضحاً على مستوى التّيمة والمناسبة والوزن الشّعريّ.
  • تَاغُونِي (ج. تِيغُونِيوِينْ): نمطٌ فنّيٌّ يطلق في اللّغة على الأحاجي، ويأخذ شكل أشعارٍ ملغّزةٍ تنغلقُ على المتلقّي، وينتظر منه أن يفتحها.
          ولأنّ الشّعر لا يفارق الإنسان الأطلسيّ، تُتداولُ في المنطقة أيضاً أنماطٌ شعريّةٌ كثيرةٌ ترتبط بالأعمال اليوميّة والموسميّة، وهي ما يعرف ب “إِزْلَانْ نْ تْوُورِيوِينْ” (أَشْعَارُ الْأَعْمَالِ)؛ حيث نجد شعراً خاصّاً بكلّ عملٍ يزاوله أو مناسبةٍ يحتفل بها، ونذكر من ذلك: شعرَ النّسج (تَامْدْيَازْتْ نْ وزْطَّا)، وشِعرَ الحرث (تَامْدْيَازْتْ نْ تْكْرْزَا)، وشِعرَ الحصاد (تَامْدْيَازْتْ ن تْمْـڴـرَا)، وشعرَ الدّرس (تَامْدْيَازْتْ نْ ورْوَا)، وشعرَ الطّحْن (تَامْدْيَازْتْ نْ يِيزِيضْ)، وشِعرَ الأطفال أو الأناشيد (تِيزْلَاتِينْ أو تُورَارِينْ)، وشِعرَ الختان (تَامْدْيَازْتْ نْ تْسْكْرَاوْتْ)…
  • فِي مَفْهُومِ الشِّعْرِ الْأَمَازِيغِيِّ الْحَدِيثِ
لمّا كانت علاقة الشّعر بالمجتمع علاقةً جدليّةً تفرضُها مقوّمات النّشأة والتّطوّر داخل الوسَط الّذي ينتمي إليه الشّاعر، فقد فرضت التّحوّلات المجتمعيّة المستجدّة ظهور نوعٍ جديدٍ من الالتزام بالأوضاع الاجتماعيّة والسّياسيّة وانصهار الشّاعر في مجتمعه وانشغاله بقضاياه الّتي تعدّ جزءاً من يوميّاته الطّبيعيّة؛ ولو أنّ هذا المفهوم البسيط للالتزام قديمٌ قدمَ الأدبِ ذاته. ولذلك، كان الشّاعرُ الأمازيغيّ الحديثُ، بحكم موقعه الاجتماعيّ والأدبيّ، مدعوّاً إلى متابعة هذه الصّيرورة ومعايشتها وتأريخها.
ولعلّ أبرز ما حرّكه، إضافةً إلى وعيه بأهمّية الكتابة لحفظ الأدب الأمازيغيّ وتطويره، التّأكيد على إمكانيّة كتابة الأمازيغيّة، فضلاً عن تجاوُز التّقاليد الشّفويّة المتراكمة؛ إذ تشكّل كتابتها، في حدّ ذاتها، تحديثاً لها، ولهذا يُعَدُّ شعرُهُ في نصوصٍ كثيرةٍ تدويناً، بما هو نقلٌ للشّفويّ وتسجيل ٌكتابيٌّ له، أكثر ممّا هو كتابةٌ، بوصفها نمطاً إنتاجيّاً أدبيّاً لا يعتمد العفويّة والارتجاليّة والتّلقّي المباشر، بل يستدعي التّوقّف والتّأمّل والنّقد.
و يعرفُ هذا النّوعُ من الشّعر باصطلاحاتٍ كثيرةٍ، من بينها: “أَمَارْݣ اتْرَارْ”، و”تَامْدْيَازْتْ تَامَايْنُوتْ”، و”إِزْلَانْ يتْرَارْنْ”، و”أَسْفْرُو اَتْرَارْ”… وقد ظهر مع شعراء أمازيغ تأثّروا بالثّقافات الغربيّة من فرنسيّة وإسبانيّة وإيطاليّة وإنجليزيّة… بعد دراستهم لآدابها واطّلاعهم على قيمها الحضاريّة، وتأثّرهم بمذاهبها الفكريّة والفلسفيّة ومدارسها الشّعريّة من واقعيّة وانطباعيّة ورمزيّة… ومن ثمّ يمكن تلمّس بعض ملامح ظاهرة “المثاقفة الأمازيغيّة” (l’interculturalité amazighe) من خلال هذا الإبداع الأدبيّ في غير وجهٍ وظاهرةٍ أدبيّةٍ وقيميّةٍ وسلوكيّةٍ أمازيغيّةٍ، وهو ما يجعلنا، بصورةٍ ما، أمام تيّاراتٍ إيديولوجيّةٍ جديدةٍ تنامت مع الفكر اليساريّ والجذريّ (أرجدال م.، 2016، الصفحات 53 – 55).
 وإذا كان “أَمْدْيَازْ الكْلَاسيكيّ”، الّذي كان يسمّى “بُوغَانِيم” (صاحب القصبة) بالأطلس المتوسّط، يجوب القبائلَ ناظماً الشّعر، معرّفاً به وبقبيلته، في أوزانٍ تتكوّن من أجزاء تعرفُ ب”تَالَالَايْتْ”. وكانت قصيدتهُ “تَامْدْيَازْتْ” تتمفصلُ إلى أربعة مفاصل كُبرى متمايزةٍ ومتكاملةٍ:
  • المقدّمة: تحمل بعداً دينيّاً يمهّد به الشّاعر للموضوع من خلال: المناجاة، طلب التّوفيق، التّغنّي بقدرة اللّه وصفاته…؛
  • حسنُ التّخَلّص: مرحلةٌ تستغرق بيتاً واحداً أو أكثر يحرص فيها الشّاعر على الدّخول لجوهر الموضوع بشكلٍ سلسٍ وغير مباشرٍ.
  • الْمَتنُ: هو الموضوع الأساس للقصيدة، ويتراوح غرضه بين المدح والهجاء والغَزَل والوصف والإخبار والحكمة وفن النّقائض… ويمثّل الجزء الهيكليّ والجوهريّ الّذي يبسط فيه الشّاعر قوله. وغالبا ما يتكوّن من مقاطع “إِڴــضْمَانْ (ج. أَڴــطُّومْ)”، تتضمّنُ لازمةً شعريّةً “تَالَّاسْتْ”، يردّدها المنشدون “إِرْدَّادْنْ” أو “إِمَالَّاسْنْ”.
  • الْخَاتمةُ (القفْلَة): نهايةٌ شبيهةٌ بالمقدّمة الدّينيّة، تكون غالباً امتداداً للمتن بحُكْمٍ أو استدراكٍ لما لم يُقله الشّاعر أو إحالةٍ إلى أمورٍ أخرى لم تختمر بعد لتكون موضوع إنتاجٍ شعريٍّ لاحقٍ.
  فإنّ “أَمْدْيَاز الحديث” أو “أَنْضَّام” أو “أَنْشَّاد” لم يعد ذلك الشّاعر الجوّال بين مختلف ربوع الوطن، بقدر ما بات ملازماً للمجال الجغرافيّ الّذي ينتمي إليه، مستقرّاً بين أهله ومتفاعلاً معهم. ومن ثمّ بات الشّعر الأمازيغيّ الحديث يحيل على كلّ ما أنتَجه “أَمْدْيَازْ” من كلماتٍ ذات حمولاتٍ ومعانٍ رمزيّةٍ في لحظةٍ معيّنةٍ، وكتبه ليقرأه غيره، ويستفيد من تجربته الحياتيّة وخبرته الأدبيّة، ولعلّ أبرز ما تميّزَ بهِ انتقاله من الشّفاهَة إلى الكتَابة. ويمكنُ التّأريخُ لبدايته الفعليّة بسنة 1976م، حين أصدر محمد مستاوي ديوانه الفرديّ الأوّل “إسْكْرَافْ” (القيود)، على الرّغم من تأخّره على بعض المبادرات الجماعيّة والمتمثّلة في ديوانيْ “أَمَانَارْ” (النّجم السّاطع) الّذي جمعه أحمد العسري أمزال سنة 1968م، و”إيمُوزَّارْ” (الشّلّالات) الّذي أصدرته الجمعيّة المغربيّة للبحث والتّبادل الثّقافيّ سنة 1974م.
وقد انطلقت أغلبُ النّصوص الحداثيّة من تقليد القديم ومحاكاته، واجترار موضوعاتٍ اجتماعيّةٍ وتصوّراتٍ “كليشيهاتيّةٍ” كونيّةٍ ترى في الماضي أنموذجاً أخلاقيّاً مفقودًا وفي الحاضر انحطاطاً وتردّياً كبيراً، وهو ما ترتّب عنه جمود القارئ وعدم شعوره بالتّغيّر الجذريّ أو القطيعة بين ما كتب في بعض هذه القصائد، وما ألفته الأذن لدى الشّعراء الكلاسيكيّين، لا سيّما أنّ الاختلاف ليس واضحاً تماماً إلّا على مستوى بعض المضامين كمعالجة بعض القضايا الإنسانيّة والثّقافيّة، وفي مقدّمتها القضيّة الأمازيغيّة الّتي بات الوعي المرتبط بها يندرج في إطار خطابٍ حقوقيٍّ ونسقٍ فكريٍّ حداثيٍّ (أوسوس، 2010، صفحة 42).
ولذلك اشتغلت القصيدة الأمازيغيّة الحديثة على توظيف العقل للحدّ من جموح الخيال، فانفتحت على ما تقدّمه القصيدةُ المعاصرةُ من مساحاتٍ أخرى للتّعبير والتّناول، وما تتيحه من تكسيرٍ للأوزان، ولكن ليس بطريقةٍ فجّةٍ مبتذلةٍ. وقد عالجت هذه القصائد بالأطلس المتوسّط موضوعاتٍ مختلفةٍ، مسّت قضايا الإنسان الأطلسيّ، وعبّرت عن التّناقضات الّتي يحفلُ بها واقعُه والأحلام الّتي تُراودُه.         
ويمكنُ تقسيم الشّعر الأمازيغيّ الأطلسيِّ، في هذا الإطار، إلى صنفين: شفويّ ومكتوب، يندرج ضمنهما تصنيفٌ آخر تقليديّ وحديث، غير أنّه يستعصي التّنقّل بين الصّنفين وتحديد زمن الانتقال بسلاسةٍ. وقد تكون فترة ظهور المنشورات الشّعريّة الأولى في المنطقةِ بداية تحديثِ هذا الشّعر، بيدَ أنّ الزّمن الّذي يمكن الاتّفاقُ عليه كإحداثيّةٍ للانتقال الفعليّ هو ظهور ديوان الشّاعر أحمد أوعتيق “أَسْكُّونْ وسَّانْ” سنة 2000م، لتتوالى بعد ذلك الإصدارات: “إِنُوزَارْ” (الْأَمْطَار) سنة 2007م للكبير الغازي، و”إِصْفْضَاوْنْ” (الْمَشَاعِل) سنة 2009م، و”إِسَافّْنْ نْ وكضْرُورْ” (أَنْهَارُ الغُبَارِ) سنة 2016م للمصطفى سرحان، و”إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (نَظَرَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) سنة 2015م لبلعيد بودريس، و”أَنْزكُومْ نْ ومَاتَا” (هَمُّ الْأَغْلَبْيَّةِ) سنة 2020م، و”يُولِي -دْ وَاسّْ” (طَلَعَ النَّهَارُ) سنة 2021م لمحمّد الغاوزلي، و”أَرْ مِي؟” (إِلَى مَتَى؟) سنة 2020م للحاج امدياز…
وبانتقال الشّعر الأمازيغيّ الأطلسيّ من الشّفاهة إلى الكتابة، ارتاد آفاقاً جديدةً، وإن كانتْ بعضُ النّماذجِ الشّعريّة المكتوبة ما تزالُ متأثّرةً بالبعد الشّفهيّ على مستوى الشّكل والإيقاع، حيث تتبنّى ميزان “تَالَالَايْتْ”، وتعتني بالصّور الممتاحة من التّراث الشّعريّ الكلاسيكيّ، وتستكينُ إلى الوصف المادّي والطبيعيّ. ومن ثمّ مبعث وشرعيّة السّؤال: إلى أيّ حدٍّ تتمثّل قصائد ديوان بلعيد بودريس “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣانْ” (نَظَرَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) مقوّمات الحداثة الشّعرية الأمازيغيّة؟
  • خَصَائِصُ التَّجْرِبَةِ الشِّعْرِيَّةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ الْحَدِيثَةِ بِالْأَطْلَسِ الْمُتَوَسِّطِ من خلال دِيوَانِ “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (نَظَرَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس (2).
كان الشّعر الأمازيغيّ وما يزال “هوس” الأمازيغ، وقد استلهموا أولى إرهاصاته من معهد الطّبيعة الفطريّة بقوّة إحساسهم ورهافته وحدسهم المتّقد بجماليّة الكون الثّريّ بالشّاعريّة. ومن ثمّ كان الشّاعر “أَمْدْيَازْ” ركيزةً أساسيّةً في الثّقافة الأمازيغيّة وبوصلةً ترصدُ الأحداث، وتساهمُ في ترتيبها وتشكيلها. وذلك من خلال اضطلاعه بمجموعةٍ من الأدوار والوظائف: كالوظيفة الدّينيّة؛ حيثُ كان يقوم بمهمّة الوعظ والإرشاد، وعرض الأفكار الدّينيّة وشرحها على ضوء اكتسبه من مجالسته للخطباء والأئمة، والوظيفة التّعبيريّة، ما دام المعبرّ الصّادق عن آلام وآمال القبيلة؛ إذْ كانت له شخصيّةٌ كاريزميّةٌ خارقةٌ تستميلُ قلوب المستمعين وتؤثّر فيهم. فضلاً عن الوظيفة الإعلاميّة، لأنّه اللّسان النّاطق والمخبر عن مختلف القضايا المرتبطة بقبيلته ومجتمعه ووطنه، والوظيفة الحماسيّة؛ إذ كثيراً ما كان يشحذ الهمم ويحمّس المتلقّين للإقبال على فعلٍ أو اتّخاذ ردّ فعلٍ.
وقد انتبهت سُلطات الحماية لهذا الدّور الخطر، فحاولت التّضييق عليه، وخلقت صنائع من أشباه الشّعراء (ڴـارْ يمْدْيَازْنْ) الّتي لا تتعرّض لممارساته الاستعماريّة بالنّقد والمقاومة. ولم يشذّ الشّعر الأمازيغيّ الحديث بالأطلس المتوسّط عن ذلك؛ إذ التصق بالهموم المستجدّة بالإنسان الأمازيغيّ في المنطقة، فجسّد بالملموس، وفق رؤيةٍ فنّيّةٍ وتعبيريّةٍ حداثيّةٍ، التّقاطعَ الواضحَ مع قضاياه في كلّ وقتٍ وحينٍ.
وللوقوف على بعض مقوّماته التّجديديّة، شكلاً ومضموناً، نرصُد في هذه الورقة جانباً من الملامح الأساس الّتي وسمت التّجربة الشّعريّة لبلعيد بودريس، وجعلتها تنهض بدورٍ بارزٍ في الدّيناميّة الكبيرة الّتي بات يعرفها الشّعر بالمنطقة. وقد وقع اختيارُنا على هذا الشّاعر لما لمسناه لديه من طرائق جديدةٍ في كتابة القصيدة الأمازيغيّة وآليّاتٍ مغايرةٍ في إنتاج المعنى. 
  • قِرَاءَةٌ مَنَاصِّيَّةٌ لِ “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣــانْ” (مُشَاهَدَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس
ننطلقُ في تناولنا لهذا الدّيوان من النّص الموازي، أو ما يسمّيه جيرار جينيت (Gérard Genette) بالعَتبات، لأنّه يمثّلُ امتداداً للمضامين الدّاخليّة، ومنفذاً يتيح العبور إليها واقتحامها. لا سيّما أنّ أسئلة الضّفاف والتّخوم الدّاخليّة وفجواتها النّاطقة والصّامتة، ومعطياتها اللّغويّة وغير اللّغويّة الّتي تحيط بالمنتج النّصيّ، وتترابطُ معه بشكلٍ عضويٍّ، جوهريّةٌ ومحايثةٌ لإنتاج المعاني والدّلالات؛ ممّا يستدعي البحث في علاقاتها ووظائفها وقيمها الجماليّة والدّلاليّة والرّمزيّة.
