باحثون جامعيون يشخصون بخنيفرة إشكاليات الواقع وانتظارات التنمية بالأطلس المتوسط

  • خنيفرة: أحمد بيضي
 “الأطلس المتوسط : إكراهات الواقع وٱفاق التنمية”، كان هو موضوع الندوة العلمية التي جرى تنظيمها بخنيفرة، مساء الجمعة 24 ماي 2019، من طرف “جمعية أجدير إيزوران للثقافة الأمازيغية” بخنيفرة، في سياق تشخيص واقع المجال كمدخل أساسي للتنمية، بينما قاربت مجموعة من التصورات والاكراهات المتصلة بالتاريخ والجغرافيا والبيئة والسياسة العامة، وبمناطق الأطلس المتوسط وحاجتها لتوزيع عادل للثروات والمخططات الاقتصادية والاجتماعية، وأيضا بالجبل كمكون ومعطى مجالي استراتيجي طبيعي في علاقته بالإنسان والتنمية والاقتصاد، وذلك من خلال عروض ثلة من الباحثين الذين تمكنوا من ربط أواصر التفاعل مع الحضور المكثف، وهم د. محمد ياسين، د. محمد جرير ود. لحسن جنان، بينما اختير د. امحمد أقبلي لتسيير أشغال هذه الندوة.
الندوة التي احتضنها المركز الثقافي أبو القاسم الزياني بخنيفرة، تأتي في سياق سلسلة الندوات التي نظمتها “جمعية أجدير إيزوران للثقافة الأمازيغية”، حول العدالة المجالية والجبل، ورهانات التنمية المستدامة والفعل الثقافي الأمازيغي، وعلى غرار ما سبق، سجلت “ندوة الأطلس المتوسط” حضورا متميزا ولافتا للفعاليات الثقافية، الجمعوية، التربوية، الاقتصادية، والإدارية، وغيرها من الشرائح الاجتماعية والمهتمة بالشأن العام المحلي، كما حضرها عامل الإقليم وبعض المنتخبين ورؤساء المصالح الخارجية، وانتهت أشغالها بفتح باب التدخلات في وجه الحضور الذي ساهم في إغنائها بعدد من الأسئلة والمقترحات.
وافتتحت ندوة “الأطلس المتوسط : إكراهات الواقع وٱفاق التنمية”، بكلمة د. امحمد أقبلي الذي وضع بها الحضور في صلب موضوع اللقاء الذي جاء تنظيمه في سبيل “إغناء النقاش حول الإشكالات المطروحة على مستوى العدالة المجالية والاجتماعية”، وسبل التحكم في فوارقها وإكراهاتها، سيما أن كل المؤشرات والحقائق، يضيف المسير، تدل بالملموس على “ما يزخر به إقليم خنيفرة من طاقات ومؤهلات تجعله رقما صعبا في المعادلة الوطنية”، ما يحث الجميع على مضاعفة الجهود وتقوية مهارات الترافع للنهوض بالفرص المتاحة، وإيجاد الحلول الممكنة للإشكاليات القائمة واكراهات الواقع بغاية تحقيق رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتثمين الخصوصيات الثقافية والبيئية والرأسمالين المادي واللامادي.
ومن جهته، انطلق د. محمد ياسين من الأفكار والتشخيصات التي ينبغي تمليكها للمساهمة في تنمية إقليم خنيفرة، الأطلس المتوسط عموما، عبر “الخوض في ما يدخل ضمن السياسة العامة وما تسطره الجماعات الترابية ومكونات المجتمع المدني”، بينما لم يفته وضع سؤال عريض حول مفهوم أو مصطلح الأطلس المتوسط؟، في علاقته بالمجال والإنسان، بناء على المقومات العلمية، والدراسات الجيولوجية والبيولوجية والنباتية، إذ “من دون مرتكزات علمية يصعب تحديد التصورات الممكن الوصول بها لتأهيل ما هو منتظر”، علما، يضيف د. ياسين، أننا “لم نتمكن من بلورة تصور مندمج وشمولي في ما يتعلق بالتاريخ والجغرافيا والمجال”، وأيضا ب “الاكراهات الناتجة عن السياسات الممنهجة”، والتمفصلات الفارقة بين المناطق الجبلية وغيرها، والعوائق المعيقة للتنمية.
وفي ذات السياق، تطرق المتدخل لما يراه رهين انتظارات مجتمعية من أجل “تجاوز الاختلالات المتعددة، والمواطن التي توجد في هذه الاختلالات على مستويي التهيئة ومحدودية المقاربات، والنقص والتقادم الحاصل في البنيات التحتية والملاءمات المجتمعية، والضعف الكبير في توطين المشاريع وطرق تدبيرها، وإهمال تحديد الأولويات الممكنة للحد من الفقر السوسيولوجي ونزيف الهشاشة والهجرة والجهل بأهمية المبادرات الإنسانية والشبابية والنسائية”، علاوة على ما سجله المتدخل من ضعف في مردودية الاستباقية والاستشرافية من لدن الدولة والهيئات المنتخبة والجمعوية، والتقاعس الملحوظ في استثمار الاقتصاد الاجتماعي التضامني والمكاسب الملموسة.
