شئ جديد صنعه المغاربة ليلة الثلاثاء سادس دجنبر 2022. لأن الصورة التي عبرت شاشات العالم، حملت رسالة سنحتاج وقتا طويلا لنتمثل أبعادها الكاملة وإسقاطاتها على مستوى معنى «المغربي»، أمام أنفسنا وأمام العالم. فهي معركة صورة ربحناها وطنيا ومغربيا بدرجات عالية من السمو البارحة. وملحمة شبيبة وليد الركراكي ليست مجرد نجاح في لعبة رياضية تنافسية في بلاطو العالم، بل هي مدخل آخر (من قيمة منعطف تاريخي)، كي ننقش معنى جديدا للمغربي في ذاكرة الناس. شئ ما تغير إلى الأبد في وجداننا الجمعي، ولن نعود أبدا إلى ما كنا عليه قبل يوم 6 دجنبر 2022، أمام أنفسنا وأمام الآخرين.
الأمر أشبه بخروج نبتة من شرنقة الأرض، أو اللوز من تويج الزهر الأبيض في شجر أعالي جبال الأطلس. ذلك كان النصر الأكثر عمقا لنا كمغاربة ليلة الثلاثاء. نعم لا نزال أسرى خدر النصر، ما يجعلنا جميعا نطرح السؤال: ما الذي جرى؟. فالنصر أحيانا لا يصدقه أهله، سوى بعد مدة واجبة من تمثل أبعاد أثره. وواهم من يعتقد أن الأمر مجرد لعبة رياضية، ساحرة، إسمها كرة القدم. الأمر معنى في محراب القيم. وبطاريات المغربي أينما كان فوق البسيطة قد شحذت البارحة، بطاقة معنى انتماء جديدة، كما لو أنها قطعة ياجور جديدة قد وضعت في حائط «تامغربيت»، تجعل خطونا مختلف في طريق الحياة. إن البلاد تحلق في سماوات أخرى، أبعد من سفاسف الطريق كما يسجن فيها البعض نفسه في جوارنا المغاربي للأسف. إن نداء «سير، سير، سير»، أصبح شعار أمة ومعنى للإرادة في إصرار الخطو للمشي حيث نستحق. «سير، سير، سير» انطلق نعم للتاريخ من مدرجات جمهور الوداد، ليصبح شعار بلد وشعار أمة العرب كافة، تماما مثلما كان شعار «رجاوي فلسطيني» قد انطلق من مدرجات جمهور الرجاء ليصبح طريقا للنشيد في فلسطين أكثر من المغرب. هنا التلقيح بالقيم حين يصنعه الناس الطيبون.
بالتالي فهي ليست مجرد لعبة، بل إنها وسيلة للتربية وخلق المعنى وصناعة الهوية. وكم هي المادة غزيرة للباحثين والدراسين غدا في هذا الذي يصنعه المغربي، الأمازيغي العربي الإفريقي الجنوب متوسطي، للتحليل والقراءة والتمحيص والنقد. أليس ذلك بعض مما صنعته اللعبة من معنى للبرازيل والأرجنتين خلال الخمسين سنة الماضية؟. أليس ذلك ما تصنعه للمغرب واليابان اليوم؟. أليس الدرس الياباني (جمهورا ولاعبين) واحدا من تحولات القيم في معناها العالمي عبر الصورة كما تهبها لعبة كرة القدم في محفل كوني مثل نهائيات كأس العالم؟. أليس الدرس المغربي (جمهورا وأمة)، معنى آخر لصعود الجنوب مراتب صناعة القيم عبر العالم عبر الصورة؟. إن الجمهور الياباني والجمهور المغربي وهم ينظفون الملاعب بعد نهاية كل مباراة لمنتخبهم، ليس مجرد ترف تربوي أو مزايدة في «البوز»، بل هو في مكان ما رسالة أن ذلك ليس اعتباطيا من شعبي أقدم ملكيتين في العالم، الإمبراطورية اليابانية والملكية المغربية، وأن طقوسهما الملوكية شعبيا، هي رسالة تربوية سلوكية وليست مجرد بروتوكول (إن انحناءة مدرب اليابان أمام الإمبراطور وأمام جمهور بلاده، ليست طقسا مفتعلا. ولا قبلة اليد المغربية للقائد وللأم والأب من روزنامة الخضوع والمسكنة كما يتوهم الكثيرون، قدر أنها سلوك للإحترام).