وأوّل ما يستوقفنا من المناصّات العنوان، وقد كتب باللّغتين الأمازيغيّة والعربيّة بخطٍّ مضغوطٍ، وباللّون الأزرق. كما جاءت ترجمته على القياس نفسه والتّوازي ذاته بين صفحتي الغلاف الأماميّة والخلفيّة. وإذا كان اختيار العنوان في التّجربة الشّعريّة الأمازيغيّة الحديثة ليس أمراً بريئاً، بل يروم إلى إبلاغ رسائل معيّنةٍ إلى المتلقّي، فإنّنا نتساءل كيف يشتغل هذا المكوّن الميثانصّيّ بوصفه ميسماً دالّاً على المحتوى الجوهريّ لمتن بلعيد بودريس؟ وإلى أيّ حدٍّ يكثّف مضمونه ويختزل ما فصّله محتواهُ؟
لعلّ الوظيفة الأولى للعنوان “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) هي وظيفة التّسمية، لأنّه يخصّ عموم المتن الّذي جمعه الشّاعرُ دون غيره. وإذا بحثنا عن سبب اختياره والدّلالات الّتي يتضمّنها، فلا مرية أنّه يشكّل نقطةً أوّليّةً للتّعريف بالنّص والإسهام في فكّ رُمُوزه وإثارة شهيّة القارئ، فهو يندرج في إطار التّشويق (بارث، 1996، صفحة 16)، وليس مجرّد إعلانٍ خارجيٍّ عن ديوانٍ شعريٍّ؛ إنّما هو الجسر المعلّق الّذي يربط القارئ بالنّصّ، أو لنقل إنّه عقدٌ وميثاقٌ غليظٌ يقدّمه الشّاعر للقارئ ويتواطأ معه عليه، بوصفه قيمةً دلاليّةً وشفرةً يستفتح بها الدّيوان، ومن ثمّ يفسّره بها، أو يسائله عنها (أزروال و الحمداوي، 1997، صفحة 50).
وتأتي عناية بودريس بالعنوان من كونه مفتاحاً قرائيّاً يسهم في كشف مجاله المعرفيّ وطبيعة موضوعه ووسيلةً لإثارة الانتباه. وقد جاء “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) في صيغة مركّبٍ إسناديٍّ (جملة اسمية مبتدؤُها “مُشَاهَدَاتٌ” وخبرُها شبه جملةٍ متعلّق بالجار والمجرور “فِي حُقُوقِ”، و”الْإِنْسَانِ” مضاف إليه)، زادته التّرجمة الأمازيغيّة بخطّها الجميل البارز إثارةً وتشويقاً.
ولا يفصح العنوان عن دلالاته دفعةً واحدةً، حيث تضطلع عبارة “مُشَاهَدَاتٌ + حُقُوق الْإِنْسَانِ” بوظيفة التّجنيس الأدبيّ للعمل المعروض للقارئ، فترسم له إطاراً تقنيّاً لتلقّي المتن المقترح من الشّاعر، وهو “منتخباتٌ شعوريّةٌ” انتقاها بحسّه المرهف في صورةٍ أشبه ب”ألبوم صورٍ” مرتبطةٍ بمناسبةٍ أو “تيمةٍ” واحدةٍ هي “حقوق الإنسان”. وليس مصادفة أن يأتي هذا العنوانُ موشّحاً باسم “بلعيد بودريس”، لأنّه يرمي إلى استثمار سلطته المعرفيّة والرّمزيّة لإقناع المتلقّي بجذوره وجدواه، كما يأتي اسمه، بوصفه محدّدا للنّصّ، معرّفاً بقيمته الأدبيّة و”رأسماله الرّمزيّ” حسب تعبير بيير بورديو (Bourdieu (P.)).
يقع هذا الدّيوان في واحدةٍ وسبعين (71) صفحةً من القطع المتوسّط، ويتألّف من اثنتين وأربعين (42) قصيدةً تختلف طولاً وقصراً. وقد نشر عن مطبعة المعارف الجديدة بالرّباط سنة 2015م. ويقدّم الشّاعر فيه عملاً متفرّداً، يختلف عمّا قدّمه شعراء الأطلس المتوسّط السّابقون؛ حيثُ كانت معظم التّجارب السّالفة تنزع إلى تقديم علاقة الشّاعر بالشّعر، وتطوّرات تفاعل الشّاعر مع شعره إدراكاً وإبداعاً ونقداً… بينما يستجمعُ ديوان بودريس خبرة الحياة والنّموّ والتّعرّف والاكتشاف، وهي الخبرة الّتي راكمها لعقودٍ طويلةٍ في درب النّضال والدّفاع عن حقوق الإنسانِ، وتحملُ في أحشائها إلماحاتٍ كثيرةٍ تشكّل ذات الشّاعر، فضلاً عن إرهاصاتٍ تخلقُ منه الفنّان والمبدع.
وتأتي صورة ظهر الغلاف، باعتبارها إحدى العتبات الحداثيّة البارزة الّتي تشيرُ إلى الموضوع، وليست مجرّد زخرفةٍ وتنميقٍ أو حذلقةٍ زائدةٍ، بل تدعمُ أفق انتظار القارئ، وتتكاملُ مع بقيّة العتبات لإثارته واستجْلَاب اهتمامه، وهي بذلكَ تعرّفه به وتقرّبه منهُ. فيصيرُ حينها أمام نصٍّ بصريٍّ لا يعتمد على الكلمات والمفاهيم، بل يعتمدُ أشكالاً وألواناً تتناغم في إطار لوحةٍ فنّيةٍ تعبق إيحاءاتٍ ودلالاتٍ ورموزاً؛ فأرضيّةُ الغلاف صحراء قاحلةٌ ترتفعُ منها أيادٍ بألوانٍ مختلفةٍ تستغيثُ نجدةً وتصرخُ ألماً، وتطالبُ بالمساواة، والعدالة، والرّفاهيّة، والسّلام، والخير، والتّقدير… بتنوّعاتٍ خطّيّةٍ ثُلاثيّةِ الأبعَاد: عربيّةٍ ولاتينيّةٍ وتيفيناغ المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة.
وفي شموخٍ وكبرياءٍ، تتسامى وسطَ اللّوحة نخلةٌ رغم قُحُولة الأرض وجفاف التّربة، بما يوحي بوضعيّة اللّغة الأمازيغيّة عموماً، وواقع الإنسان الأمازيغيّ الأطلسيّ خصوصاً، وما يحاك ضدّهُما من مؤامراتٍ ودسائس، وما يعيشَانه من هشاشةٍ وإقصاءِ وتهميشٍ. وبذلك تدعو صورة الغلاف، بطريقةٍ غير مُشفّرةٍ، إلى الإنصات لهذا الإنسان المناضل بطبيعته، والمؤمن بالتّعدّد اللّغويّ والثّقافيّ والسّياسيّ، وهو يلهجُ بكلّ اللّغات الّتي يتواصل بها، وتبقى السَّمَاء الزّرقاء الصّافية وحدها الحارس الحفيظ والقادر على نجدته.
وفي ذلك دعوةٌ مباشرةٌ إلى بناء المستقبل بالانفتاح على الماضي واستيعاب خصوصيّات الحاضر ومفارقاته. وقد يكونُ بلعيد بودريس أحسنَ الاختيار بتصديره للدّيوان بهذا المشهد، لأنّ الصّورة تعلق في ذاكرة المتلقّي ومخيّلته، فليس من رأى كمن سمع، وقد قيل في الخبر: يؤخذُ باللّحْظِ ما لا يؤخذُ باللّفْظِ.
وفي السّياق ذاته، تحضر العناوين الدّاخليّة للدّيوان، وهي من المداخل الّتي تجعل القارئ يمسك بالخيوط الأوليّة والأساسيّة لموضوع الإصدار؛ إذ تتضافر مع موادّ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، باعتبارها موضوعاً غير مطروقٍ صراحةً في الشّعر الأمازيغيّ قديمه وحديثه، إضافةً إلى التّوزيع الطّباعي ونمط الكتابة واللّغة المستعملة، لتعلن في جوهرها عن المضامين الّتي تتضمنها كلّ قصيدةٍ على حدةٍ. ولا شكّ أنّ نظرةً سريعةً على المتن تشير إلى أنّه حافلٌ بالقصائد الّتي تنهضُ على النّزعة القوميّة والخطاب الجمعيّ المندرج ضمن أبعاد “البراديغم الحقوقيّ”، مثل قصائد: “مَا يْرِيغْ؟” (مَاذَا أُرِيدُ؟)، و”أَيْدّا نُو دْ تِيدِي” (نَصِيبِي وَالْعَرَق)، و”أَدْرَارْ دْ يزْدَارْ” (الْجَبَلُ وَالسَّفْحُ)…
وننتقي، في هذه الدّراسة، بعضَ الأسطر على شكل “إِزْلَانْ” لاستجلاء مدى حضور البعد الحداثيّ فيه، والوقوف على بعض مقوّمات التّجربة الشّعريّة الحداثيّة بمنطقة الأطلس المتوسّط، من حيث مميّزاتها وخصائصها الشّكليّة والمضمونيّة، مع اقتفاء آثار الكلمات والمصطلحات الّتي ترسُمُ الوقائع والمحتويات المستجدّة في هذا المنجز الشّعريّ. لأنّ شاعرنا قد يومئ بها في موضعٍ، وقد ينحو إلى التّصريح بها في موضعٍ آخر؛ ولو أنّ الشّعر، في المقام الأوّل، انزياحٌ وإيحاءٌ وإيماءٌ.
2-3- بَعْضُ الْمَلَامِحِ الْحَدَاثِيَّةِ فِي الْقَصَائِدِ الأمَازِيغِيَّةِ الأَطْلَسِيَّةِ: دِيوَان “إِسْكْسِيوْنْ ڴْ يزْرْفَانْ نْ وفْــانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس أُنْمُوذَجاً
لقد عمل الشّعْر الأمازيغيّ الحديثُ بالأطلسِ المتوسّط، بوصفه إبداعاً جديداً، على التّحرّر من النّمط الإنتاجيّ القديم، ليستجيبَ لمطلب الحفاظ على اللّغة الأمازيغيّة بالمنطقة، من خلال الاعتماد على الكتابة، وإعمال طاقة التّوليد في المعجم والمصطلح، والإبداع في الأخيِلة والصّور… وقد لا تختلف هذه الطّاقة “المستجدّة” عمّا هو مألوف في الشّعر العالميّ، غيرَ أنّ اللّغةَ الأمازيغيّة بالمنطقة لم “تُتَحْ” لها فرصة الانتقال إلى المرحلة الكتابيّة إلّا في السّنوات الأخيرة.
ولم تتحوّل من الاهتمام الفرديّ الحرّ إلى الاهتمام المؤسّسِي العامّ إلّا في بداية القرن الواحد والعشرين، حيث باتتْ تُكتَب القصائدُ الأمازيغيّة الأطلسيّة بأنماطٍ كتابيّةٍ مختلفةٍ. في الوقت الّذي تجنّد فيه المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة في سبيل وضع أبجديّةٍ موحّدةٍ، وإملاءٍ مقنّنٍ، وصولاً إلى لغةٍ موحّدةٍ ومُمَعيرةٍ، ودعم الإبداعات الفرديّة وتشجيعها (3).
وبناءً عليه، شهدت السّاحة الأدبيّة الأمازيغيّة بالأطلس المتوسّط حركيّةً واسعةً استهدفت تحقيق تراكمٍ نوعيٍّ في ميدان الطّبع والنّشر، لتجاوز وصمة الشّفويّة المرتبطة بها، ما دامَ فعل الكتابة في الأمازيغيّة يتجاوز كونه فعل تدوينٍ أو حفظٍ للموروث الثّقافيّ إلى كونه فعلاً تثويريًّا لبنيات الثّقافة الأمازيغيّة برمّتها (عصيد، 1992، صفحة 135). فظهرت نُخبةٌ من الشّعراء جعلت من الكتابة أداةً محوريًّة لتحديث اللّغة والأدب الأمازيغيّين. وقد طال هذا التّحديث الإبداع الشّعريّ، فعرفَ ثورةً كبيرةً على مستوى الشّكل والمضمون، وأصبحت القصيدةُ الأمازيغيّةُ الحديثةُ بالأطلسِ المتوسّط تتميّز بمجموعةٍ من الخصائص الشّكليّة والمضمونيّة.
1-2-3- الخصَائصُ الشّكْليّةُ لِلْقَصِيدَةِ الْأَمَازِيغِيَّةِ الْحَدِيثَةِ:
          لعلّ من أبرز الخصائص الّتي تنهض على البعد الشّكليّ في القصيدة الأمازيغيّة الحديثة بالأطلس المتوسّط:
  • تَجَاوُز القَالبِ الشِّعْرِيِّ الْكلَاسِيكِيّ: من خلال الإبداع في قوالب مستحدثةٍ مستوحاةٍ من الشّعر العالميّ، وتحاشي النّظام التّقليدي القائم على: المقدّمة، وحسن التّخلّص، والمتن، والخاتمة؛
  • الاعْتِمَاد عَلَى الْكِتَابَةِ بَدَلَ الشِّفَاهَةِ: لَمّا كان أغلبُ المنجز الإبداعيّ الشّعريّ شفويّاً، فهو منذورٌ للتّلف والضّياع، ومن هنا كانت دعوة التّيار الحداثيّ ملحّةً للكتابة وتضافر الجهود والإمكانات المادّيّة والمعنويّة، حتّى يعرف هذا الكنز الثّمين من الموروث الثّقافيّ طريقه إلى الاهتمام والتّدوين.
  • مَحْدُوديّة عَدَدِ أَبْيَاتِ الْقَصِيدَةِ الْحَدِيثَةِ وَقِلَّةِ مَقَاطِعِهَا: قد يكون السّبب في ذلك عدم القدرة على صقل التّجربة الشّعريّة والتّمتّع بقريحةٍ إبداعيّةٍ منتجةٍ، وميل الجيل الجديد إلى السّرعة على مستوى الإلقاء والتّلقّي.
  • غِيَاب نِسْبيّ لِلِعُنْصُرِ الإيقَاعِيِّ: تميلُ “تَامْدْيَازْت تَاتْرَارْتْ” أو القصيدة الأمازيغيّة الحديثة بالأطلس المتوسّط إلى كَسْر الأوزان الكلاسيكيّة وتغييب المحدّدات التّقنيّة والضوابط الموسيقيّة، لأنّ الشّعراء الأطلسّيين الحداثيّين يعتبرون كسر قيود الإيقاع التّقليديّ وتجاوُز الأوزان الكلاسيكيّة جزءاً من مشروعهم التّجديديّ.
  • ومن ثمّ لا يشكّل فيها الرّويَ شرطاً ضروريّاً، وكثيراً ما يأتون بذيل المقطع محذوفاً دون أن يؤثّر على تقفية بعض الأبيات بحرف الوصل (ي) و(ا) كي تتناغم لحظة الإلقاء. وقد يعمد بعضهم إلى استثمار إمكانات تماثل الحروف إمتاعاً للعين، واستغلال طاقات التّجانس الصّوتيّ إمتاعاً للأذن، والاستفادة من تدفّق وانسيابيّة الكلمات على الصفحة لخلقِ إيقاعٍ بصريٍّ إضافيٍّ، والتّحرّر من سلطة أذن السّامع وإكراهات الغناء.
  • وتأسيساً على ذلك، لم تنظم القصائد الحديثة ليغنّيَها “الرّوايس” أو “الشّيُوخ” أو غيرهم ممّن يخرج النّصوص إخراجاً غنائيّاً. لأنّها موجّهةٌ في المقام الأوّل إلى قارئ يفترض أنّه موجودٌ، وأنّ له حاجةً وحاسّةً جديدتين تختلفان عن حاجة متلقّي الشّعر الشّفويّ المغنّى وحاسّته.
  • التَّصْوِير الْعَمِيق: غالباً ما ينساق الشّاعر الأطلسيّ الحديثُ للتّعبير عن تجربته على حقيقتها كما يعيها. لا سيّما أنّ الفضاءَ الهادئ والصّافي يسمح له بالخلوّ إلى دواخل نفسه والنّفوذ إلى أعماق الوجدان لتحويل عواطفه وأحاسيسه إلى إبداعاتٍ شعريّةٍ، فيختار لقصائده الاتّشاحَ بعباءة الغموض والانفلات الدّلاليّ، ممّا يستدعي من قرّائها حشد ترسانةٍ من الآليّات التّأويليّة والتّحليليّة لمقاربة مضامينها وأبعادها الرّمزيّة والتّعبيريّة. وقد نجحت بعض نصوص هذا الشّعر في إقامة توازنٍ بين بلاغة الصّورة وعمق الفكرة، لترتقي بالتّجربة، وتسمو بصورها إلى المستوى الاستعاريّ المطلوب، ومن أمثلة ذلك في الدّيوان المدروس صورة الشّاعر وهو يخاطبُ الحمام، ويطلبُ منهُ كسر القيود ومواجهة كلّ الصّعاب لإرساء قواعد التّنمية والازدهار:
أَيَاتْبِيرْ نّا يُوسِينْ انْزْڴُـومْ نْ تِيفَاوْتْ! (يَا حَمَامُ، يَا حَامِلاً همَّ النُّور)
أَدَّايْ تْرْزْضْ يسْكْرَافَ يْ تْنْكْلَاوْتْ (حِينَ تَكْسِرُ قُيُودَ النَّمَاءِ وَالْازْدِهَار)
سْ وَانْلِي، أُورْ سَارْ يُولِي ونْزڴُـومْ خْفْ تَادَاوْتْ (بِالْعَقْلِ، لَنْ تَنْكَضَ الْهُمُومُ ظَهْرَك) (بودريس، 2015، صفحة 38)
  • نَمَطُ الرّسْمِ وَالْكِتَابَةِ: راوح الشّعراء الأطلسيّون المحدثون في الكتابة بين الحرف اللّاتينيّ والعربيّ وتيفيناغ ايركام. ومنهم من زاوج بين نظامين مختلفين في الرّسم (اللّاتينيّ وتيفيناغ يركام، والعربيّ وتيفيناغ إيركام) (4). وقد اتّخذ بلعيد بودريس نمطاً حداثيّاً واضحاً، حيث اختار الكتابة في هذا الدّيوان بتيفيناغ المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة؛
  • الانْفِتَاح عَلَى التّنوُّعَات الأمازيغيّة الأخْرَى والتّركِيز عَلَى اللُّغَة الْمِعْيَار: وهو من المقوّمات البارزة الّتي تؤشّر على الوعي اللّغويّ لهؤلاء الشّعراء، والثّورة على التّقوقع داخل التّنوّع المحلّي، واكتساب ثقافةٍ لسانيّةٍ أمازيغيّةٍ يراد بها كسر الحدود الجهويّة والقبليّة واللّهجيّة عبر الاقتراض المعجميّ وتقليص الفوارق اللّسانيّة وبناء لغة موحّدة. ومن أمثلة ذلك: يقول بلعيد بودريس مستثمراً مدخلاً لغويّاً ريفيّاً (أَطَّاسْ) عوضَ (شِيــانْ) المتداول في البيئة الأطلسيّة:
سْ وَانْلِي دْ وَاطَّاسْ نْ تَايْرِي (بِالْعَقْلِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحُبِّ)
زّعْنْ زّلْضْ دْ وَاطَّانْ (طَرَدُوا الْفَقْرَ وَالْمَرَضَ)
تَازْدْڴـي، تْرَّا بُوشِيضَانْ (اَلنَّظَافَةُ تَغْلِبُ الْوَحلَ) (بودريس، 2015، صفحة 05)
  • التَّمَيُّز عَلَى مُسْتَوَى التّوزِيع الهنْدَسِيّ للقَصَائِدِ: إذا كانت القصائد الأطلسيّة الكلاسيكيّة تقوم على التّساوي والتّناسق في توزيع أسطر القصيدة من خلال بنيةٍ ثابتةٍ تتحكّم في أحجامها الاختيارات الموسيقيّة والضّوابط الإيقاعيّة، طالما أنّها أصلاً مسموعةٌ أو مرتبطةٌ بالإنشاد، فإنّ الكتابة أدخلت بعداً جديداً في الاعتبار هو الفضاء.
  • ولا يلبث بذلك النّصّ الشّعريّ أن يكون إطاراً متحوّلاً تثور بنيته الصّوريّةُ على الانغلاق والرّتابة لترتمي في أحضان المفاجأة والتّعدّد، وهي سماتٌ حداثيّةٌ قائمةٌ على التّوتّر الدّائم والصّيرورة والتّغيّر الّتي تتنافى مع القولبة والأشكال الجاهزة، وهذا ما نلاحظه في التّوزيع الطّباعيّ لقصائد بلعيد بودريس في هذا الدّيوان:
  • تَوْظِيف مُعْجَمٍ أَمَازِيغِيٍّ أَصِيلٍ: إذا كان الموروثُ الشّعريّ المحلّيّ لا يتحرّجُ في استعارة مقاطعَ معجميّةٍ من اللّغات الأخرى، خاصّةً من العربيّة والفرنسيّة، وتعديله بما يوافق البنيةَ الصّوتيّة والأوزانَ الصّرفيّة للكلمة الأمازيغيّة، أو اقتراضه صلداً متكلّساً دون تغييرٍ، بدلَ توظيف الميكانيزمات النّيولوجيّة للّغة الأمازيغيّة لتوليد المقابلات المصطلحيّة والمعجميّة الّتي يحتاجها من نقلٍ ونحتٍ وتركيبٍ واشتقاقٍ… الأمر الّذي ترتّب عنه تواتر معجمٍ هجينٍ يعكس واقع اللّغة الأمازيغيّة وما تعانيه من تنافسٍ غير متكافئ في وسطٍ تعليميٍّ وإعلاميٍّ وإداريٍّ يعطي الحظوة لغيرها؛
  • فقد مال الشّعراء الأطلسيّون الجدد، أمام الوعي الجديد بالقضيّة الأمازيغيّة، إلى تنقية المعجم الشّعريّ المتداول ليكون أمازيغيّاً صرفاً عبر إعادة توظيف المفردات الأمازيغيّة القديمة والانفتاح على الفروع اللّهجيّة الأخرى، لا سيّما المشترك بينها، لتعويض المفردات الممزّغة وتذويب الفواصل الإيزولوسيّة والمسافات الجغرافيّة، ومن ثمّ المساهمة في مسلسل تهيئة اللّغة الأمازيغيّة. غيرَ أنّ المشكلة الّتي تعترض هؤلاء الشّعراء تتمثّل في نزوعهم لخلق نمطٍ شعريٍّ نخبويٍّ، قد لا يفهمه إلّا من هم على درايةٍ باللّغة الأمازيغيّة المعيار ومتغيّراتها اللّسانيّة، لأنّ الأوساطَ الأمازيغيّة لا تزال منغلقةً على تنوّعاتها اللّهجيّة في غياب تعميم تدريس اللّغة الأمازيغيّة وترويج معجمها إعلاميّاً واجتماعيّاً وتربويّاً… يقول بلعيد بودريس وقد وظّف مفرداتٍ من الأمازيغيّة المعيار: “تَاغْدْمْتْ” و”تُولُّوغْتْ” و”أَفْـﯖَـانْ” و”إِزْرْفَانْ” و”تَاوْنْـﯖِـيمْتْ“:
أَبْرِيدْ نْ تِيدْتْ يغزّيفْ (دَرْبُ الْحَقِيقَةِ طَوِيلٌ)
دّو-ت أَسُوريفْ سْ وسُورِيفْ (مُرَّ بِهِ خُطْوَةً خُطْوَةً)
رْزْمْ أَنْلِي، أَدْ تَافْدْ تَاوْنْـﯖِـيمْتْ (أَطْلِقِ الْعِنَانَ لِعَقْلِكَ، تَجِدِ الْأَفْكَار)
دَا تزّو كْ وَمَاضَالْ تُولُّوغْتْ دْ تَاغْدْمْتْ (تَغْرِسُ فِي الْعَالَمِ الْخَيْرَ وَالْحَقَّ)
سْكِّيوْسْ سْ وَانْلِي ك يمَالْ نْ وفْـڴـانْ (أَبْصِرْ بِعَقْلِكَ مُسْتَقْبَلَ الْإِنْسَان)
أَدْ تَافْدْ: أُورْ يلِّي وفْـﯖَـانْ وَارْ يزْرْفَانْ (تَجِدُ: لَا وُجُودَ لِإِنْسَانٍ بِدُونِ حُقُوق) (بودريس، 2015، صفحة 08)
2-2-3- الْخَصَائِصُ الْمَضْمُونِيَّةُ
لعلّ من أهمّ السّمات المضمونيّة المميّزة للشّعر الأمازيغي الأطلسيّ المتوسّطيّ الحديث:
  • وَحْدَة الْمَوْضُوع وَالتَّمَرُّد عَلَى الْمَضَامِينِ التُّرَاثِيَّةِ: لكونه لا يتناول في الأغلب إلّا تيمةً واحدةً، في مقابل التّعدّد الموضوعاتيّ الّذي وسم القصيدة الكلاسيكيّة (المقدّمة الدّينيّة، وحسن التّخلّص، والموضوع الأوّل، والموضوع الثّاني، …، ثمّ القفلة أو الخاتمة)، غيرَ أنّ الملاحظَ فيه هو النّزوع إلى الشّعر الملتزم بالنّضال والدّفاع عن القضيّة الأمازيغيّة من منطلق الوعي العصريّ بها، والتّركيز على البعد الحقوقيّ، والتّمرّد على الأنظمة الأخلاقيّة المتوارثة، فضلاً عن تناول موضوعاتٍ مسكوتٍ عنها، وكسر الطّابوهات المختلفة احتجاجاً على رداءة الواقع اجتماعيّاً واقتصاديًّا وثقافيّاً وسيّاسيّاً… ومن أمثلة ذلك في الدّيوان تنديد الشّاعر بمظاهر الفساد الانتخابيّ واعتبارها سبب التّراجع الكبير الّذي تعرفه منظومة حقوق الإنسان:
أَرْغَانْ أُورِيلِّي ڴ وْسْتَايْ (اَلتَّزْوِيرْ… بَعِيدٌ عَنِ الْاِنْتِخَابَاتْ)
أَسْلْـنْ غِيفْسْ دْ أَحْطَّايْ (اَلْقَانُونُ عَلَيْهَا حَارِسٌ وَرَقِيبٌ)
أَسْـوفْسُو أَمّْ وْكْتْشَاوْ (اَلرَّشْوَةُ كَالدُّودِ)
إِتْشَا يْغْصّْ! إِسّْخْسِي افَاوْ! (نَخَرَ الْعَظْمَ! وَأَخْبَى النُّورَ) (بودريس، 2015، صفحة 36)
  • تَرَاجُعُ الشّفَوِيَّةِ وَانْتِصارُ الْمَكْتوبِ لَدَى الشَّاعِرِ الْحَدِيثِ: في مقابل العلاقة الحميمة الّتي كانت متوطّدةً بين الشّاعر الكلاسيكيّ وشعره، حيث كان يقرض إنتاجه الفنّيّ وينقّحه، ثمّ يعمل على حفظه وتخزينه في ذاكرته، ليعمدَ عند احتكاكه بالجمهور إلى تقويمه وتجويده بإدخال التّحسينات والتّعديلات اللّازمة، تراجع دور الشّعر في الحياة اليوميّة الأطلسيّة، وساد الفكر المادّي، وتغيّرت مراكز الاهتمام لدى المتلقّي، فأصبح الشّاعرُ الأطلسيّ الحديث لا يحفظ إنتاجه، وأضحى شديد التّعلّق وقتَ الإلقاء بالمسطّحات الورقيّة والالكترونيّة الّتي خُطَّت عليها القصيدة؛
  • الْحُضُور النَّوْعِيّ لِلْبُعْدِ الْفِكْرِيِّ وَالْفَلْسَفِيِّ فِي الْقَضَايَا الْمُعَالَجَةِ: تعدّ هذه الخصيصة من أهمّ الموارد الحداثيّة في الشّعر الأمازيغيّ الأطلسيّ المسهمة في تطوير قابليّة القراءة والتّذوّق من طرف جمهورٍ عريضٍ من المثقّفين؛ إذ تقوم على طرح مشكلاتٍ عميقةٍ وإثارة أسئلةٍ فكريّةٍ ووجوديّةٍ، تتجلّى أبرز ملامحها في اكتساء قصائد كثيرةٍ للطّابع التّأمّليّ الفلسفيّ، وتوظيف شخوصٍ ورموزٍ لها قيمتها المعروفة اجتماعيّاً وفكريّاً وفلسفيّاً…، والغوص في أعماق التّراث قصد استيعابه وفهمه على حقيقته والتّفاعل معه.
  • وتبقى الذّاكرة المكانيّة والبصريّة ببعدها الطّوبوفيليّ من أكثر أنماط التّذكّر تأثيراً، لأنّ الشّاعر يؤرّخ بها لماضيه وجروحه الّتي لا تندمل. وفي استحضار بودريس للمنطق النّضاليّ ودوره في تحقيق التّغيير الاجتماعيّ، والانفتاح على موضوعات حقوق الإنسان من خلال النّصوص الكونيّة المؤطّرة لها عمقٌ فكريٌّ يؤشّر على حداثيّة البناء الشّعريّ للمبدع الأطلسيّ الحديث الّذي بات يستقي رموزه الشّعريّة من مصادر متعدّدةٍ:
  • المجال الأسطوريّ: حيث تكثر الرّموزُ ذات الدّلالات الأسطوريّة في قصائده، مثل: “تَانِيتْ”.
  • المجال التّاريخيّ: يبدو ذلك جليّاً في النّقد اللّاذع الّذي وجّهه الشّاعر بودريس للمستعمر الفرنسيّ والتّذكير بالقيم الّتي اتّسم بها المجتمع الأمازيغيّ عبر العصور.
  • المجال التّراثيّ الشّعبيّ: يتجلّى في توظيف الشّاعر للأمثال والحكايات الشّعبيّة الأمازيغيّة المحلّيّة، مثل قول بودريس: (تَازْدْڴـي، تْرَّا بُوشِيضَانْ (اَلنَّظَافَةُ تَغْلِبُ الْوَحلَ) (بودريس، 2015، صفحة 05).
  • المجال الدّينيّ والثّقافيّ: من أبرز الأمثلة الشّاهدة على ذلك استدعاء المعجم اللّغويّ الذّي ما انفكّ يوظّفه الحكواتيّون في الحلقات الشّعبيّة والجدّات والأمّهات في اللّيالي الحالكة:
نِينِّي… نِينِّي ايْلِّي! نِينِّي… نِينِّي ايْلِّي! (نَامِي… نَامِي يَا ابْنَتِي! نَامِي… نَامِي يَا ابْنَتِي!)
إٍضَ ادْ، إِضْ ادْ، يْغْزِّيْفْنْ! يْسُولْ وَاسّْ أَدْ يَالِي (هَذَا الْلَّيْلُ، هَذَا الْلَّيْلُ الطَّوِيلُ، سَيَطْلُعُ النَّهَارُ) (بودريس، 2015، صفحة 17)
          ومن بين الرّموز المرتبطة بالبعد المكانيّ الأطلسيّ الّتي استند إلى إيحاءاتها بلعيد بودريس: “أَتْبِيرْ” (الْحَمَام)، و”تِيلَّاسْ” (الظُّلُمَات)، و”أَسِيدّْ” (الضَّوْء)، و”تِيفَاوْتْ” (النُّور)، “أَسِيفّْ” (النَّهْر)، و”تَافُوكْتْ” (الشَّمْس)، و”إِسْنَّانْ” (الأَشْوَاك)… يقول في إحدى قصائده:
كُّوتْنْ إِيسْنَّانْ يُوكْرْتْنْ أُوْنْزْڴُـومْ (كَثِيرَةٌ هِيَ الْأَشْوَاكُ، لَكِنَّ الْهَمَّ أَكْبَرْ)
أَنْزْڴُـومء، يُويْزْرَانْ ڴْ أُونَامُومْ (اَلْهَمُّ الَّذِي يُؤْلِمُ النَّحِيفَ)
تُومُومْتْ ادْ، يْتَّاوِينْ غْرْ تِيلَّاسْ (اَلنَّحَافَةُ الَّتِي تَقُودُ إِلَى الظُّلُمَاتِ)
تِيلَّاسْ يْزّْعْنْ أَسِيدّْ سْ وَاسّْ (اَلظُّلُمَاتُ الَّتِي طَرَدَتِ النُّورَ فِي النَّهَارِ) (بودريس، 2015، صفحة 28)
  • اخْتِيَار عَنَاوِين تَطْمَحُ للتّجْدِيدِ: تتّسم عنونة النّصوص الشّعريّة الأطلسيّة الحديثة بالإيحائيّة والتّجريديّة، والسّعي إلى مفاجأة المتلقّي عبر النّزوع إلى الانزياحات المركّبة، وتثوير البنيات اللّغويّة، وهدم ما ترسّخ من أبنيةٍ كلاسيكيّةٍ، ومن أمثلتها: “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَدَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ)، و”أَسْكّونْ وُسّانْ” (عُنْقُودُ الْأَيَّامِ)، و”أَنْزْݣـومْ ومَاتَا” (هَمّ الْأَغْلَبِيَّةِ) و”إِسَافّْنْ نْ وكضْرُورْ” (أَنْهَارُ الغُبَارِ)، و”تِيقّار نْ وزْكو” (رَكَلَاتُ الرِّيحِ)، و”يُولِي –دْ وَاسّْ” (طَلَعَ النَّهَارُ)…، وحتّى على مستوى العناوين الدّاخليّة للقصائد، حيث نجد في ديوان “مُشَاهَدَات فِي حُقُوقِ الْإنْسَانِ”: “إِوَالِيوْنْ دْ يفَادّْنْ” (الْكَلِمَاتُ وَالرُّكَب)، و”أَدْرَارْ دْ يْزْدَارْ” (الْجَبَلُ وَالسَّفْحُ)، و”أَيْدَّا نُو دْ تِيدِي” (نَصِيبِي وَالْعَرَق)، و”أَسِيطّْنْ” (الْإِحْصَاء)… (بودريس، 2015، الصفحات 38 – 40 – 42 – 45)
  • طُغْيان مَركَزيّة الذَّاتِ وَغُرْبَتهَا: في مقابل قصائد المدرسة الكلاسيكيّة المهووسة بمعالجة قضايا المجتمع عبر إسنادها لضمير المتكلّم الجمع، هيمن ضمير المتكلّم المفرد على التّجربة الفنّيّة الحديثة، وإن كان يتّخذ طابعاً جماعيّاً حينما يتعلّق الأمرُ بتيماتِ الهويّةِ والأرضِ واللّغةِ… فخاطب الشّاعر الأمازيغيّ، بإحساسٍ ذي عُمقٍ يحمل همّاً بحجم السّماء، ولوعةَ شعبٍ ألــمّت به أوجاعُ الحياة والزّمان، ولسعَتْه لعنات الجغرافيا، ومكر به التّاريخ، أشياء كثيرةً وأسماء محفورةً في ذهنه بحثاً في تقاسيم الذّاكرة عن أحداثٍ مرّت أو شخصيّاتٍ ماتت أو علاقاتٍ نُسِيت… يقول بودريس:
أَيْلِّيـڴ تْلُولْ يْمَّا (لَمَّا وُلِدَتْ أُمِّي)
أَيْلِّيـڴ يْلُولْ بَابَا (لَمّا وُلِدَ أَبِي)
تِيلْلِّي أَيْ زِيكْسْنْ كُّوسَاخْ (اَلْحُرِّيَةُ هِيَ مَا وَرِثْتُهُ عَنْهُمَا)
أَدُّورْ أَيَاتْنْ يْتّْلْنْ (اَلْكَرَامَةُ هِيَ مَا يَحُفُّ بِهِمَا)
أَسّْ نْ تْلَالِيتْ ينُو (يَوْمَ وِلَادَتِي)
ڴ وفُوسْ ڴـانْ ئِيِي تِيدْتْ (فِي يَدِي وَضَعُوا الْحَقِيقَة)
ڴ وَايَّاضْ ڴـانْ ئِيِي تَاغْدْمْتْ (فِي الْأُخْرَى وَضَعُوا الْعَدَالَة)
دْفِّيرْ ئِيِي، مّْغِينْ يزْرْفَانْ (خَلْفِي، نَبَتَتِ الْحُقُوق)