وبينما ذكر المتدخل، د. محمد ياسين، ببعض الفصول الدستورية المتعلقة بالتنمية والجهوية والتدبير والحكامة، تطرق للمقاربة الجهوية كفكرة قابلة للنقاش، وللتنمية البشرية على مستوى البرامج الوطنية والدولية، قبل الغوص في بعض الاختيارات التي أكد على ضرورة التفكير فيها، انطلاقا من بعض المرتكزات التي لا تقل عن التنوع النباتي والثقافي والمائي والمعدني والرأسمال المادي واللامادي، والنمو الديمغرافي المتسارع، والطاقات المحلية الحية التي يجب الاعتماد عليها في “ابتكار البرامج والمحددات الممكنة والأقطاب الواجب الإنصات إليها، فضلا عن ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمساءلة، وترتيب السياسة الحقيقية بين الدولة والأطلس المتوسط، وإحداث قنوات فاعلة بين المركزية واللامركزية على قاعدة سياسة القرب”، مع تجديد استراتيجيات الانتخابات المقبلة.
أما د. محمد جرير، فاختار التمهيد لمداخلته من باب تأكيده على أن “إشكالية التنمية ليست وليدة اليوم بل هي مشكلة سياسية، اجتماعية”، مرتكزا على ثلاث إشكاليات من منظور جغرافي، ومنها أساسا إشكالية التنمية البيئية، نظرا لما يكتنزه الأطلس المتوسط من الترواث الطبيعية، المائية والغابوية التي ينبغي المحافظة عليها، ثم الإشكالية الوظيفية الجهوية باعتبار الأطلس المتوسط منطقة لها خصوصيات تشكل وحدة متميزة ومتكاملة ومتجانسة، اقتصاديا وبشريا، إلى جانب إشكالية التنمية اللامركزية التي تحتاج لتنظيم جديد، معتبرا إشكالية التنمية بالأطلس المتوسط هي ثلاثية الأبعاد، مع تركيزه على أهمية البيئة كإشكالية أساسية على مستوى التنمية، من حيث “لا يمكن النهوض بأية إستراتيجية تنموية دون إستراتيجية بيئية”، حسب قوله.
وصلة بالموضوع، زاد د. محمد جرير فتناول واقع وآفاق المجال الغابوي الذي يزخر به إقليم خنيفرة والأطلس المتوسط، إلى جانب البيئة في علاقتها بالثروات الطبيعية، ثم إشكالية “النمو الديمغرافي والتوسع العمراني وانعكاسهما السلبي على المجالات الرعوية والغابوية”، قبل انتقاله للتطرق ل “أهمية الرهان على حماية البيئة اعتمادا على التنمية البشرية، الاقتصادية والاجتماعية، والقوانين الواجب تطبيقها على أرض الواقع”، دون أن يفوته التعبير عن استغرابه حيال “غياب السياحة الجبلية وإغفال دورها في الرفع من وتيرة التنمية المحلية”، كما أشار ل “لمجال الفلاحة والرعي الذين ما يزالا تقليديين ومتخلفين”، في حين دعا إلى ضرورة البحث عن “تموقع أفضل على الصعيد الوطني”، و”التنسيق مع المؤسسات المعنية من موقع قوة”، والاعتماد على “القدرة التنافسية التي يكتسيها الأطلس المتوسط”، في أفق تخطي حال الفقر والهشاشة وضعف خدمات الصحة والتعليم والبنيات التحتية.
وبدوره، انطلق د. لحسن جنان في مداخلته مما يميز الأطلس المتوسط على مدى التاريخ المغربي، إن على مستوى التجارة أو المقاومة، أو كملتقى جغرافي بين الجهات، أو القبائل التي وقطنته، قبل وبعد الحماية، في حين لم يفته تشخيص الحركية القبلية التي عرفها الأطلس المتوسط بأعرافها وتقاليدها وأنماط إنتاجها، وبحثها عن العيش والاستقرار، معتقدا، من منظور خبرته الجغرافية، أن غنى هذا الأطلس “لم يكن نعمة فقط بل هو نقمة عليه أيضا حين كان مجالا مفتوحا ومشجعا على الاستعمار والأطماع”، وإقصائه من أية سياسة تعتبره من “أولى أولويات التوازنات المجالية كغيره من المناطق ذات البعد الاستراتيجي”، علاوة على عامل التقطيع الانتخابي الذي تم “بهواجس غريبة ساهمت في تجزيء مناطق الأطلس المتوسط” وجعله غير منسجم ولا متكامل.
وبينما لم يفت د. لحسن جنان التطرق لما يعرف عن الأطلس المتوسط كخزان مائي وغابوي، أشار لما يعانيه هذا الأطلس من وعورة التضاريس وصعوبة ظروف الإنتاج وانعدام البنيات التحتية، وغياب التجهيزات الأساسية والتصاميم الخاصة، وغيرها من الأوضاع التي يصعب في ظلها تحقيق التنمية المنشودة وإحلال العدالة المجالية، حسب المتدخل الذي دعا إلى تجنيد الطاقات المحلية والعمل على إنشاء صندوق خاص لدعم المناطق الجبلية، وتشجيع الاستثمار  في المجالات الحيوية، والحفاظ على الموارد المائية، وعقلنة الموارد الطبيعية وتثمين التراث الأمازيغي، وإشراك الساكنة الجبلية في المخططات والبرامج، كما دعا إلى تطبيق التشريعات لأجل استدراك التأخر الحاصل في سلم التنمية، وتقوية آليات التضامن مع المناطق الجبلية التي لم يفته التمييز بين مفهومها ومفهوم المناطق القروية
error: Content is protected !!