جدل السيري والروائي في نص “ثيلوفا” لسعيدي المولودي *

المصطفى فروقي

 يبدو من خلال القراءة الأولية للعمل الأدبي الموسوم ب (ثيلوفا )** أنّ المؤلّف لا يركّز على حياته الخاصّة وتاريخه الشّخصي بذلك الوضوح الذي يميز السّيرة الذّاتية حيث الّتّطابق الصّريح بين المؤلّف والرّاوي والشّخصية، غير أن ذلك لا ينفي وجود جملة من المؤشّرات النّصّية، التي يمكن إجمالها في طبيعة النّسق الذي تفاعلت داخله شخصيّات هذا العمل السردي واكتسبت من خلاله ، كعلامات ، ملامحها وهويّتها في ارتباط بالنص الثقافي الذي يؤطرها أو الذي تسعى لتدميره ، مؤشرات تجعلنا نستشعر ان هناك أصداء حياة خاصّة ، أعيدت صياغتها ضمن مسارات تخييليّة، مما يجعلنا نفترض انتماء هذا العمل الأدبي لجنس السّيرة الرّوائية ككتابة أدبية “تستمدّ عناصرها من الرّواية، ومن السّيرة الذّاتيّة لتؤسّس وجودها مجازيا بينهما” (1).

وذلك ما سنحاول اختبار صحّته من خلال مقاربة مكون الشّخصيات التّخييلية في النّصّ باعتبارها علامات لسانية “يصدق عليها ما يصدق على العلامات (…)، فهي كيان فارغ أي “بياض دلالي” لا قيمة لها إلا من خلال انتظامها داخل نسق هو مصدر الدّلالات فيها وهو منطلق تلقّيها أيضا” (2) وذلك من خلال إضاءة مستويات الدّال والمدلول والنّسق فيها.

ولأنه- كما يقول رولان بارت- ” ينبغي مساءلة اسم العلم دائما بعناية لأنه -إذا جاز القول- أمير الدّوال، إيحاءاته ثريّة واجتماعية ورمزيّة” (3)، فإنه يمكن القول إن أسماء العلم كدوال في نص ” ثيلوفا” تشتغل كدوال بسيطة لكنها عميقة من حيث إيحاءاتها البدوية، إنها أسماء عادية غير مستمدة لا من التاريخ كمرجع ولا من الأسطورة كذاكرة إنسانية متخيلة، بقدر ما هي دوال تحيل على مجتمع الأعالي الذي يعيش حياته في الجبال والقرى النائية بعيدا عن أسباب ومؤشرات الرّفاه، قريبا من ينابيع الّندرة والخصاص، أسماء منسجمة ليس فقط في بعدها الإيحائي الأمازيغي ورنينها المتميز بالخفة والإيجاز، بل أيضا بمدلولها الذي تشيده مساراتها التصويرية – بورتريهاتها – وبرامجها السّردية التي تنتهي دائما بالمواجهة مع قوى الهيمنة والتسلط الممثلة في النّص بالسّلطة الإدارية و العسكريّة.

فشخصية “حدو” في النص “قافلة من الأحزان والآلام والأحلام والنّكسات، بركان خامد، ونهر ينزف الصمت، لا يقرأ الشعر، ولا يرعاه التاريخ، ولا يراه الله في وحدته، في قسماته المرّة تولد سيرة الأشياء …شجرة، إزميل، حجر الأعماق، تحترق ضفافه على قبضات الخبز البلدي الخشن وحلاوة الشّاي والكسكس المترع برائحة الأرض وغبار السنين، يغرس خطوه في سمت الغرابة المعلّقة بلون الهواء كسفر محظور”.(ثيلوفا – ص 36).

أما شخصية “ايطو” فهي “ياسمينة مخذولة، دفتر غجري، لوعة تسري في لهيب الوطن، وشم يسكن حرمة الأبواب، لا اسم لها ولا طريق، وضعتها أمّها الدّامية كما في الأساطير القديمة تحت ظل شجرة منسية في الأعماق” (ص 52)، “إيطو يمامة، غمامة ، تزرع عنفوانها في هجير المحال” (ص 54)، أما “حوسى” فيرسم له السارد البورتريه التالي فهو “البدر الذي لا تعرفه قوائم الإحصاء ومدائن الحالات المدنية” (ص 19) ، “الطفل الغجري المعمد بالنسيان” (ص19)، وبعدما لفظته المدرسة سيكبر و”سيزاول محبّته وتعلّقه بالأرض والهواء وشجر الأعالي “(ص 89) إلى أن “توفر لأبيه بعض المال فقرّر تقديمه كقربان، لتقذفه الأهواء في ثكنة القوات المساعدة ، تلقى فيها التمارين العسكرية واستعمال بعض الأسلحة، ويتخرج من عناء التداريب بعد ذلك ليستعرض بداوته وبراءته في الشوارع المهزومة ” (ص 89).

وبخصوص شخصية “احمد” في النص فقد رسم السارد ملامحها على الشكل التالي انه “”صفحة من كتاب مرشوق، كبر الجرح في سواقيه كرمانة عانس، وأغلقت ليلة القدر أبوابها في وجهه الغجري ، انثال على شفة العمر مغموسا في الهباء، وتمرغ على مدار سنوات مجرورة في جامع الغباء” (ص 90)، بينما شخصية “موحا” فهو ذلك “الجندي المجهول، المعلوم ، الذي أفنى جزءا من عمره في فيالق الجيش الفرنسي ، يعلّم أجيال السّغب من أبناء قريته فنون الحرب والقتال والمبارزات (…) اكتسب الكثيرون على يديه تقنيات عسكريّة أهلتهم للانخراط في سلك الجنديّة بعد سنوات من الاستقلال العقيم الذي علّقوا عليه أمالا غزيرة ذهب ذويّها أدراج الرّياح ” (ثيلوفا ص 35).

هذا، وفيما يتعلق بالشخصية المركزية في النص، بحكم علاقتها بباقي الشخو ، والواردة بضمير الغائب (هو) فقد ربط السارد أوصافها بالمدينة / العلامة التي يقصدها كل مرة باحثا ،على ما يبدو عن حل لمعضلة تتعلق بمسارها المهني في تلك ” البناية التعسة” ( ص16)التي تتعامل معه ” كرقم موبوء” في” المدينة القبو” (ص 17) المدينة “التي تستنسر فيها البغاث ويكسو جلدها اللصوص وطيور هزيع الليل الذين يحجبون المدار” (ص18).

في سياق الحديث عن الشخصيات التخييلية في النص نشير لوجود صنف ثان من شخوص هذا العمل السردي، وهي شخصيات ذات بعد وظيفي، علامات جاهزة الدلالة على خلاف الصنف الأول (المقدم، الشيخ، الدّركي، مدير المدرسة، رئيس المصلحة الإدارية المحلية، المسؤول الإداري المركزي)، إنها تبدو على نقيض الأولى حاملة لمعنى ممتلئ وثابت كما ستؤكده أدوارها وبرامجها وأشكال توظيف إيحاءاتها المهنية في النص حيث برزت ممثلة لنص ثقافي مضاد لمرجع الشخوص المشكلة للمجموعة الأولى، نص ثقافي يمتح من البيروقراطية والفساد الإداري والاستبداد مقابل شخوص (هو، حوسا، حدو، إيطو، احمد، موحا، الام، …) تتمتع بمواصفات مضادة حيث يجمعها نشدان الإنصاف والحرية وصدّ آلة القمع والإهانة والعسف والظلم التي اكتوت بنيرانها كما تدلنا على ذلك مساراتها ومصائرها، في النص، التي انتهت بها برامجها السردية .

فالشخصية المركزية (هو) تبين انه مدرس تم التعسف عليه وعزله عن عمله نتيجة أفكار التغيير التي يحملها وظل متشبثا بحق استرجاع وظيفته، أما “حوسا” الذي بدأ حياته راعيا ثم التحق بمدرسة “ايغرم” بعدما ابتز المدير والده بوساطة من مقدم العشيرة ثم بعد ذلك ستقذفه المدرسة إلى الخارج وسيعود إلى محبته وتعلقه بالأرض والغابة والجبل والأقران قبل أن يلتحق بصفوف القوات المساعدة وينتهي مساره “مضغة من نار” تتقاذفه السجون لكونه أشهر السلاح في وجه مرؤوسيه وأرداهم، ذات ليلة، قتلى مدافعا عن كرامته المداسة عنوة .

وبخصوص مصير “موحا”، المحارب القديم، والمقاوم زمن الاحتلال فقد وجد نفسه بعد الاستقلال لا يلو على شيء لأنه ” لم يوقع على وثيقة الاستقلال” بتعبير السارد، في حين يكون أحمد ” فقيه القرية وعالمها “المبجّل”، قد سخّر “علمه” الذي قضى لتحصيله سنوات طوال لتمثيل دور” الطبيب” الذي تنهزم على يديه كل الأمراض الباطنة والظاهرة يعالج عقم النساء ويزوّدهن ب” بركات ” التّمكين مستعملا كل ما بدا له من أساليب الإغواء، بينما ايطو’، رمز الجمال الغجري ستنتفض ضد ذهنية استعباد الجسد وستكسر أغلال العقلية الذكورية وتفر بعيدا إلى فضاء المدينة وهناك ستكتب تاريخ جسدها بعيدا عن مصادرات التنميط .