دَاتْ ئِيِي، تْجُوجّْـ تُومْرْتْ (أَمَامِي، ازْدَهَرَتْ السَّعَادَةُ) (بودريس، 2015، الصفحات 3 – 4)
ونشيرُ في ختام هذه النّقطة إلى مدرسةٍ شعريّةٍ انتقاليّةٍ بين المدرستين (التّراثيّة والحداثيّة) لا تزال تمتح في الأطلس المتوسّط من خصائص التّجربة الكلاسيكيّة على مستوى البنية الشّعريّة، واستهلال القريض بالمقدّمة الدّينيّة، وتوظيف معجمٍ أمازيغيٍّ مطعّمٍ بمفرداتٍ من العربيّة والفرنسيّة، فضلاً عن المحافظة على الأغراض الشّعريّة المعروفة، والاعتماد على الإلقاء الشّفويّ. كما تنفتح على الموضوعات الاجتماعيّة الحديثة وتثوير اللّغة وكسر الإيقاعات والأوزان (تجربة الحاج أمدياز في ديوان “أَرْ مِي؟” (إِلَى مَتَى؟).
خاتمة
الشّعرُ الأمازيغيّ الأطلسيّ، متعدّد الأغراض والاصطلاحات، هو تجسيدٌ لِفُسيفساء البيئة الأمازيغيّة بكلّ خُصُوبتها وعُذُوبتها وتعدّد أنماطها وأشكالها، وتعبيرٌ عن مدى تفتّح ذهنيّة الأمازيغ الّتي ما نفكّت تنبذُ الرّأي الوحيد الّذي يحرّم على الفرد حرّيته، وتنفتح على المستجدّات الثّقافيّة والحضاريّة الّتي يشهدها العالم. وقد عبّر الشّاعر الأطلسيّ الحديث عن ذلك بما خالجَ وجدانه أو راود ذاكرته دون تكلّفٍ أو تصنّعٍ أو زيفٍ. فكان، فعلاً، ذاكرةً تغني التّراث، وتؤسّس التّاريخ، وتبني المستقبل من خلال التّعبير المستديم عن وعي جماعته ومناهضة كلّ أشكال الإقصاء والتّهميش ووفاءً للرّسالة الأدبيّة والفنّيّة، ومن ثمّ كان لصيقاً بالهموم المستجدّة بالإنسان الأمازيغيّ في المنطقة.
وإذا كان الشّعْر الأمازيغيّ الأطلسيّ الكلاسيكيّ موشوماً بالشّفويّة والعفويّة والسّجيّة الفطريّة والتّعبير عن البيئة بكلّ صدقٍ وإخلاصٍ، فإنّ التّجربة الشّعريّة الحدِيثة قد انزاحت عنه تركيباً وطبوغرافيّةً وتجنيساً وتشكيلاً وإيقاعاً وتصويراً. وأصبَحت تعتمد على السّياسة والالتزام والثّوريّة والتّدوين والتّقصيد والتّرميز… غيرَ أنّها مازالَت مقيّدةً بالماضِي والخُصُوصِيّة المحليّة دون إثرَاء ما هو عامٌّ ومشتركٌ بين التّنوّعات اللّغويّة للدّخول في سياق العولمة والتّواصل الحضاريّ والإنسانيّ العالميّ الكَونيّ.
ولَا شَكَّ أنّ العملَ الّذي قدّمه بلعيد بودريس، والّذي جاء في خضمّ الدّراسات العلمية والإبداعيّة الّتي ما فتئت تعرفها منطقة الأطلس المتوسّط انطلاقاً من ديوان أحمد أوعتيق “أَسْكُّونْ وسّان” سنة 2000م (أوعتيق، 2000)، سيُساهمُ بكلّ حمولته الحداثيّة في محوِ الصُّورة السَّلبيّة عن فولكلوريّة هذا النّمط من الشّعر، ويدحضُ فكرة تقسيم الأعمالِ الإبداعيّةِ إلى “مركزيّةٍ” يتعاملُ معها على أنّها النّموذجُ والقُدوة، وأخرى “هَامِشِيّةٌ”، يتمّ تناولها، بسبب الإهمال الّذي ما يزال يطالُ الثّقافة الأمازيغيّة، كَترفيهٍ واحتفالٍ وفولكلورٍ، نتج عنه “استنزاف” الإبداع المحلّي ومحاصرته واحتوائه وإهماله.
هوامش:
  • 1) تَاقْسِّيسْتْ: مصطلح سائد كثيراً في منطقة الرّيف شمال المغرب. ويحيل على قصّةٍ محكيّةٍ في قالبٍ شعريٍّ، تكاد تكون شبيهةً بحكايات الكاتب الفرنسيّ(La Fontaine) الّذي نظم حكايات الحيوانات شعراً.
  • 2) بلعيد بودريس: شاعر وباحث أمازيغيّ مختصّ بديدكتيك اللّغة الأمازيغيّة، من مواليد إقليم الخميسات، بشمال غرب الأطلس المتوسّط، أستاذ باحث بالمركز الوطني للتّفتيش التّربويّ، ونائب رئيس المنظّمة المغربيّة لحقوق الإنسان. سبق له العمل في المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة بالرّباط.
  • 3) من أبرز الأمثلة على هذا الاهتمام الدّواوين الأطلسيّة الّتي صدرت بدعمٍ من المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة: “إِنُوزَارْ” (الْأَمْطَار) سنة 2007م للكبير الغازي، و”إِصْفْضَاوْنْ” (الْمَشَاعِل) سنة 2009م، و”إِسَافّْنْ نْ وكضْرُورْ” (أَنْهَارُ الغُبَارِ) سنة 2016م، و”تِيقّار نْ وزْكو” (رَكَلَاتُ الرِّيحِ) سنة 2018م للمصطفى سرحان، و”يُولِي –دْ وَاسّْ” سنة 2021م لمحمد الغازولي.
  • 4) تنظر دواوين “أَر مِي؟” (إِلَى مَتَى؟) للحاج أمدياز، و”أَنْزكُومْ نْ ومَاتَا” (هَمُّ الْأَغْلَبْيَّةِ)، و”يُولِي -دْ وَاسّْ” (طَلَعَ النَّهَارُ) لمحمّد الغاوزلي.
البيبليوغرافيا
  • البيبليوغرافيا العربيّة
  • أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر السّكاكي. (2000). مفاتيح العلوم. بيروت، لبنان: دار الكتب العلميّة.
  • أحمد أوعتيق. (2000). أسكّون وسّان. فاس: أنفوبرانت.
  • أحمد عصيد. (1992). هاجس التّحديث في النّص الشّعريّ الحديث. مجلّة آفاق(1)، الصفحات 135 – 140.
  • الحسين أسكنفل. (2004). تاريخ الأدب الأمازيغي مدخل نظري سلسلة الدراسات الفنية والأدبية. (منشورات المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة، المحرر) الرباط: المعارف الجديدة.
  • الحسين أمصحو. (2013). مفهوم الشّعر في الأدب الأمازيغي. تأليف المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة (المحرر)، الأنماط الشّعريّة الأمازيغيّة التّقليديّة. الرّباط، المغرب: مطبعة المعارف الجديدة.
  • الحسين مجاهد. (1989). معلمة المغرب. (الجمعيّة المغربيّة للتّأليف والتّرجمة والنّشر، المحرر) سلا، المغرب: مطابع سلا.
  • الحسين مجاهد. (1991). الأدب الأمازيغي بالمغرب. تاسكلا ن تمازيغت: مدخل للأدب الأمازيغي (الصفحات 15 – 85). أكادير: منشورات الجمعية المغربيّة للبحث والتّبادل الثّقافيّ.
  • الحسين مجاهد. (2004). تاريخ الأدب الأمازيغيّ: مدخل نظري. (منشورات المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، المحرر) الرّباط: المعارف الجديدة.
  • المختار السّوسيّ. (1959). خلال جزولة. تطوان، المغرب: المطبعة المهديّة.
  • بلعيد بودريس. (2015). مشاهدات في حقوق الإنسان. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة.
  • حلمي سالم. (2000). الحداثة أخت التّسامح: الشّعر العربيّ وحقوق الإنسان. القاهرة، مصر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.
  • حميد بوحبيب. (2013). الشّعر الشّفويّ القبائليّ: السّياق والبنيات والوظائف (مقاربة أنثربولوجيّة). الجزائر: دار التّنوير.
  • رولان بارث. (1996). تحليل نصّي لحكاية القول الفصل في حالة السيد فالدمار لإدغار ألان بو. فضاءات مستقبلية، 2 – 3.
  • سعيدي مولودي. (01 07, 2004). مقدّمة نظريّة لتاريخ الأدب الأمازيغي: مدخل نظري. (منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغيّة، المحرر) سلسلة موائد مستديرة (20 – 21).
  • سعيدي مولودي. (2006). مقدّمة نظريّة لتاريخ الأدب الأمازيغيّ: مدخل نظريّ. (منشورات المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة مستديرة، المحرر) موائد مستديرة، 20 – 21.
  • سعيدي مولودي. (2018). مدخل إلى الأدب الأمازيغيّ بالأطلس المتوسّط. (منشورات جمعيّة أجدير إيزوران للثّقافة الأمازيغيّة بخنيفرة، المحرر) الرّباط، المغرب: مطبعة الرّباط نت.
  • سيلفيا بافيل وديان نوليه. (2001). دليل المصطلحيّة. (ترجمة خالد الأشهب، المترجمون) كيبيك: وزارة الأشغال العموميّة والمصالح الحكوميّة، كندا.
  • شحاذة الخوري. (1989). دراسات في الترجمة والمصطلح والتعريب. بيروت، لبنان: دار طلاس للدراسات والترجمة.
  • عباس الجراري. (1971). من وحي التّراث. الرّباط: مطبعة الأمنية.
  • عبّاس الجراري. (غشت, 1978). معجم مصطلحات الملحون الفنّيّة، ، السّنة الخامسة، خ: 1، ،. مجلّة الفنون، 1.
  • عبد الرّحمان ابن خلدون. (1965). المقدّمة. القاهرة، مصر: دار البيان العربي.
  • عبد العزيز بن عبد الجليل. (غشت, 1978). ، الموسيقى الشعبيّة المغربيّة، ، السّنة الخامسة، ع: 1، ،. مجلّة الفنون(1).
  • على القاسمي. (1987). مقدّمة في علم المصطلح. القاهرة، مصر: مكتبة النهضة المصريّة.
  • عمر أمرير. (1987). أمالو من الفنون الشّعبيّة المغربيّة. الدّار البيضاء: مطابع الكتاب.
  • فؤاد أزروال. (12 – 13 مارس , 2004). الملتقى الأول للأدب الأمازيغيّ . وجدة، المغرب ، كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة جامعة محمد الأوّل.
  • فؤاد أزروال. (2015). الأدب الأمازيغي المعاصر بالمغرب: مظاهره وقضاياه. (منشورات المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة، المحرر) الرباط، المغرب: دار المعارف الجديدة.
  • فؤاد أزروال، وجميل الحمداوي. (1997). قراءات في الشّعر الأمازيغي بالريف. وجدة: دار النشر الجسور.
  • فيليب سيرينج،. (1992). الرّموز في الفنّ، الأديان، الحياة،. (ترجمة عبد الهادي عبّاس، المترجمون) دمشق، سوريا: دار دمشق.
  • ماري كلود لوم. (2012). علم المصطلح مبادئ وتقنيات. (ريما بركة، المترجمون) بيروت، لبنان: المنظّمة العربيّة للتّرجمة.
  • محمّد أرجدال. (2016). تأمّلات في الشّعر الأمازيغيّ الحديث. أعمال النّدوة الوطنيّة المنظّمة برحاب كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة (الصفحات 53 – 55). أكادير: طبع ونشر سوس – أكادير.
  • محمّد أوسوس. (2010). بعض الملامح العامّة للتّجربة الشّعريّة الشّبابيّة الأمازيغيّة الحديثة بسوس. (المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، المحرر) أسيناك، 4 – 5، الصفحات 41 – 54.
  • محمد جسوس. (1988). ملاحظات حول مكانة الثّقافة الشّعبيّة في تحوّلات المغرب المعاصر. الثّقافة الشّعبيّة بين المحلي والوطنيّ. 3، الصفحات 30 – 44. أكادير: منشورات الجامعة الصيفيّة أكادير.
  • محمد شفيق. (1990). المعجم العربي الأمازيغي. (أكاديميّة المملكة المغربية، سلسلة معاجم، المحرر) الرّباط: الفنّ التاسع.
  • محمد شفيق. (1991). المعجم الأمازيغي العربي (المجلد 1). (منشورات أكاديميّة المملكة المغربيّة، المحرر) الرباط: الفن التاّاسع.
  • محمّد شفيق. (2000). من أجل مغارب مغاربيّة بالأولويّة، ، ، ط: 1، . (مركز طارق بن زياد للدّراسات والأبحاث، المحرر) الرّباط، المغرب: المعارف الجديدة.
  • محمود فهمي حجازي. (1995). المصطلحات العلميّة في اللّغة العربيّة في القديم والحديث. القاهرة، مصر: دار غريب للطّباعة والنّشر والتّوزيع.
  • مصطفى الشّهابيّ. (1995). المصطلحات العلميّة في اللّغة العربيّة في القديم والحديث. بيروت، لبنان: دار صادر.
  • مفتاحة آخرون اعمر. (2017). المعجم العامّ للّغة الأمازيغيّة (أمازيغيّ – فرنسيّ – عربيّ) (المجلد 13). (منشورات المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، مركز التّهيئة اللّغويّة، سلسلة قواميس ومعاجم، المحرر) الرّباط، المغرب: مطبعة المعارف الجديدة.
  • مفتاحة اعمر، وآخرون. (2017). المعجم العامّ للّغة الأمازيغيّة (أمازيغيّ – فرنسيّ – عربيّ) (المجلد 13). (منشورات المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، مركز التّهيئة اللّغويّة، سلسلة قواميس ومعاجم، المحرر). الرّباط، المغرب: مطبعة المعارف الجديدة.
  • البيبليوغرافيا الأجنبيّة:
  • Conceiçào, M. C. (2005). Concepts, termes et reformulations. Lyon: Presse universitaire de Lyon.
  • A Pratical course in Terminology Processing, ፡. (1990). Juan Sager. Amsterdam, Philadelphia: John Benjamins.
  • Loïc, D. (2003). Entre signe et concept፡ Eléments de terminologie générale. Paris: Presse Sorbonne Nouvelle.
  • Nilsson, H. (2010). Towards a National Terminology Infrastructure, The Swedish Experience, in፡ Amsterdam The Netherlands Philadelphia: arcel Thelen and Frieda Steura Eds., Terminology in Everyday Life ,John Benjamins Pub.
  • Rondeau, G. (1984). Introduction à la terminologie (Vol. 2ème édition). Québec: Gaëtan Morin.
  • Sager, J. (1990). A Pratical course in Terminology Processing. Amsterdam, Philadelphia: John Benjamins.
  • Taifi, M. (1991). Dictionnaire tamazight – français (parler Maroc central). Paris: l’Harmattan, Awal.
  • Tassadit, Y. (1990). L’Izli ou l’amour chanté en kabyle. Alger: Ed Bouchène-Awal.
(°) أستاذ باحث في الدّراسات الأمازيغيّة
error: