التشكيليون يختتمون ملتقاهم الوطني في خنيفرة بالدعوة إلى تثمين الفن التشكيلي كمرآة للتنوع الثقافي

  • أحمد بيضي

 اختتمت بمدينة خنيفرة فعاليات الدورة الثانية ل “الملتقى الوطني للفنون التشكيلية”، الذي تنظمه “جمعية مجموعة لمسات فنية”، واختارت له هذه السنة شعار “الفن التشكيلي مرآة التنوع الثقافي المغربي” لإبراز ما تحمله التظاهرة الفنية من دلالات وأهداف تندرج في سياق السعي نحو ترسيخ وتطوير مستوى الحركة التشكيلية بالمغرب، وملامسة قضاياه وآفاقه في ربطه بالوضع الثقافي العام، حيث نجح الملتقى في تشكيل مناسبة للتلاقي بين عدد من الفنانين والمبدعين والنقاد والباحثين من عدة جهات مغربية، كما تميز افتتاحه بعرض رمزي لعدد من الاصدارات لمبدعين محليين، وبمعرض، من رواقين فسيحين، للوحات فنية من كل الألوان والمدارس والتعابير والتيارات.

الافتتاح الرسمي الذي رفعت ستاره المبدعة نوال شريفّ، وقدمه مدير الملتقى، المحجوب نجماوي، بكلمة ترحيبية وضعت الحضور في قلب جمالية العرس الفني وأهدافه ودور الفن التشكيلي في تجميل الحياة العامة، تميز بأصوات من “مركز روافد للأبحاث والفنون والاعلام”، ومنها قراءات زجلية ساخنة وممتدة عبر الزمن المغربي الراهن للزجال توفيق البيض، إلى جانب حوار شعري بين الشاعرتين مالكة حبرشيد ونعيمة قصباوي، اللتين تمكنتا من تحويل المكان إلى فضاء متفاعل بعمق مع الشعر الجميل، والكلمات القريبة من دائرة الأحاسيس المتساوية مع الوجود، ثم بندوة فنية فكرية شارك فيها الجامعي والباحث في الجماليات والفلسفة، د. محمد الشيكر، ورئيس نقابة الفنانين التشكيليين المحترفين بالمغرب، ذ. محمد المنصوري ومفتش المادة الفنية، ذ. إبراهيم مشطاط، بينما اختير لتسييرها الناقد والقاص، ذ. حسام الدين نوالي، بأسلوبه الإبداعي الراقي.

وقد افتتح ذ. حسام الدين نوالي، أشغال الندوة بسؤال حول المشترك الإبداعي بين الأشكال التعبيرية كلها، ومن “الفن التشكيلي أساسا كمحور تواشجت معه عدد من الحقول، باعتباره بوابة لعدد من المناهج النقدية الأدبية، كالانطباعية التي تأسست من لوحة ل “كلود موني”، وكيف أن المسرح أيضا يتقاطع معه في السينوغرافيا التي تقوم على مكونين تشكيليين هما اللون والتركيب”، فيما تستند عدد من اللوحات إلى “مادة سردية لدعم جماليتها وإثارتها كما في لوحة “الطفل الباكي” لجيوفاني”، ليخلص إلى أن هذا التعدد على مستوى الأنواع التعبيرية “لابد أن ينطوي على تعدد في البنيات والخطابات والهويات”، بحيث يصير الفن التشكيلي عموما مرآة للتنوع الثقافي.

ومن جهته، ولج الفنان ذ. محمد المنصوري، من بوابته الفنية، للتطرق إلى عالم الفن التشكيلي المغربي ك “جانب مهم من ثقافة الممانعة ضد التقزيم الذي تسعى إليه العولمة”، ولهذا فقد ظل كصدى للتشكّل المغربي للفسيفساء الثقافية والتعبيرية والاجتماعية والعرقية وغيرها، وهذا “يتناغم مع المنهج السائر نحو حماية التنوع وتثمينه على المستوى الرسمي”، وقال بأن هذا النوع من التنوع ما يزال موضوعا يهم أي مجتمع يسعى إلى تكوين ذاته باتجاه المستقبل.

أما د. محمد الشيكر فشارك بمداخلة فلسفية انطلق فيها من أن التنوع الثقافي هو خصيصة “مغرب مركب”، وربطه بمحطات تاريخية متصلة ب “الهجرات التي عرفها سكان المغرب والوافدون إليه”، وبعد تحليله لعدد من اللوحات المعروضة استنادا إلى مواضيعها من جهة، وإلى ما أسماه “اللاشعور الفني”، خلص إلى أن “عمر اللوحة الإسنادية المغربية هو عمر قصير”، ورغم أنه يمتد من أعمال محمد بن علي الرباطي إلى اليوم، فإنه استدمج حساسيات بالغة التعدد، مشيرا إلى “أن الفن التشكيلي ظل سباقا لبناء تيارات جمالية وفكرية ونظرية اتسعت في الممارسة الأدبية، وكيف أن التشكيل ليس نسقا بصريا فقط”، ولكنه بات نسقا ثقافيا ينطوي على التعدد في كل زواياه.

وبدوره، اختار ذ. إبراهيم مشطاط، من خلال مداخلته التربوية، استعمال الشاشة الضوئية لتحديد مفاهيم التعدد الفني والثقافي، قبل أن يعرج على حضور هذا التعدد الثقافي في الكفايات والوثائق التربوية الرسمية كالكتاب الأبيض والرؤية الاستراتيجية والميثاق الوطني للتربية والتكوين، كما تتبع أشكال الاشتغال على التعدد وممارسته في مناهج مادة التربية التشكيلية في الأسلاك التعليمية، باعتبار هذه المادة “حاملا للتعدد الثقافي وأرضية للتربية على تعديد التذوق، ومن ثمة الانفتاح على الفسيفساء الفنية والثقافية عموما”، لينتقل إلى تحليل عدد من الوضعيات التي اشتغل عليها مجموعة من الأساتذة في الفنون التشكيلية كمادة تربوية، والتي استقاها من متابعاته الميدانية باعتباره مفتشا للمادة، قبل طرحه لمجموعة من الأسئلة المؤرقة التي ما فتئ الأساتذة يطرحونها وينتظرون الإجابة عليها.

واختتمت الأمسية بفتح باب النقاش حول قضايا وأسئلة الفن التشكيلي بالمغرب، وبعدها فوجئ الدكتور محمد الشيكر بهدية من الفنان المبدع رشيد بومزوغ، عبارة عن بورتريه لطفلته، قبل انتقال الجميع لمنتجع “أروكو” لتناول وجبة العشاء واستكمال المناقشة، قبل تنظيم جولة سياحية ببحيرة “أكلمام أزكزا”، ليسدل الستار بحفل توزيع شهادات وهدايا رمزية وتذكارات على المشاركين، مع الاشارة إلى أن فعاليات الملتقى تخللها رسم جداريات على عدد من فضاءات المدينة، كما يجب التذكير بأن الملتقى نظم بدعم من مجلس جهة بني ملال خنيفرة، المجلس الجماعي للمدينة، مؤسسة عالم الامتياز الخصوصية ومركز اللغات الراشيدي، وبتعاون مع  زارة الشباب والرياضة، وزارة الثقافة، مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام، وجمعية الفكر التشكيلي بالرباط.

error: Content is protected !!