اللغة العربية ليست في حاجة إلى جبهة للدفاع عنها..

هل يحبون اللغة العربية إلى درجة تشكيل جبهة للدفاع عنها ، أم هي لعبة سياسية جديدة لخلق البلبلة و الهروب إلى الأمام؟

 غسان باحو أمرسال

لا تحتاج اللغة العربية إلى جبهة من أجل الدفاع عليها . فالذي يدافع عنها هو الإبداع الثقافي و الأدبي الذي تزخر به الخزانات و المكتبات العربية عبر التاريخ ومختلف الأنشطة الثقافية التي يتم تنظيمها في هذا المجال. و أن الذي يحاول أن يعتبرها مرتبطة بلغة تدريس المواد العلمية، هو لا يسعى إلا إلى خلق زوبعة في فنجان ومحاولة حشد الهمم المناوءة للتطبيع مع الآخر في زمن العولمة لإثارة نعرات تتمترس خلف اللغة لخوض معركة سياسية غير مكلفة مادام أن السياسة في عصرنا الحاضر تدعو إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية للافراد و النهوض بالتنمية البشرية من أجل تحسين ظروف معيش الأفراد ، وهي كلها قضايا مكلفة من الناحية الفكرية و المادية و تتطلب إمكانيات ضخمة من أجل تحقيقها .
عن أية لغة عربية تريد أن تدافع جبهة الدفاع عن اللغة العربية ؟
هل لغة سيبويه ، أم لغة المتنبي ، أم لغة جرير ، أم لغة جبران خليل جبران أم لغة أدونيس ؟
ونحن الذين لم نشهد يوما دهانقة اللجنة يتحدثون في حواراتهم و لا عروضهم و لا مرافعاتهم باللغة العربية الأم . كل مداخلاتهم إما بالدارجة أو اللغة الفرنسية أو بلغة عربية منكسرة و أحيانا باللغة الأمازيغية متى كانوا في جبهة الدفاع عن الأمازيغية.
و نحن الذين لم نصادف أقطاب اللجنة في ملتقى أو مهرجان أدبي أو شعري أو بصدد دعم انتاج أدبي، طبعا بغض النظر عن بعض المساندين او الموقعين ممن لهم باع طويل في الانتاج الأدبي و أقحموا بإشعال فتيل الغيرة لديهم على اللغة العربية التي يعشقها جلنا، بعيدا عن اللعبة السياسية .
هل أزمة التعليم بالمغرب هي أزمة لغة عربية؟
لا أحد ومنذ الثمانينات كان يعتبر أن هاجس التعليم هو اللغة العربية . لم نسمع يوما بان أحدا من المغاربة عند تسلم النتائج الدراسية لإبنه يسأله عن نقطته في اللغة العربية أو التاريخ أو التربية الاسلامية أو الفلسفة . بل يسأله عن نقطته في الرياضيات و الفيزياء و العلوم الطبيعية و حتى اللغة الفرنسية التي يدعي اعضاء اللجنة أنهم مناهظوها . لم نسمع عن عائلات تفرغ جيوبها من أجل حصول أبنائهم على دروس إضافية في اللغة العربية أوأية مادة ادبية غير أبناء البعثات الفرنسية من أجل محو أمية أبنائهم في العربية .
كل الحاصلين على الباكلوريا بمعدلات كبيرة يتهافتون على كبريات المدارس الأجنبية و كبريات المدارس المغربية التي تدرس باللغة الفرنسية أو الإنجليزية.
بالله عليكم ، هل يحبون اللغة العربية إلى درجة تشكيل جبهة للدفاع عنها؟ أم هي لعبة سياسية جديدة لخلق البلبلة في الأذهان و الهروب إلى الأمام بعدما فشلت الحكومات الاسلامية في تدبير الشأن العام.
إن ما نحتاجه اليوم ، هو جبهة وطنية من أجل الدفاع عن جودة التعليم العمومي ، حتى يكون جيدا و منتجا لنخب حقيقية في شتى المجالات حتى اللغة العربية لمن يريد التخصص فيها.
