محمد منصور، الرجل ذو القبرين (6): الفتاة “تيريزا” تقرر الإسلام وتلتقي بالملك محمد الخامس قبل زواجها من سي محمد منصور

لحسن العسبي

هكذا، شاء قدر دعوة الفتاة “تيريزا آكاردي” (السيدة فريدة منصور)، لتقديم يد المساعدة إلى ابنة قاضي قضاة المدينة “الحاج التازي”، لتعلم الأبجديات الأولى اللغة الفرنسية، في أن تحتك لأول مرة، ضمن عائلة مسلمة من النخبة، بطقوس التعبد الإسلامية. فتحرك شئ ما بداخلها (كما قالت)، وبدأت تجد نفسها منجذبة إلى تلك الطرق في العبادة، وإلى قيم الديانة الإسلامية، خاصة بعد أن توفي والدها السيد “كالودجيرو”، وهي في 13 من عمرها، وتفرقت السبل بها وبإخوتها فجأة، بعد أن فقدوا سقف الأمان الذي ظل يشكله والدهم، إثر الغياب المفاجئ والصادم والمؤلم لوالدتهم، حيث وجدت نفسها وحيدة رفقة شقيقها البكر “فرانشيسكو” الذي يكبرها بثلاث سنوات. ذلك الأخ الذي دفعته ظروف الحياة إلى أن يكبر قبل الأوان، ويصبح راعيها والمسؤول عنها وعن حمايتها، بصرامة لم تكن الفتاة “تيريزا” لتتقبلها دوما، ولا لتتحملها. خاصة وأنه كان متأثرا بالسلوك العنيف لأبناء أحد أعمامها، العاملين مثله في مجال إصلاح مواسير المياه (رصاص)، بحميتهم المتوسطية، وبالثقافة السلوكية للجنوب الإيطالي، خاصة الصقلية منها، حيث قيم العائلة، ووحدتها فقوق كل اعتبار، وحيث المجتمع متأسس على تربية سلوكية ذكورية صارمة، للرجل فيها الكلمة الأولى والأخيرة.

كانت نتيجة ذلك كله، هي أن الحياة قد قلبت ظهر المجن للفتاة التي كانتها السيدة فريدة منصور، وفي سن جد حرجة، هي بداية الإنتقال من الطفولة إلى المراهقة. ففي سنها تكون البنت في حاجة خاصة للأم، كسقف أمان موجه وحاضن، وتكون في حاجة إلى أب، كمثال للرجولة وظل يحمي من قيض الوقت، وقلق الطريق ومخاطر دروب الحياة. فكانت النتيجة، أن كبرت تلك الفتاة على تعلم أن الحياة مقاومة، وبشراسة وصرامة، من أجل استحقاق مكان لائق وآمن تحت الشمس مثل كل الناس. هذا جعلها تصبح عقلانية بدرجات كبيرة، وصارمة بدرجات عالية، وصريحة بدرجات لا حدود لها. لقد شكلت تلك المرحلة الصعبة من حياتها، أساس تكوين شخصيتها، التي عرفت بها إلى اليوم، حيث الحاجة فريدة منصور بألف رجل، وأنها كانت السند الهائل الذي منحه القدر لرجل عظيم وكبير مثل الوطني والمقاوم الصلب النزيه، محمد منصور. لأنه لا بد من الإعتراف، أنه في مكان ما، ما كان محمد منصور لينتصر في الكثير من محن الحياة (وكانت تجارب غير سهلة ولا يسيرة)، لولا أن ظهره كان مسنودا بقوة شخصية امرأة هي السيدة فريدة آكاردي منصور.

لنعد إلى مراحل فتوتها الصعبة تلك، في ما بين سنتي 1946 و 1947، التي واجهت فيها صروف الدهر بعزة نفس عالية.