لا يمكننا مغربيا، أن نتغافل عن الدرس العظيم الذي تقدمه لنا ثروتنا الوطنية الأخرى التي هي «جاليتنا المغربية بالخارج». ففتية منتخبنا الوطني (وفي مقدمتهم المدرب وليد الركراكي نفسه المزداد بفرنسا)، أكثر من 90 بالمئة منهم من مواليد المهجر من الجيل الثالث والرابع، واختاروا بقرار ووعي أن يلبسوا قميص الوطن وليس قميص البلدان التي آوتهم، حيث نقلوا خبرة العالم المتقدم في صناعة اللعبة إلى رقعة الملعب أمام أعين العالمين بقتالية.

لقد زود الماء الماء بالقوة، مثلما يزداد صبيب النهر بجداول الجبال العالية. وثروتنا الوطنية لأبناء المهجر، ليست ولن تكون محصورة فقط في قيمة كرة القدم، بل هي ممتدة لحجم تحويلات أبناءنا المهاجرين العالية بملايير الدولارات سنويا من العملة الصعبة (11 مليار دولار السنة الفارطة)، وهي مغامرة الإستثمار في النسيج الإقتصادي الوطني (رغم الكثير من ظروف العقلية الإدارية المكبلة التي لا تزال هنا وهناك)، وهي ممتدة إلى القيمة العلمية المضافة في مجالات دقيقة مثل صناعة الليثيوم واللقاحات وصناعة الطيران وصناعة السيارات والرفع من قيمة المنتج الصناعي للفوسفاط وتطوير مجال الإتصالات واحترافية أرسخ في مجال الأبناك. فهي أذرع متعددة لثروتنا الوطنية الأخرى التي يشكلها أهلنا بالمهجر الذين نجحت فعليا خطة وطنية منطلقة منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي في ما يمكن وصفه ب «إعادة إدماج وطني» لأجيال المهاجرين المغاربة ضمن «ماء الوطن». وهذا درس كبير علينا إعادة تأمله والمقاومة للحفاظ عليه.
إن علاقة المغربي بوطنه (مسلما ويهوديا)، مثيرة فعلا، كما تساءلت مستغربة وسائل الإعلام الرصينة بألمانيا الصيف الماضي، حين كتبت تقول، في ما معناه: ما هذا السر الذي يجعل المغاربة، الذين غادروا بلادهم لأنها ظنت عليهم بحياة كريمة، يشدون الرحال كل صيف صوب المغرب بالملايين، في أكبر رحلة لتنقل بشري بأروبا وبالعالم، حيث يقضون شهري يوليوز وغشت ثم يعودون إلى بلاد المهجر؟. إبحث أنت عن الجواب، تماما مثلما ابحث عن الجواب كيف أن المغاربة اليهود عبر العالم وحدهم الذين بقوا على ارتباط ثقافي وروحي بأصلهم المغربي في حياتهم اليومية، وأن ما يقدمونه من خدمات له لا تعد ولا تحصى، المعلوم منها وغير المعلوم.
أخيرا، كرة القدم ليست مجرد لعبة، فهي الساحرة التي أخرجت العديد من كبار المفكرين والأدباء عبر العالم من مجالات اختصاصهم المتعددة والمختلفة، كي يتغزلوا فيها ويكتبوا عنها. كونها اللحظة التي يكبر فيها الإنساني في الإنسان، حين يعود إلى سيرته الأولى (الفرح والحزن)، فنحن الكائنات الوحيدة الحية فوق البسيطة التي تضحك فرحا وتبكي حزنا.. ألم يقل المفكر الإشتراكي الإيطالي الشهير أنطونيو غرامشي، صاحب الفلسفة السياسية للبراكسيس من داخل فكر اليسار: «إن كرة القدم مملكة الوفاء البشري التي تمارس في الهواء الطلق».. ثم من منا ينسى ذلك النص الشفيف الذي كتبه الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بمجلة «اليوم السابع» الباريسية، عن المارد الأرجنتيني دييغو مارادونا، سنة 1990، بل وقصيدته أيضا عن ذات اللاعب، الذي اعتبره عنوانا على ما تفعل الآلهة بالأسطورة، متسائلا: «ما الذي سنفعله بعد أن يعود مارادونا إلى أهله بالأرجنتين؟. مع من سنسهر بعدما اعتدنا أن نعلق طمأنينة القلب وخوفه على قدميه المعجزتين؟. وإلى من نأنس ونتحمس بعدما أدمناه شهرا تحولنا خلاله من مشاهدين إلى عشاق؟. ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى بطل. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلق له تميمة ونخاف عليه، وعلى أملنا فيه، من الإنكسار؟» (أليس ذلك حالنا جميعا مغاربة وعربا مع فتية منتخب المغرب؟). من منا لا يتذكر حكمة الروائي الفرنسي/الجزائري، ألبير كامو، الذي كان حارس مرمى، التي تقول: «تعلمت أن كرة القدم لا تأتي مطلقا نحو أحدنا من الجهة التي ينتظرها منها. وقد ساعدني ذلك كثيرا في حياتي، خصوصا بالمدن حيث الناس ليسوا مستقيمين دائما».. من منا لا يذكر النص الأدبي الجميل للروائي النمساوي بيتر هاندك، الذي اختار له عنوانا فارقا: «قلق حارس المرمى أثناء ضربة الجزاء».. ثم تلك المقالات الآسرة للناقد والأديب الإيطالي إمبيرتو إيكو، حول «الكالشيو الإيطالي» وحول كأس العالم، التي يعتبر فيها هذه الرياضة طقسا للمرموزات، ولغة قائمة الذات، تتبدى فيها الملامح البكر للإنسان كإنسان، وكيف أن الكرة الدائرية الشكل، هي كناية عن دوران الكرة الأرضية، وعن دوران رأس الإنسان، وأنها متوالية من الفرح الطفل للناس، وأداة عمومية للتربية على تقبل الهزيمة والسعي للفوز بشرف.. أما الروائي الأمريكي الشهير بول أوستر، صاحب رائعة «تومبوكتو» التي بطلها كلب، فإنه اعتبر أن هذه الرياضة هي «البديل عن سفك الدماء» في الحروب الكونية. وأنها بصفتها «معجزة الأمم في ممارسة كراهية الآخر، من دون الاضطرار الى تمزيق أوصاله في ساحة قتال»، مضيفا: «تخوض البلدان اليوم حروبها في ملاعب كرة القدم، بجنود يرتدون السروال القصير. والمفترض أن هذه لعبة، وأن التسلية هي هدفها. غير أن الذاكرة الخفية لتناحرات الماضي تخيم على كل مباراة، وكلما سُجّل هدف ترددت أصداء الانتصارات والهزائم القديمة» (أليس ذلك ما حدث معنا نحن والإسبان في نزال ليلة 6 دجنبر 2022؟). أما روائي الأروغواي الكبير إدواردو غاليانو، صاحب كتاب «كرة القدم في الشمس والظل»، فإنه يعتبر، مثله مثل إمبيرتو إيكو، إنه: «تدور الكرة والعالم يدور. يٌعتقد بأن الشمس هي كرة مشتعلة.. تعمل خلال النهار وتتقافز في الليل هناك في السماء.. بينما القمر يحرس الشباك.. ولكن الأمر المؤكد في المقابل، وبكل يقين، هو أن العالم يدور حول الكرة التي تدور».
لكن، أجمل الأسئلة التي طرحها الأدب حول كرة القدم، ذلك السؤال الذي يقول: «لماذا تستهوي كرة القدم الرجال أكثر من النساء؟!».. وكان الجواب: لأنها امرأة!!. فالبرازيليون يلقبونها ب: «السمينة»، ويسمونها: «الطفلة». وفي كتابه «مسالك المعنى.. دراسة في بعض أنساق الثقافة العربية»، يفكك الباحث المغربي سعيد بنكراد استيهامات كرة القدم الجنسية والحربية من زاوية ضرورة اللعب وعدم اقتصاره على الأطفال. فاللعب تحرير لطاقة جسمية ونفسية، لا يمكن التحكم فيها بحالات الجد. وهو ما يطلق عليه أحيانا الترويح عن النفس.. بل إن قاموس الكرة نفسه مثير عبر العالم، حيث تمة ملامح خطاب جنسي واضحة فيه، من قبيل: «اختراق المرمى»، و»معانقة الشباك».
لنفرح الآن، أما التأمل والتفكير والتحليل والقراءة فهي آتية، بعد أن تنتهي قصتنا المغربية مع كأس العالم قطر 2022. من يدري فقد كبر الحلم، وكبر اليقين، وكبر الطموح، وقد يفعلها «الأولاد» ويصنعون مجدا للتاريخ أشبه بالجنون.