أما الأب “حدو”، رمز الصمود وحامل تاريخ الجبل الامازيغي المنسي سجل لكل ألوان العسف والاهانة من طرف رجالات الإدارة والسّلطة وأعوانها لكنه سيصمد أمام كل الّضّربات، بينما الأم، بؤرة تقاطع كل الأصوات السابقة، حارسة الذاكرة الجماعية التي ترمز لها الخيمة “بلاط التاريخ” بتعبير السارد، هكذا تضيء الشخصيات بعضها البعض وتكتسب علاماتها مدلولا داخل نسق التقابل الذي بدا في النص محكوما بالصّراع بين قوتين إحداهما تمتلك سلطة القرار وأدوات وأجهزة التنفيذ والأخرى لا تملك غير ما تتسلح به من مبادئ وتضحيات جعلت منها عنوانا للصمود أمام كل دورات الاضطهاد .

أما على مستوى الخطاب ، فإن نصّ “ثيلوفا” تتوزّعه عدّة حكايات تبدو، في الظاهر، مستقلّة عن بعضها البعض، حكايات تخترقها بين الحين والأخر تأمّلات وشذرات فلسفية ووصف شاعري للأشياء والحالات والأهواء تلعب دور موسيقى تصويرية تضفي على النص هالة شعرية عميقة يستلذّ من خلالها القارئ جمالية الطبيعة أحيانا ويستطعم دقة وصف الأحاسيس والمشاعر وفصوص اللذة أحيانا أخرى، كما يخبر من خلالها، في سياقات أخرى ألوان الهمجية التي ترافق آلة القمع في مواقف أخرى، كما أنها حكايات مدخولة بين الفينة والأخرى بنصوص عابرة على شكل تقارير أمنية وإدارية ورسائل خاصة جعل منها الراوي فضاء للتهكم والسخرية السوداء من جهل وتعنت القوى الداعمة للفساد والاستبداد ومن قراراتها الرّعناء، كما جعل منها منبرا للنقد اللاذع لسلوكات فقهاء الظلام .

إنها حكايات تبدو من خلال ملامح شخوصها ومصائرهم وكأنها حكاية واحدة هي حكاية المدرس (هو) المعزول وقد أصبحت لها شظايا هنا وهناك لدى الفئات التي تشترك معه في وضعه الاجتماعي الذي يطبعه الإقصاء .

إن الشخصية المركزية في النص الواردة بضمير الغائب ليست وفق المعطى الذي ذكرناه سابقا إلا امتدادا خفيّا لصوت الرّاوي الذي يمثل في النص ظل المؤلف ومستودع أفكاره وتجاربه في الحياة بعدما منحها في النص بعدا جماعيا، إن لم نقل طبقيا عبر إعادة صهرها وفق المتطلبات الفنّية للسّرد الروائي المعتمد أساسا على تخييل المشاهد والأحداث والشخوص مما يجعلنا بصدد نص اختار صاحبه تشييد خيمته السردية في ساحة الشعر المنثور بين نهري السيرة والرواية مبتكرا نصا مجازيا ثالثا هو بمثابة سيرة روائية بنفحات شعريّة اختار لها اسم “ثيلوفا” أو “البيان الحكائي”.

 المراجع
 * ثيلوفا (بيان حكائي) منشورات جمعية أجدير إيزوران للثقافة الأمازيغية، خنيفرة ، ط1/ 2018
* * ثيلوفا “لفظة تعني المحن وشظف العيش في امازيغية الأطلس المتوسط المركزيّ .
 (1) عبد الله إبراهيم، السيرة الرّوائية، إشكالية النوع والتّهجين السّردي (الجزء الاول)، مجلة علامات، العدد 19، 2003، ص 6.
(2)، فيليب هامون، سيميولوجية الشخصيات الروائية، ترجمة سعيد بنكراد، ط العربية 1/ 2013، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، اللاذقية، ص ص 12، 13 (مقدمة المترجم)
(3)، رولان بارت، تحليل نصي لحكاية من حكايات إدغار ألن بو، ضمن كتاب، التحليل النصي، تطبيقات على نصوص من التوراة والإنجيل والقصة القصيرة، ترجمة وتقديم عبد الكبير الشرقاوي، دار التكوين للتأليف والنشر والتّرجمة دمشق سوريا ص 83.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقالة هي في الأصل جزء من نص المداخلة التي شاركت بها في الدورة الثالثة ل “ملتقى السرد بجهة بني ملال خنيفرة”، المنظم من طرف منتدى الأطلس للثقافة والفنون بخنيفرة بشراكة مع فالية للنشر، بالمركز الثقافي أبو القاسم الزياني بخنيفرة يوم 27 ابريل 2019..
error: Content is protected !!