كان والدها صديقا للعديد من المواطنين المغاربة بالمدينة القديمة، من ضمنهم والد الحاجة فاطمة التهامي، أول مولدة مغربية متخرجة من كليات الطب بالجزائر وفرنسا، الذي كان يعمل حارسا بالمدرسة الإيطالية المتفرعة عن القنصلية الإيطالية القديمة، التي درست فيها السيدة فريدة منصور، بالمناسبة، 3 سنوات من المرحلة ما قبل الإبتدائي، المبادئ الأولية للغة الإيطالية. مثلما أنه كان صديقا لمواطن مغربي آخر، سيصبح من مساعديه في مجال عمله السياحي كصاحب “كوتشي”، وكان له دور حاسم في حياة ابنته “تيريزا آكاردي”، هو السيد عبد الرحمان طلال (المعروف بعبد الرحمن الشتوكي، نسبة لانحداره من منطقة شتوكة بسهل دكالة ما بين مدينتي آزمور والجديدة)، الذي هو شقيق الفنانة التشكيلية المغربية الشهيرة، الشعيبية طلال. فهذا الأخير ستكون لها معه قصة فاصلة في حياتها كلها.

كانت الفتاة “تيريزا”، كما قلنا، قد بدأت تنجذب صوب الديانة الإسلامية، بفضل ما عاينته من سلوكات تربوية وعائلية ببيت “الحاج التازي”، فقررت البحث عمن يساعدها كي تصبح مسلمة. كان القرار واضحا في ذهنها ونهائيا، لا رجعة فيه. كانت في مكان ما، كما لو أنها قد وجدت أخيرا عائلتها الروحية، كما تستشف ذلك من طريقة حكيها اليوم عن تلك المرحلة الصعبة من حياتها. لم تجد أمامها سوى الإلتجاء إلى صديق والدها، الذي عمل لفترة مساعدا لديه في العمل، السيد عبد الرحمن طلال، حيث أبلغته قرارها اعتناق الإسلام. وبعد أن سألها عن مدى جدية قرارها ذاك ومدى إدراكها لتبعاته عليها، وتأكده أن قرارها نهائي، نصحها بالإلتحاق به في بيته العائلي، حيث أصبحت مقيمة مع زوجته وأبنائه بحي “درب بنجدية” الجديد حينها، دون علم شقيقها “فرانشيسكو”. هذا الأخير سيبحث عنها، لشهور، دون أن يهتدي إليها أبدا. كانت هي تخشى ردود فعله العنيفة، خاصة أنه قد أصبح يضربها أحيانا، ككل أخ بكر يتيم في 16 من عمره، يخاف على أخته الأصغر منه، التي هي في 13 من عمرها. بل إنه حدث أن زار أكثر من مرة بيت السيد عبد الرحمن طلال، أثناء فترات بحثه عنها تلك، دون أن يدرك أنها مقيمة بذات البيت خفية.

توجهت الفتاة “تيريزا” رفقة معيلها الجديد، عند القاضي بنخضرة (السلاوي) بالمدينة القديمة، رفقة مساعده السيد النتيفي، حيث قدمت إليه طلب رغبتها اعتناق الديانة الإسلامية. وبعد أن استعرض أمامها بتفصيل كل الشروط الواجبة لأجل ذلك، وإلحاحه في السؤال حول رغبتها الأكيدة والنهائية في تغيير ديانتها، حرر لها طلبا رسميا في الموضوع. بقيت هي تنتظر وتنتظر أسابيع طويلة، دون أن يتم استدعاؤها للنطق بالشهادتين ودخول الإسلام رسميا كما تقتضي ذلك الأمور الشرعية أمام قاض وإمام بالمسجد. وحين طالت المدة، وأعياها التوجه أكثر من مرة إلى مكتب القاضي “بنخضرة” بلا طائل، نصحها السيد عبد الرحمان طلال بالتوجه إلى الرباط لطلب مقابلة مع السلطان، بصفته أميرا للمؤمنين، محمد بن يوسف (الملك محمد الخامس بعد ذلك).

اتفقت معه، على أن يرافقها، هي التي لم تغادر قط الدار البيضاء، إلى محطة القطار ويركبها في رحلة الرباط. وأوصاها بصرامة، أنه حين تغادر محطة “الرباط المدينة”، وهي في 14 من عمرها، عليها أن لا تطلب المساعدة من أي أحد غير سيدة مسنة أو مواطنة فرنسية، حتى لا يطمع فيها أحد، وأن يكون السؤال هو توجيهها صوب مشور القصر الملكي غير البعيد مشيا على الأقدام من محطة القطار تلك. وكذلك كان، حيث ركبت القطار لأول مرة في حياتها، ونزلت بمحطة “الرباط المدينة” ذات صباح من صباحات سنة 1947. حين غادرت باب المحطة الرئيسي، أبهرت بضخامة الساحة المقابلة، وبكثرة الحركة وكثافة البشر، فوقفت تنتظر حتى لمحت عنصرا من عناصر الحرس الملكي ببدلته العسكرية الرسمية، فتوجهت صوبه وطلبت منه مساعدتها لمعرفة الطريق إلى القصر الملكي. فأشار بيده باتجاه اليمين قائلا لها “هل ترين ذلك القوس الكبير، هناك مدخل القصر الملكي” (كان يشير طبعا إلى مدخل “باب السفراء” الذي لا يزال متواجدا إلى اليوم، والذي لم تكن تحجبه حينها البنايات التي ارتفعت منذ نهاية الأربعينات هناك).

توجهت صوب المشور، الذي كان حينها عبارة عن ساحة فارغة كبيرة أمام الباب الرئيسي للقصر، عند مدخل “أهل فاس”، فتقدمت من أحد حراسه طالبة منه مقابلة السلطان، فأجابها أن عليها الإنتظار هناك بالخارج حتى يخرج جلالته ليزور أبناءه في سيارته الصغيرة “الدوشوفو” بالجناح المتضمن للمدرسة المولوية، وأن عليها التقدم حينها من سيارته وتقدم إليه طلبها وتعرض عليه حاجتها. كانت الأمور حينها (تقول السيدة فريدة منصور)، لا تتطلب كل الصرامة البروتوكولية التي أصبحت سائدة في عهد الإستقلال، خاصة في عهد الملك الحسن الثاني رحمه الله.

بقيت تنتظر، حتى خرج جلالته، فأشار إليها ذلك الحارس بالتقدم نحوه، فأسرعت صوبه طالبة من جلالته الإستماع إليها. توقف رحمه الله بسيارته وسألها حاجتها، فحكت له حكايتها مع القاضي “بنخضرة” ورغبتها في اعتناق الديانة الإسلامية، وأنها من أصول إيطالية وأنها مسيحية، فطلب منها جلالته انتظاره في مكانها حتى عودته.

مرت أكثر من ساعة، قبل أن يعود الملك من زيارته اليومية لأبنائه، ودخل بسيارته إلى القصر دون أن يتوقف. اعتقدت أنه ربما نسيها، لكن بعد لحظات خرج موظف من القصر ونادى عليها، طالبا منها أن تشرح له بالتفصيل مطالبها. فأعادت عليه قصتها، فقال لها: “إن جلالة الملك يسألك إن كان لك مكان تحتمين فيه؟”. فأجابته بأنها تقطن عند عائلة مغربية مسلمة وأنها تعاملها معاملة جد ممتازة. فطلب منها مرافقته، حيث أخدها معه إلى مكتب قاضي القضاة بالقصر الملكي، الذي سجلت مصالحه كل المعلومات المتعلقة بها وبطلبها، ثم منحها مبلغا ماليا بأمر من السلطان محمد بن يوسف وأمرها بالعودة إلى الدار البيضاء وانتظار الجواب.

error: Content is protected !!