البناء الحق في ديوان "طعم الغابة في الحلق" للشاعر فتح الله بوعزة - أنوار بريس

البناء الحق في ديوان “طعم الغابة في الحلق” للشاعر فتح الله بوعزة

          علي وهبي

ما من شك في أن الحداثة الشعرية العربية قد تأسست بفضل معطيات تاريخية وسياسية وفكرية، وكذا متغيرات ذاتية وموضوعية، أفرزتها حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، ولمَّا حصل ذلك التأثر بمعطيات نظيرتها الغربية بفضل عوامل عدة منها: المثاقفة، والطباعة، وانتشار التعليم، وبروز وتنامي الفكر الحر، وبديهي أن النكبة أو هزيمة (1948)، قد تسببت في حدوث هزة عميقة لدى الإنسان العربي، ما جعله يفقد الثقة في كل ما يحيط به، بدرجة سيطر معها على كيانه الإحباط، والشك في المسلمات والشعارات، بل وفي السياسات والأنظمة.

إن المبدع عموما يساهم من موقعه الخاص في تطوير وتحديث مجتمعه، ف” في المؤكد أن ليس في ميسور الشعر أن يستمد محتويات هويته إلا من محتويات المجتمع الذي يعيش فيه، إذ لا ريب في أن الشعر هو المُجَلَّى الأول لروح الأمة والحامل الأكبر لهويتها.” (1).

فلا مِراءَ إذن في أن الشاعر الحديث، لم يتوقف في إطار مسعاه لتطوير الشعر العربي، وتجديد هياكله عند حد تحطيم القواعد والثوابت الموروثة والمتوارثة مند القديم، وتحويل الاهتمام والعناية لتَتَّصِل وترتبط بالمضمون الاجتماعي سواء ثقافيا أو سياسيا أو دينيا أو …. بل تجاوز هذا الطرح بارتياد عوالم أوسع من التجربة الفردية أو الجماعية، بعدما أتيح له من سبل النهل من الثقافة الإنسانية بكل ما تحويه من رموز وأساطيرَ وأديانِ وغيرها، ليتم اللجوء إلى استشراف المستقبل، وإعادة النظر في المسلمات والبديهيات، ومساءلة التاريخ بكل أبعاده، والطبيعة البشرية والغوص في خبايا النفس الإنسانية، وبلوغ أعماق الذات، وخفايا الوجود وصفاته. بغية تحقيق رؤيا تتصل ب “البعد المتجاوز لكل ما هو مادي وواقعي وجزئي..مرتبطة بمنطقة الحلم، تتجاوز حدود العقل وحدود الذاكرة. (2).

وقد ساعد هذا التوجه ، ودعَّم طرحه، وعزز صرحه ذلك الزخم الهائل من الإنتاجات النقدية بما صاحبها من سجال وتجاذبات فكرية، ك: “قضية الشعر الجديد” لمحمد النويهي (1964)، و”عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث ” لإحسان عباس (1965)، و”الشعر العربي المعاصر، ظواهره وقضاياه الفنية والمعنوية” لعز الدين إسماعيل (1966)، ووو.

شكل البناء في الديوان / اللغة أنموذجا

مهما يكن من أمر، فإن الديوان مثار التحليل يجهد بقدر كبير في بسط معالم الاختيار من لدن شاعر –ولا شك مدرك لدوره في توليد المعاني وتحقيق الشرط الإبداعي المنشود، بكل حس مرهف وحساسية جمالية بانِية لفنيتها، والمؤسِّسَةِ لقدرة هائلة تملكها الشعراء وهو منهم ضرورة، أمثال عبد الله راجع، محمد بنيس، أحمد بلبداوي، أحمد المعداوي، محمد السرغيني، محمد بنطلحة، عبد الكريم الطبال، لينضاف الديوان إلى كتابات، ما فتئت تبحث في تقديم مختلف الإجابات الممكنة لمعالجة إشكالات، صارت تفرض نفسها بقوة وتؤثر في بناء المشروع الحداثي على كافة الأصعدة.

من هنا ظلت اللغة من أهم الأسس التي استأثرت باهتمام العديد من النقاد والمهتمين باعتبارها اللبنة الأساس في البناء الشعري بشكل خاص، يقول جودت فخر الدين: ” وبذلك لم تعد اللغة تسعى وراء البلاغة، فقط ، بل أخذت تغتني بالإيحاءات التي تحمل التفسيرات، والتأويلات المتعددة. ” (3)

لانت اللغة مع بوعزة فتح الله ، بعد أن رسم لها تخوما وحدودا فرفع من منسوب طاقتها التعبيرية، وشحنها دلالات ومرامي، لعله بالكاد يتوفق في إيصال وإبلاغ ما تحيل عليه، وتبعثه في العقول والقلوب، فيتشكل الرأي العام وتتأطر الجماهير، وتتأثر باتجاه الاصلاح والتغيير،وتحمل ما يكفي من الاحتجاج والإدانة، كما في قوله :

” وافرض أني مجنون

يحرس العالم، كل العالم

ويفكر كيف يزج به في قارورة عطر

ويدحرجه صوب النار التي أوقدناها

……………………..(4)

ويلفت النظر في هذا المقام أنها ابتعدت عن الحوشي والغريب من الكلام العربي والتعقيد المعجمي، واقتربت قليلا من اليومية، والمباشَرة، والتقريرية، في بعض من جوانب الاستعمال والتوظيف، لِشَدِّ انتباه القارئ وتشجيعه على مزيد من المتابعة والتركيز، بل والانتباه لتلك البؤرة الدلالية، الكامنة في خضم التفاعلات النصية بين التشكيلين: اللغوي، والبصري، أو لنقل حتى لا يضيع الخيط الناظم بين الجزئيات والأفكار المحورية، لبناء وحدة عضوية متصلة ب ” أنا “، كما بمرادفاتها ومشتقاتها، من الألفاظ والوحدات المعجمية، ( الأنا – ص 53، 106، أتعبني هذا المدعو أنا ص: 108، أتكاثر ببطء ص: 13، وأنا لم أر- من قبل – لى رأسي غابة، ص: 25، لم أجدني/ هواء أنا لا يرى؟ ص: 29 ).

تلكم “أنا” تجمع في هذا النص بين أصنافها الثلاثة : – الأنا النحوي: ذو الوضع النحوي الصرف، والذي يتمظهر في الغالب أنوات، و– الأنا السيري: المرتبط بالجانب الحكائي في علاقته بالذات أو بالغير، و- الأنا النفسي: في إحالته على التداول النفسي، واتصاله بالوضع التحليلي النفسي الصرف(5).

هذا ونشهد المفردة في الصياغة وقد تبنت في أحايين كثيرة نفسا تقليديا، الشيء الذي يظهر تشبث الشاعر المثقف هنا ب الموروث الشعري العربي وشغفه بما وفره ديوان العرب من إمكانات إبداعية، وخلده من معان إنسانية سامية، من هنا انطبعت بطوابعه، ك (خلان، حدثتني، الوِلدان، نيازك، برهان الرماية، حمَّالة،رجْع وصال، جواري، النسوة، لوح، اللغو، حجاب، حناء، قباب النزال…..)، إنها ألفاظ جزلة فخمة متداولة في عصر الشاهد أو الصفاء اللغوي في شكل تعبيرات، ما لبثت تمتح من القديم في التراكيب والأبنية النحوية، في ذلك الزمن.

إلى ذلك ألفينا الشاعر، وعلى غرار الشعراء الحداثيين، وقد دخل في بوثقة متميزة خلاقة من ‘ السياق الدرامي’ – حسب تعبير الناقد المرحوم أحمد المعداوي.- (6)، وهو يختلف تمام الاختلاف عن ذلك الذي كان يعيشه الشاعر القديم، كما ورثه من تقاليد النظم ومستلزمات الصياغة، لمَّا كان يخاطب الآخر ممثلا في المرأة، أو القبيلة، أو غيره، ومنه قول عمرو بن كلثوم:

ألا هبي بصحنك واصبحينا //// ولا تبقي خمور الأندرينا

وقول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل //// بسقط اللوى بين الدخول فحومل.

وكذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته الإعتذارية للنعمان بن المنذر:

كليني يا أميمة لهم ناصب //// وهم اقاسيه بطيء الكواكب.

تثاقل حتى قلت ليس بمنقض //// وليس الذي يرعى النجوم بآيب.