لماذا يريد أصحاب اللجنة تحطيم طموح الشباب المغربي و طلبته من خلال عدم تمكينهم من الدراسة باللغات التي ستمكنهم من الإطلاع على الابحاث و المراجع الاجنبية التي هي ديدن البحث العلمي.
العالم المغربي رشيد اليزمي، ينحدر من قرية آولاد آزام في نواحي مدينة تاونات المغربية تخرج من معهد “Grenoble INP” بدرجة مهندس في الكيمياء الكهربائية. أنجز اليزمي أطروحة الدكتوراة، في مختبر تابع للمركز المغربي الفرنسي للبحث العلمي، في علم المواد، حول دمج الليثيوم بالغرافيت، عبر استعمال تقنية التحليل الكهربائي للأجسام الصلبة، عوض السائلة، كما كان سائدا. مما شكل قاعدة مهمة لأعماله اللاحقة التي مكنت من تطوير بطاريات اللليثيوم لتكون قابلة للشحن.
فأين اللغة العربية من كل هذا المسار الدراسي لهذا الرجل ؟
العالم المصري أحمد زويل رحمه الله ، كان عالم كيمياء مصري أمريكي حاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لسنة 1999 لأبحاثه في مجال كيمياء الفيمتو، حيث قام باختراع ميكروسكوب يقوم بتصوير أشعة الليزر في زمن مقداره فمتوثانية، وهكذا يمكن رؤية الجزيئات أثناء التفاعلات الكيميائية، ويعتبر هو رائد علم كيمياء الفيمتو، ولقب بـ”أبو كيمياء الفيمتو”، وكان أستاذ الكيمياء وأستاذ الفيزياء في معهد كاليفورنيا للتقنية.
فأين اللغة العربية من كل هذا المسار الدراسي لهذا الرجل ؟
إنهم علماء حصلوا على شواهدهم العليا و قاموا باختراعاتهم في جامعات الغرب الذي يرفض أصحاب الجبهة رفض التطبيع معه لغويا ، و إن كانوا يعشقون التطبيع معه ماديا بالاستفاذة من مؤتمراته و دراساته و سفرياتهم إليه متى اشتاقوا إلى معانقة الحريات الفردية.
يا سادتي الكرام ، مع احترام مراكزكم و مقاماتكم ، أختم بقول أمير الشعراء في عصرنا الحالي ، ثميم البرغوثي :
كُفّوا لسـانَ المراثـي إنها تَـرَفُ عن سائرِ المـوتِ هذا المـوتُ يختلفُ
وضَمّـِدُوا النخلَ سَبـْعاً إنه زمـنٌ للحرب لا السِّلْمِ فيه يُرْفَعُ السّـَعَفُ
ضَـلَّ الكَـلامُ وضَلَّ المهـتدونَ به إن الصـفاتِ خِيـاناتٌ لمـا تَصِـفُ
المـرءُ سـِرٌّّ ووَجْـهُ المَرْءِ يـكتُمُهُ تَحتـارُ هَلْ عرفوا أم بَعْـدُ ما عرفوا
تُخْبِـرُهم فَتَرى في صمـتهم خَدَراً كالشيـخِ عَزَّاهُ عن قَتْـلِ اْبْنِهِ الخَرَفُ
إن يصـبروا لا تُصَدِّقْ أنهم صَبَرُوا أو يضـعفوا لا تُصَـدِّقْ أنهم ضَعُفُوا
يا من تصيـحونَ يا وَيْلِي ويا لَهَفِي واللهِ لم يـأْتِ بعدُ الوَيْـلُ واللَهَـفُ
هذِي المصـيبةُ لا يرقى الحِـدادُ لها لا كـربلاءُ رَأَتْ هـذا ولا النَّجَـفُ

يا سادتي نحن بحاجة ليس إلى جبهة وطنية للدفاع عن اللغة العربية بل بحاجة إلى لحمة وطنية لإنقاذ البلد مما تتخبط فيه من مشاكل الصحة و الشغل و التعليم و العنف بشتى أنواعه ، لحمة وطنية ضد الإبتذال و قلة الذوق .
يا سادتي ، والله إننا نحب اللغة العربية ، لكن نحب أيضا أن لا يتيه أبناء هذا الوطن في دروب البحث العلمي وهم غير مسلحين بأدواتها.

error: Content is protected !!