حماة القلعة الأثرية “إغرم أوسار” بخنيفرة يحذرون شركة منجمية من محاولات تخريب هذه القلعة

  • أحمد بيضي
 
عادت المدينة الأثرية ب “أغرم أوسار”، إقليم خنيفرة، إلى الواجهة إثر ضبط شركة تويسيت لمناجم عوام وهي تقوم بحفر بئر كبيرة وسط الموقع، وذلك في ما يشبه الصدفة عندما كان طاقم أحد البرامج التلفزيونية الوثائقية بصدد إنجاز حلقة خاصة بهذا الموقع الأثري، ليفاجأ الجميع بوجود أشغال قائمة، على قدم وساق، الأمر الذي أثار غضب أوساط واسعة من الساكنة والفعاليات المحلية، باعتبار ما تقوم به الشركة المنجمية خرقا للقوانين الوطنية والدولية المعنية بحماية التراث والمآثر والمباني الأثرية، والتي تمنع من إنشاء أي مشروع بمحيط أو وسط موقع أثري، مقابل العمل على برمجة حاجاته من ترميم وصيانة أو تأهيل لحمايته.
وأكدت مصادر متطابقة من عين المكان، أن وزارة الثقافة قد فات لها، عام 2017، أن أوفدت لجنة مركزية ضمت عدة مصالح، وخرجت حينها بقرار نهائي يحتم على الشركة المنجمية المذكورة احترام القوانين الجاري بها العمل، ويحذرها من مغبة إنجاز أي مشروع لها بالموقع الأثري المشار إليه، قبل أن يفاجأ الجميع ب “الانقلاب” على القرار من طرف الوزير الحالي الذي لم يستبعد المتتبعون أن يكون أعطى الضوء الأخضر للشركة المنجمية بإنجاز مشروعها مقابل شروط ما قد تكون التزام بإنشاء مشاريع ثقافية، متحف، ترميم وغيرها، 
وتفيد مصادرنا، بقلق بالغ، أن أعمال الحفر بالموقع تشرف على نهايتها، أمام مرأى ومسمع من الجهات والمراكز المسؤولة، كما أن مدير الشركة المنجمية قد أخل بتعهداته والتزاماته، وربما أكد أنه لن يتجاوز بعض الاصلاحات على مستوى البنى التحتية، كما ليس من المستبعد أن يكون خلف الأمر ما يشبه التمويه على أساس أن ما يجري بالموقع ليس سوى ما تم تسطيره ضمن اتفاقية موقعة عقب افتتاح إحدى المهرجانات المحلية.
وكانت أوساط العديد من الفعاليات المهتمة بحماية المواقع الأثرية من الوجهة الثقافية والسياحية، قد انتفضوا في وجه قرار الشركة المنجمية “تويست” بإنشاء مشروع “منجم ضخم” بقلب المدينة الأثرية، المسماة بين أبناء المنطقة ب “إغرم  أوسار”، والتي تبعد عن مدينة مريرت بحوالي عشر كيلومترات، حيث لم تقتنع الشركة المنجمية باستخراج معادن الرصاص والزنك والفضة والذهب، وهي تقرر التوسع على حساب المدينة الأثرية المذكورة، على حد مجموعة من التعاليق المحلية ومن الفعاليات والجمعيات التي لم تتوقف عن مكاتبة الجهات المسؤولة في الموضوع.
وكانت الشركة المنجمية “تويست”، حسب مصادرنا، قد قامت، خلال فترة سابقة، بدراسة إنشاء منجم داخل المنطقة، ولكن خارج أسوار المدينة الأثرية، وتم تقديم الدراسة لدى أحد الأبناك الأوربية قصد الحصول على قرض لتمويل المشروع، بما فيه إنجاز بئر منجمي بمعايير عالمية، انطلاقا من احترام سرعة وثيرة الإنتاج وتحسين ظروف العمل داخل الأنفاق الباطنية، ليتم قبول طلب الشركة، في أواخر السنة الماضية 2016، من طرف البنك الأوروبي، غير أن إدارة الإنتاج عمدت إلى استبدال الموقع، عبر الدخول في التفاوض مع بعض ملاكي الأراضي داخل أسوار المدينة الأثرية وليس خارجها كما هو معلوم بالدراسة المنجزة وبأوساط الساكنة.
من باب إبراز القيمة التاريخية للمدينة الأثرية “إغرم أوسار”، أكد الباحث الجمعوي، الحسين أكطا، أن “جمعية أبغور للتنمية القروية” بالمنطقة، قد سبق لها، عام2016، أن وقعت اتفاقية شراكة مع “المعهد الايطالي للدراسات القديمة” و”المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث” و”جامعة المولى إسماعيل” إلى جانب “جماعة الحمام” و”شركة تويسيت”، لأجل تثمين أسوار المدينة الأثرية، وتصنيفها ضمن التراث الوطني، مع إجراء تنقيبات داخلها على يد اركولوجيين ايطاليين، بتنسيق مع باحثين مغاربة، ومن خلال  النتائج  الأولية للحفريات تبين أن تاريخ المدينة الأثرية  يعود إلى العصور الوسطى، ما يتطابق والمصادر التاريخية في هذا الشأن، حيث تم الاتفاق على ترميم  ما تبقى من أسوار والمساهمة في إحداث متحف محلي.
كما كتب عنها الأستاذ محمد زروال بالقول إنها تسمى قديما ب “مدينة المعدن”،  ليصير اسمها إداريا “إغرم أوسار”، وتعني بالأمازيغية القصر الكبير أو المدينة العتيقة، وتتجلى هذه العتاقة من خلال “آثار تؤكد أن المنطقة كانت تعج بالسكان والحياة والرواج والحيوية في القرون الماضية”، ف “الأسوار الضخمة التي يتجاوز سمكها مترين وعلوها ثلاثة أمتار ونصف مثلما سجل الباحث روزنبرغ سنة 1964، وقد أكد أن تلك الأسوار كانت في حالة جيدة مقارنة مع وقتنا الحالي، أسوار يقارب طولها 8 كلمترات وتحيط بمساحة 40 هكتار”، حسب الباحث مصطفى الغزال الذي يسكن غير بعيد عن الموقع.
وإغرم أوسار، مدينة ذكرتها كتب التاريخ بتسميات أخرى كغوام وعوام وأوركناس، منها كتاب “وصف إفريقيا” للحسن الوزان، و”إعلام الأعلام” للسان الدين بن الخطيب و”الاستبصار” لمؤلف مجهول، حيث كانت هذه المدينة، يضيف ذ. زروال، مركزا اقتصاديا وسياسيا “تنافست حوله القوى السياسية المتعاقبة على المغرب خلال العصر الوسيط،  بل هناك احتمال أن تكون المدينة منذ ما قبل الأدارسة حسب باحث جيولوجي ألماني من خلال دراسة أولية لأحجار عثر عليها في ركام المدينة وأسوارها”، في حين ذهب الأستاذ حوسى جبور أن هذه المدينة تعرضت للتخريب والهدم على عهد المرينيين بسبب ضعف حكمهم والتنافس حول من يسيطر عليها.
وعن مخطط المشروع، سبق لاجتماع عقد بمقر عمالة الاقليم، يوم الخميس 6 يوليوز 2017، أن تناول قرار الشركة المنجمية “تويسيت” بإنشاء المشروع، وقرأ عامل الإقليم في المشروع يومها كونه “فرصة استثمارية من غير المقبول التفريط فيها”، حسب قوله، وزاد فأكد أن “المشروع الذي تبلغ قيمته المالية 340 مليون درهم، ويوفر 800 منصب شغل على مدى حوالي 30 سنة”، مكتفيا آنذاك بالدعوة إلى البحث في الشروط والميكانزمات الضامنة لتحقيق المشروع الاستثماري مع صيانة الموروث الثقافي لمنطق إغرم أوسار، مع كيفية إنجاز برنامج عمل ودراسة متطلبات انجاز الاستثمار وتشجيع المستثمرين في أفق العدول عن قرار إلغاء القرض لدى البنك الأوروبي.
ومن جهته، أكد المدير العام المساعد للشركة المنجمية “تويسيت” على أنه سيلتزم بطي صفحة الماضي، مشيرا إلى أن دراسة المشروع الاستثماري استغرق أكثر من 10 سنوات، وشملت الجانب التقني والمالي والبيئي، وتم عرضها على الجهات المختصة التي وافقت عليها، حسب قوله، في حين أبرز أن تمويل المشروع حظي بقبول البنك الأوروبي للتنمية، وهناك مؤشرات من طرف هذه المؤسسة المالية للتراجع عن التمويل في حال عدم توفر الأرضية التي تسمح بإنجاز المشروع، ومنها على الخصوص السلم الاجتماعي من طرف عمال مناجم عوام، على حد قول المدير العام المشار إليه.
والمؤكد أن ملف المدينة الأثرية “إغرم أوسار” ما يزال مثار اهتمام الفعاليات المحلية، بقدر ما يثير تجاهل قيمة الموقع استياء هذه الفعاليات التي لم تتوقف عن التشديد على ضرورة حماية هذا الموقع الذي أضحى قبلة للباحثين والمهتمين بالتاريخ القديم، وإذ تدعو لقراءة الموقع، لا يفوت العديد من الفاعلين تحميل وزارة الثقافة والجهات المعنية كامل المسؤولية في حماية الموقع وتصنيفه وتضمينه في البيانات والتصاميم حفاظا عليه كإرث محلي، وطني وعالمي، وعلى صعيد ذلك ما يستدعي العمل على فتح حوار موسع لتقارب وجهات النظر وتبادل الآراء حول الموضوع المثير للجدل.
error: Content is protected !!