وأما الشاعر الحديث والمعاصر، فيتوجه إلى داخله كفضاء يتداخل فيه الخاص بالعام ويتوحدان، كمخاطب يتدمر، يحتج، يثور في وجه الأوضاع والحالات بما يؤهله لخلق جَوٍّ، تقف الذات حياله موقفا يجعلها فاعلة في بلورة الأجوبة الظاهرة والخفية، والحلول الممكنة وحتى تلك المستحيلة، وفي هذا السياق يقول الشاعر:

لا تخبري أحدا

أني أشرب من النبع

إلى أن تزدحم البيوت

بالأقمار والعصافير

أمي لا تذكر الحانات بخير

وأبي يشكر دالية العنب

……………………….(7).

هكذا تكون الذات الكلمى الحزينة الباكية بكاء يحرك الهواجس ويبعث الانفعالات، أو يحرض ما تبقى في زمن العفن والدرن، والتعصب والانتهازية والتراجع، ووووو من بواعث الحركة والتحدي، لعلها تعثر في هذا التيه والظلام المطبق على المدى، على منفذ إلى عالم ترغب في إعادة تشييده وتشكيله معالمه على أسس المحبة والإخاء، وثقافة السلم والانفتاح، ووفق رؤى الصفاء والطمأنينة، وقيم العدالة والإنصاف.

وهي إلى ذلك لغة غير مباشرة رمزية، أفضت على الديوان كله نفحة من الرقي في التعبير، والسمو في استدعاء المعنى الخفي والمضامين الغابرة، ما ينم عن مِران ودُرْبة على الكتابة، وتمكّن من ناصية اللغة ، وهو أمر لا يتأتى إلا لكبار المبدعين ممن ألفوا واستأنسوا بقراءة المنجز الشعري العربي والغربي، بل والعالمي والغوص في ثناياه واستكناه دُرَرِه وخِلالِه، بعد ما توفر بين يديه من أدوات تسعفه في تَعَرًّف واستلهام ثقافات الشعوب وحضارات الأمم.

من هنا ألفينا شاعرنا يتوسل الرموز كتقنية تعبيرية تروم تأثيث الأفضية بما يلزم من التنويع الدال والهادف، مادامت تحضر مصحوبة بوظائف مختلفة بغاية توسيع دلالات الصورة الشعرية وإغنائها، وتوحيد أبعادها المرجوة، وتكثيف معانيها ودلالاتها، وكذا توخي ما يتأتى من سمات فنية وجمالية.

(  الغابة، 25، أدونيس، ص: 119، ابن عباد، ص: 106، الحلاج،ص: 116، آدم، ص:127 الشاعر، ص: 47، ديك الجن،ص: 123، سانشو، ص: 133، الخوارج، ص: 133….الغريب، ص: 96، …)

ما منح الديوان نفحة أسطورية من نوع خاص، تبلورت من خلال تجربة الشاعر بشكل عام لتوضيح ما ينضح به النص ويَعُجُّ، من أبعاد فلسفية ووجودية، ” وذلك لأن طبيعة الأسطورة لا تختلف عن طبيعة التجربة الشعرية، فهي تعاني الواقع معاناة شعورية، إيمانية، تخترق جدار العقل والوضوح، والتقرير، وهي، إلى ذلك، تنطوي على يقين التاريخ ووهم الخيال، وتظهر وحدة المصير البشري والوجود.” (8).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

 – (1): يوسف سامي اليوسف : ” تمهيد لنظرية الشعر”، مجلة الوحدة ع: 82/83- غشت (1991). ص: (160)
– (2): أحمد الطريسي أعراب: “التصور المنهجي ومستويات الإدراك في العمل الأدبي والشعري”، شركة بابل للطباعة والنشر، الرباط ، (1989)، ص: (23)
– (3): جودت فخر الدين: ” نحو رؤيا تتجاوز نفسها باستمرار”، مواقف، ع: 36 ،(1980)،ص: (128)
– (4): فتح الله بوعزة: “طعم الغابة في الحلق”، الموجة الثقافية، الطبعة الأولى: (2017)، ص: (134).
– (5): محمد السرغينى: ” الشعر والتجربة “، مجلة الوحدة، مرجع سابق، ص: (127).
– (6): أحمد المعداوي: “ظاهرة الشعر الحديث”، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدارالبيضاء، الطبعة الثانية: (2007)، الصفحة: (261)
– (7): الديوان: م س، ص: (58).
– (8): إيليا الحاوي: “في النقد والأدب”، الجزء الخامس، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى: (1980)، ص:(112).
error: Content is protected !!