وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة

صابرين المساوي
لم يكن من قبيل الصدف، أن تمت إعادة النظر في بنية تشكيل قطب الإصلاح الإداري وجعل الانتقال الرقمي مرافقا لإصلاح الإدارة. لقد عرف هذا القطاع محاولات عديدة لوضعه في صلب العمل التنموي، لكن لم يتحقق المرجو من ذلك. فمن “الشؤون الإدارية” إلى إصلاح “الوظيفة العمومية” إلى إصلاح “القطاع العام”، إلى تحديث ‘القطاعات العامة”، ظل الإصلاح الإداري إما معزولا، أو محط تغيرات كثيرة، انطلاقا من تغيير مكانته من قطاع مستقل، إلى قطاع مرافق لقطاعات أخرى حسب كل مرحلة: تحديث القطاعات العامة، الوظيفية العمومية، الاقتصاد والمالية، بل إنه في فترة معينة كان بجانب الصيد البحري والعلاقات مع البرلمان.
ومع التشكيلة الحكومية الحالية، تم لأول مرة، إحداث قطاع عرضاني، عوض قطاع عمودي كما كان الأمر سابقا. إن الأوراش والاصلاحات الهيكلية، التي يقودها صاحب الجلالة، تستهدف إحداث قفزة نوعية على مستوى الحكامة، تحقيقا للفعالية. ولم يكن ذلك ممكنا إلا بوضع الرقمنة ضمن الأهداف الاستراتيجية العليا. إن الأمر لا يتعلق باستبدال استعمال الأوراق بالحاسوب، بل بإحلال نظام محل نظام آخر. نظام يشكل المستقبل الواعد الذي يمكن بلادنا من ربح الوقت والاقتصاد في التكاليف.
ومن أجل إنجاح تدبير ورش من هذا الحجم، كان من اللازم إسناد التدبير لكفاءات وطنية عالية، تستطيع الإحاطة الجيدة بهذا الورش، وتدبيره على أساس حسن تجسيد التوجيهات الملكية السامية من جهة، وتطبيق البرنامج الحكومي من جهة أخرى. وأضاف اختيار امرأة كفؤة لهذه المهمة نقطة تحول نوعية جديدة.
وبهذا الخصوص، تم القطع مع التجارب السابقة التي كانت تجعل الإصلاح الإداري داخل الهيكلة الحكومية، ينتقل من قطاع لآخر، فمن قطاع منفصل، إلى قطاع تابع لإشراف الأمانة العامة للحكومة، ومرات أخرى في شكل كتابة دولة لدى الوزير الأول، أو وزارة منتدبة لدى الوزير الأول أو رئيس الحكومة حسب الحالة، كما أن هذا القطاع تولى تدبيره رجال دولة من قبيل امحمد بوستة، بدر الدين السنوسي، الحاج محمد أبا حنيني، أحمد عصمان، عباس القيسي، منصوري بن علي، مصطفى الساهل…
إن إستراتيجية الإصلاح ببلادنا، قد تجاوزت المنظور التقليدي ، القائم السياسات القطاعية المنفصلة عن بعضها البعض، وأقامت بدلا من ذلك منهجية قائمة على الالتقائية والتقاطع، فلا يمكن والحالة هذه عزل التحولات الرقمية وجعلها قطاعا تقنيا مرتبطا بقطاعي الصناعة والتجارة، بل من الحكامة الجيدة جعل التحول الرقمي موازيا لإصلاح الإدارة.
إن مختلف القطاعات الوزارية بالحكومة الحالية، قد وضعت برامجها الخاصة لرقمنة تنظيمها ونشاطها الإداري، فكانت الحاجة ماسة إلى قطاع حكومي منتدب لدى رئيس الحكومة قادر على توفير الإطار العام لمختلف الإصلاحات القطاعية، ووضع استراتيجية منسجمة، بعيد المدى، قادرة على جعل كل الإدارات منخرطة في عملية الرقمنة.
وبناء على هذا التوجه الجديد، يمكننا الحديث عن ورش الإصلاح الرقمي، بدل السياسة العمومية السابقة التي كانت تعتبر الإصلاح الإداري هو المحرك الأساسي للعمل التنموي. وهي السياسة الموروثة عن التجربة السابقة التي خلفت أوراشا غير تامة ولا منسجمة.
فكيف يمكن الحديث عن سياسية اللاتمركز وتفويت صلاحيات المركز لبنيات إدارية جهوية وإقليمية ومحلية دون مخطط الرقمنة يسهل ويبسط عملية التفويت هذه؟
إن بلادنا لا يمكن ان تبقى معزولة عن التطورات العلمية والتكنولوجية التي يعيشها العالم، كما أن الاستفادة من تجارب الدول التي راهنت على التنمية عن طريق التحول الرقمي، لا يمكن إلا أن تضع بلادنا في مصاف التجارب الرائدة تحت التوجيهات الملكية السامية، التي سيكون للطاقم المسير لهذا القطاع الحكومي الدور المركزي في إنجاحه.

error: