الداكي: مهنة المحاماة ساهمت في مجموعة من المحطات التي عرفها تاريخ العدالة المغربية

 

بمناسبة انعقاد المؤتمر 31 لجمعية هيئات المحامين بالمغرب، تحت شعار “المحاماة بالمغرب، نضال وطني مستمر ، أمن مهني ملح، وانتماء إفريقي دائم”، ألقى مولاي الحسن الداكي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، زوال اليوم الخميس 24 نونبر 2022 بالداخلة، كلمة بالمناسبة أكد من خلالها أن انعقاد هذا المؤتمر في هذه المرحلة الدقيقة وما سينكب على مناقشته من مواضيع بالغة الأهمية، “من شأنه أن يشكل مناسبة سانحة لتوحيد الرؤى حول القضايا الكبرى التي تخدم مصلحة العدالة ببلادنا”.

وأوضح رئيس النيابة العامة، أن مهنة المحاماة ساهمت في مجموعة من المحطات التي عرفها تاريخ العدالة المغربية خدمة لقضايا المجتمع، وإرساء للمسار الديمقراطي والدفاع عن حقوق الانسان والحريات. كما اضطلعت بأدوار أساسية أذكت الروح الوطنية من أجل المطالبة باستقلال المغرب.

وأبرز الداكي، أن مهنة المحاماة كغيرها من المهن القانونية والقضائية تواجه في عالم اليوم عدة تحديات، تطبعها مجموعة من المتغيرات التي يشهدها العالم بسبب الثورة التكنولوجية والرقمية المتسارعة التي غزت جل مناحي الحياة اليومية مما سيؤثر بصفة مباشرة على طرق وأساليب ممارسة المهنة جراء اكتساح الذكاء الاصطناعي لمجموعة من المجالات.

وهذا ما يقتضي، يضيف رئيس النيابة العامة، “الاستعداد لمواجهة التحديات التي ستواجهها المهنة، في ظل انتشار التكنولوجيا الحديثة المتطورة، مما يتطلب ضرورة الإلمام بتقنيات الاتصال الحديثة وأساليب العمل العصرية، فالظرفية المعاصرة تفرض اليوم بالإضافة إلى ذلك كله، تأهيل المهنة بإدخال الثورة المعلوماتية في بنيتها، كي تمكنها من مواكبة المتغيرات الثقافية والاقتصادية، والاجتماعية، الوطنية والدولية، وتنامي دور التبادل الرقمي”.

و خلص المتحدث الى أن أهمية رسالة المحاماة تنبع من جسامة الأمانة التي تتحملها في الإسهام في إقامة العدل، وصيانة الحقوق، وضمان مبدأ سيادة القانون في إطار المبادئ الكونية للعدالة. والتي تعكس مساراً طويلاً من العمل الدؤوب والمتواصل حتى استطاعت مهنة المحاماة أن تتبوأ المكانة التي تستحقها، فالحق في الدفاع لئن كان من أقدم الحقوق المعروفة في المجتمعات البشرية منذ أن وجدت الخصومة.

وذكر أنه مع ذلك لم تعرف مهنة المحاماة ببلادنا طريقها نحو التقنين إلا مع سنة 1913، حيث خصص لها المشرع في أول ظهير لقانون المسطرة المدنية الصادر  بتاريخ 12 غشت 1913 اثنى عشر فصلا، ولقد ظل نظام المحاماة الصادر سنة 1913 مطبقا أمام المحاكم إلى حدود سنة 1924 حيث حل محله قانون صدر بتاريخ 10 يناير 1924 يتعلق بتنظيم هيئة المحامين ومزاولة مهنة المحاماة.

وتابع “وبعد حصول المغرب على الاستقلال، صدرت عدة قوانين متعلقة بتنظيم المهنة وضبط قواعدها، ومن بينها المرسوم الملكي بتاريخ 19 دجنبر 1968 الذي ألغي بمقتضى القانون رقم 79-19 بمقتضى ظهير 8 نونبر 1979 المتعلق بتنظيم نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة، ثم الظهير الشريف رقم 162-1-93 الصادر في 10 دجنبر 1993 بشأن تنظيم مهنة المحاماة والذي وقع تغييره وتتميمه بموجب القانون الصادر بتاريخ 10 غشت 1996. هذا الأخير تم نسخه بمقتضى القانون رقم08-28 الصادر في 20 أكتوبر 2008.”

واعتبر الداكي، انه إذا كان هذا السرد التاريخي يعكس التطور الذي عرفه التنظيم القانوني لمهنة المحاماة، فإن ممارسة مهنة الدفاع بالمناطق الجنوبية من المملكة كان لها طابع خاص وذلك بسبب هيمنة الأعراف القبلية على حل الخصومات، حيث كان التقاضي في المناطق الصحراوية يتم أمام القاضي في شكل ترافع تقليدي يعتمد على الثقافة الشفاهية ويعتمد النقل والتواتر إلى أن صار تراثاً محفوظاً في صدور فقهاء وقضاة المنطقة، كما كان أفراد قبائل هذه المناطق يلجؤون إلى بعض الحكماء من القبيلة ليتدخلوا بين أطراف الخصومة ويردّوا الأمور إلى نصابها.

وأشار الى أن بعض هذه المحطات التاريخية في مسار تطور مهنة الدفاع إيماناً بأن الماضي هو صلة الوصل بالحاضر والذي تتأسس عليه نظرتنا للمستقبل، لذلك “أعتقد أنه إذا كانت مهنة المحاماة قد استطاعت بعد مرور كل هذه المحطات أن تتبوأ المكانة التي تستحقها، فإن تعزيز مكانتها ودورها في مجال الدفاع عن صون الحقوق والحريات يتطلب تكريس كل الطاقات والإمكانيات من أجل انخراط الجميع في تكريس مواصلة معالم الإصلاح للعدالة الذي ينتظره منا جميعا القاضي الأول جلالة الملك محمد السادس ومن خلفه كل مواطن يرغب في الولوج إلى العدالة، وذلك عبر الرفع من جودة العدالة ببلادنا التي هي من واجبنا جميعا قضاة ومحامين ومساعدي العدالة.”

وذلك في إطار الرؤية المستقبلية للعدالة التي تسعى إليها بلادنا والقائمة على تحقيق النجاعة القضائية، وتقليص آجال البت في القضايا وتبسيط إجراءاتها، وتسهيل ولوج المرتفقين إلى العدالة ورقمنة الخدمات، بما يسهم في تعزيز قيم النزاهة والشفافية، وتحسين المناخ العام للإستثمار. يضيف الداكي

وختم أن انفتاح هيئة الدفاع على محيطها الإفريقي يندرج ضمن سياق المجهودات الحثيثة التي تبذلها بلادنا من أجل تكريس عمقها الإفريقي باعتبارها شريكا أساسياً في دعم مسار التعاون والتنمية في البلدان الإفريقية الشقيقة وذلك تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس والذي ما فتئ جلالته يؤكد في خطبه السامية على ضرورة بلورة نموذج فريد وملموس للتعاون جنوب جنوب، وفي هذا الإطار جاء في كلمة جلالته بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الملك والشعب بتاريخ 20 غشت 2016 ما يلي: (إن إفريقيا بالنسبة للمغرب أكثر من مجرد انتماء جغرافي، وارتباط تاريخي . فهي مشاعر صادقة من المحبة والتقدير، وروابط إنسانية وروحية عميقة، وعلاقات تعاون مثمر، وتضامن ملموس، إنها الامتداد الطبيعي، والعمق الاستراتيجي للمغرب. هذا الارتباط متعدد الأبعاد، يجعل المغرب في قلب إفريقيا، ويضع إفريقيا في قلوب المغاربة. وهو ما جعلنا نضعها في صلب السياسة الخارجية لبلادنا) انتهى النطق الملكي السامي.

error: