الأممية الاشتراكية وتحديث الفكرة الاشتراكية

صابرين المساوي

قد يقول قائل ماذا تبقى من الفكرة الاشتراكية ؟ اقول : تبقى فكرة الديموقراطية في بعدها الاجتماعي الحمائي ، يبقى التشبث بالدولة الحاضنة والحامية للاختلاف والمساواة ، يبقى التشبث بفكرة اقتصاد السوق أداة إغناء للمجتمع لا وسيلة احتكار واغناء كمشة من الطفيليين والاحتكاريين ، يبقى الدفاع عن علاقات متميزة مع العالم الثالث ، تبقى الحرب العشواء ضد الدكتاتوريات والحروب الاجرامية التي تمارس في حق الانسانية …
ان الاشتراكية قبل كل شيء فلسفة سياسية تزوجت مطامح اجتماعية وتاريخية …انها مناضلين ومفكرين واحزاب سياسية ومعركة طويلة الأمد والنفس ….ان اشتراكية الأمس ليست قطعا اشتراكية اليوم وهذه لن تكون بتاتا اشتراكية الغد….انتصار الوردة…
ان الفكرة الاشتراكية في المعارضة ليست هي قطعا نفسها في السلطة ، انها في المعارضة ذات بعد فاتن مجند ، لكنها في السلطة ذات بعد باهت متهافت متآكل ، ولكن العيب ليس في الفكرة ، ولكن في فصل حس المبادرة وروح الخلق عن الفكرة ، ذلك أن هذه العوامل هي الطاقة المغذية للفكرة التي لا تجد اشعاعها في تسيير الروتين اليومي ، ولكن في ارتباطها الدائم بحلم الانسان ، بمعنى مشروع حضاري دائم التجدد ، دائم الافتتان ..
ان الاشتراكية الاوروبية لم تكسب معركة وكفى ، ولكنها كسبت حربا عمرت طويلا انطلقت مع الثورة الفرنسية ؛ لقد كسبت معركة حقوق الإنسان ومعركة المواطنة ومعركة الديموقراطية ….ان الأمر يتعلق بارث حضاري ومجموعة قيم ذات طابع سياسي مؤسساتي تربوي وأخلاقي ، وهذا الإرث لا يجب اليوم ان يكون إرثا ثقيلا ولا إنجازا للاستعراض ، ولكن الهاما لمواجهة مشاكل ذات طابع جديد كل الجدة …انها الانفجارات البورصوية وعواقبها على الاقتصاد الوطني …انها كيفية الحفاظ على الدولة الحاضنة لا بتقويتها ، ولكن بإصلاح مكانزمات تدخلها مع ما يتلاءم وحرية المبادرة والسوق …انها كيفية إدماج المهاجر ثقافيا زاجتكاعيا
يومن الاتحاد الاشتراكي بأن الاشتراكية الديموقراطية هي البديل الضروري لمعالجة الاختلالات الاجتماعية ، وإحدى مداخل الحداثة واستدراك التأخر التاريخي ، فالاشتراكية ترتبط بالفضاء العقلي للحداثة ، ومن هنا ، آمن الاتحاد الاشتراكي ، بضرورة تحيين الاشتراكية كمثال بفك ارتباطها بنماذج معينة وبالحفاظ على الشحنة الفكرية التي قامت عليها ، أي التشبث بالارضية الحداثية الثقافية للاشتراكية وخلفياتها الفلسفية الأنوارية …
لقد اقتنع الاتحاد الاشتراكي أن كل معاودة للاشتراكية كمنظومة ايديولوجية تطرح الانتماء إلى الحركة التاريخية للاشتراكية لا إلى رمز من رموزها او نموذج من نماذجها ، وهذا يقتضي إدماج الثقافة الليبرالية والديموقراطية السياسية ضمن المنظومة الاشتراكية ، والاعتراف بالسوق في إطار تحقيق العدالة الاجتماعية والقبول بالعولمة …إن اشتراكية قائمة على المحاسبة وعلى المعرفة بالمعطيات لعصرنا بإمكانها ان تخفف من الآثار السلبية للعولمة ( التفقير، تهديد الديموقراطية ، سيادة المال والثقافة البرصوية…) الاشتراكية مشروع يتطلب جهدا وصراعا في البناء والتقويم لتجنيب المجتمع الانكسار والانفصام …ولأجل انسنة السوق وتخليقه ، فالاشتراكية مطالبة امام انبعاث الرأسمالية من أزماتها ، ان تتوسل بمعرفة بالمعطيات المستجدة وان تتشبع بأخلاق اقتصادية وثقافية إنسانية…
إن مركز الثقل ، في الأممية الاشتراكية وتحديث الفكرة الإشتراكية ، يوجد حاليا في شبه الجزيرة الايبيرية ، حيث الحزب الإشتراكي الإسباني ، جدد الإشتراكية الديموقراطية ، وأعطاها قوة إثبات الجدوى ، بعد خفوت ، ان لم نقل خبو الفكرة في معظم أوربا …
ولا بد من التذكير بأن الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية ، يظل الحزب الوحيد في شمال إفريقيا ، العضو في الأممية الإشتراكية ، الذي حافظ على تواجده المؤسساتي .
فهو عكس العديد من الأعضاء في هذه الأممية ، الذين رحلوا برحيل انظمتهم ، كما في تونس ومصر ، ظل قائما ، وحافظ على وجوده المؤسساتي الذي يجعله شريكا فعليا لكل الاحزاب المتواجدة معه في المنظمة الدولية الاكثر حضورا …
تأسيسا على هذه الاعتبارات تم انتخاب بيذرو سانشيز رئيس الحكومة الإسبانية رئيسا للأممية الاشتراكية في مؤتمرها 26 المنعقد بمدريد – 25 – 26 – 27 نوفمبر 2022 – وتم انتخاب خولة لشكر ، عضو المكتب السياسي للإتحاد الاشتراكي . وعقب انتخابها صرحت خولة لشكر لوكالة المغرب العربي للأنباء ، قائلة ( إن هذا الإنتخاب يتيح لحزب الاتحاد الاشتراكي الدفاع عن المصالح العليا للمغرب وجميع البلدان الافريقية داخل الأممية الاشتراكية ) .
الاتحاد الاشتراكي كحزب اشتراكي ديموقراطي قوة دفع تقدمية ، يسارية اجتماعية – ديموقراطية تروم اصلاح وتطوير الأوضاع ، والمساهمة في رسم خطوط المستقبل ، ومناط تحول في المجالات كافة ، السياسية والمؤسساتية والاجتماعية والثقافية….
ان الاتحاد الاشتراكي كحزب اشتراكي ديموقراطي هو القوة المجتمعية الأكثر انفتاحا وتأهلا للمساهمة بفعالية ، في انجاز الاوراش الاصلاحية ، على قاعدة الجدلية الحية القائمة بين الاصلاح والاستقرار ، في اطار مجتمع متماسك ، متضامن ومتطور…
ان الاتحاد الاشتراكي كحزب اشتراكي ديموقراطي هو في البدء والختم حزب وطني ، وانتخاب خولة لشكر نائبة لرئيس الأممية الاشتراكية ، سينعش الدبلوماسية الحزبية الاتحادية دفاعا عن المصالح العليا للمغرب .

error: