نص مذكرة “مركز دراسات حقوق الانسان والديمقراطية” من أجل عدم الانضمام إلى “عهد حقوق الطفل في الإسلام “

أنوار بريس

 

حصلت “أنوار بريس” على نسخة من المذكرة الموجهة من طرف “مركز دراسات حقوق الانسان والديمقراطية” إلى السلطات المغربية والمؤسسات الوطنية المعنية، والأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، من أجل “مواصلة الترافع من أجل عدم الانضمام إلى “عهد حقوق الطفل في الإسلام ” الذي تقدمت الحكومة بمشروع القانون 19/58 قصد إطلاق مسار المصادقة عليه”، وذلك “لتعارضه مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان ومع مقتضيات الدستور ذات الصلة”، بحسب بلاغ للمركز.

 نص المذكرة

“سبق لمركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية أن عبر، من خلال بلاغ أولي صادر يوم 21 غشت 2019، عن انشغاله وقلقه من إدراج الحكومة ضمن جدول أعمال مجلسها موضوع انضمام المغرب إلى عهد حقوق الطفل في الإسلام الذي اعتمدته منظمة التعاون الإسلامي سنة 2005. وقد وافق مجلس الحكومة خلال اجتماعه يوم 22 غشت 2019 على مشروع القانون 19-58 الذي يوافق على العهد المذكور، علما أن مسار الانضمام يستوجب مصادقة المجلس الوزراي والبرلمان.

وإذ يسجل المركز باعتزاز التفاعل والانشغال الذي لقيه بلاغ المركز في الموضوع لدى عدد من المنظمات الحقوقية وطنيا ودوليا، وفي وسائل الإعلام ولدى بعض الأحزاب السياسية ومؤسسات وطنية وشخصيات حقوقية، فإنه يواصل مساهمته من خلال هذه المذكرة، في الترافع لدى مختلف الأطراف المعنية، سواء مكونات الحكومة أو الفرق البرلمانية، واللجن المعنية داخل البرلمان بكل من المجلسين، والأحزاب السياسية والمنظمات النقابية وغيرها، كما يأمل أن تنخرط منظمات المجتمع المدني والحركة الحقوقية بقوة في هذه المحطة.

1 – إن مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية يتساءل مجددا عن دواعي وحيثيات هذه المبادرة التي لا تتماشى والتوجه الذي سار عليه المغرب من خلال مصادقته على كل الاتفاقيات الدولية التي تشكل النواة الصلبة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما فيها اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها في صيف 1993، وكانت منطلقا لإحداث المرصد الوطني لحقوق الطفل الذي ساهم، مع منظمات المجتمع المدني، بشكل فاعل، في تطوير التشريع وتوسيع نطاق الاهتمام والانشغال بقضايا الطفولة، ضمن السياسات والبرامج العمومية، والنهوض بالشراكات والتعاون مع الفاعلين المدنيين، ومع المنظمات الدولية والوكالات الأممية، خاصة اليونيسيف.

وفي هذا السياق، وكتتويج لهذا المسار الواسع من الإصلاحات ذات الصلة المباشرة أو غير المباشرة بحماية الطفولة، أكد تصدير دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على أنه “وإدراكا منها لضرورة تقوية الدور الذي تضطلع به على الصعيد الدولي، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم”. كما نصت أيضا على أنها تؤكد وتلتزم بــــــ ” حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء” مع ” حظر ومكافحةكل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان” و”جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة“.

إن هذا الاختيار الذي اعتمده المغرب يتماشى والتزاماته الدولية ومقتضيات اتفاقية حقوق الطفل نفسها التي بعد أن عرفت الطفل بأنه ” كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المطبق عليه” (المادة الأولى)، نصت في المادة الثانية على أن تحترم الدول “الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز…”، على أن “يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى” في “جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال” (المادة الثالثة).

2- إن العهد المذكور، لا يمكن، من زاوية حقوق الإنسان، اعتباره مرجعا حقوقيا، بل إن تسميته الأصح قد تكون هي عهد حقوق الطفل المسلم من وجهة نظر خاصة في قراءتها من طرف واضعيه. إن مجرد التخصيص لفئة معينة بناء على خلفية دينية يقوم على تمييز لا يستقيم ضمن منظومة حقوق الإنسان التي تؤكد على أنها حقوق كونية تهم جميع البشر بغض النظر عن جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو أصلهم الاجتماعي أو غير ذلك (المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).

يضاف إلى ذلك أن العهد المذكور لا ينتمي لنظام إقليمي لحماية حقوق الإنسان، على غرار الأنظمة الأوربية والأمريكية والإفريقية المعترف بها عالميا، والتي، من خلال صكوكها المعيارية وآلياتها لمراقبة احترام مقتضياتها، تعتمد المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بل إن بعضها يذهب إلى أبعد من هذه الأخيرة في بعض قضايا حقوق الإنسان. وهذه الخصائص لا تتوفر قطعا في العهد المذكور، بل إن هذا الأخير لم يحظ لحد الآن إلا بعدد قليل جدا من توقيعات ومصادقات أو انضمامات الدول الأعضاء في المنظمة المذكورة نفسها.

3 – إن تعبيرات “ما لا يتعارض والشريعة” و”قواعد الشريعة” و “الحلال والحرام “المستعملة في مواد العهد لا علاقة لها بالمبادئ والمعايير والأهداف التي تؤطر منظومة حقوق الإنسان المكرسة دستوريا وفي الصكوك والوثائق الأممية ذات الصلة، فضلا عن أنها من الناحية السياسية والتشريعية تحيل على تعدد القراءات للشريعة بين بلدان لها مسارات تاريخية ونظم سياسية مختلفة (مثلا بين البلدان المغاربية وبلدان من المشرق، بين بلدان عربية إسلامية وبلدان إسلامية غير عربية..).

وانطلاقا من تلك الخلفية، نص العهد المذكور على إبقاء العديد من الحقوق المكفولة للطفل بموجب الاتفاقيات الدولية، رهينة بمدى اتفاقها مع قواعد الشريعة، هذا ما ينطبق على حقه في تكوين أرائه والتعبير عنها ” بما لا يتعارض مع الشريعة وقواعد السلوك” (المادة التاسعة، فقرة 1) أو ” الحق في احترام حياته الخاصة، ومع ذلك فللوالدين، ولمن يمثله شرعا، ممارسة إشراف إسلامي إنساني على سلوك الطفل”، (نفس المادة” الفقرة 2) أو “الحق في تكوين أو الانضمام لأي تجمع مدني سلمي بما يتفق والقواعد الشرعية..” (المادة العاشرة).

بل إن المادة الثانية عشرة المخصصة للتعليم والثقافة، تصل إلى حد جعل الدول مطالبة بتوفير ” حق الطفل في اللباس الذي يوافق معتقداته مع الالتزام بالشريعة الإسلامية والآداب العامة ولا يخدش الحياء”! (المادة 12-د) إلى جانب “حق الطفل المقارب للبلوغ في الحصول على الثقافة الجنسية الصحيحة المميزة بين الحلال والحرام”، (المادة 12-3). و”حق الطفل الذكر في الختان” (المادة 15-5)، إضافة إلى اتخاذ الدول الأطراف التدابير اللازمة لحماية الطفل من ” التأثير الثقافي والفكري والإعلامي والاتصالاتي المخالف للشريعة الإسلامية…” (المادة 17-4).

إن هذه الأمثلة تبرز بما لا يدع مجالا للشك بأن الوثيقة المذكورة تقيد حقوق الطفل بما لا يتماشى والمنظومة الكونية لحقوق الإنسان والالتزامات الدولية واختيارات المملكة المغربية في هذا المجال، بشكل عام، وفي مجال حقوق الطفل بشكل خاص. كما أنها قد تساهم في خلق غموض والتباس لدى مختلف فئات المجتمع فيما يخص الالتزامات الدولية للمملكة المغربية وتشريعاتها وسياساتها العمومية المتعلقة بالموضوع؛ مما لا يمكنه بتاتا أن يخدم تقدم حقوق الإنسان وترسيخ ثقافتها في أوساط المجتمع لدى الأطراف المعنية، بما فيها مؤسسات الدولة.

أما في ما يخص باقي الحقوق المطلوبة للطفل فإن الوثيقة لا تضيف أي شيء ما عدا اخضاع هذه الحقوق لقراءة معينة وبصيغ فضاضة لا تعرف مرجع الإحالة في تعدد التجارب والقراءات والنظم في الدول الإسلامية نفسها.
وتجدر الإشارة إلى أنه فيما يتعلق برصد أو مراقبة تنفيذ واحترام مقتضيات هذا العهد، ينص هذا الأخير على إحداث آلية غريبة عن الآليات والإجراءات الدولية والإقليمية، بحيث تقضي (المادة 24) منه بإنشاء “اللجنة الاسلامية لحقوق الطفل” التي تتألف “من ممثلي جميع الدول الأطراف وتجتمع مرة كل سنتين ” لبحث التطور الذي تم إحرازه في تنفيذ العهد” (بناء على ماذا؟!)؛ وهكذا تصبح الدول أطرافا وحكما وفق العهد المذكور، وهو ما لا تستوعبه المنظومة الأممية والمنظومات الإقليمية لحقوق الإنسان، وكذا ممارسات الدول الاتفاقية عبر العالم، وخاصة فيما يتعلق بطبيعة آليات الرصد والمراقبة التي تتفاعل معها منذ منتصف ستينات القرن الماضي.

4-. إن اعتماد هذه الوثيقة، التي لا زلنا نتساءل مجددا عن حيثيات وجدوى إقحامها في هذا الظرف، يطرح سؤال مدى مكانتها – إن تم الانضمام إليها – في المنظومة القانونية لبلادنا، وإذا ما لم تكن لها أية أولوية أو أسبقية أو قيمة مضافة بالنسبة لاتفاقية حقوق الطفل المصادق عليها في الأمم المتحدة، فلماذا اعتمادها إذن وما جدوى الإلحاح على ذلك؟
إن هذا التوجه الجديد، يدعو إلى التخوف من أن يشكل مدخلا لخرق مبدأ عدم التراجع (Principe de non régression) عن الالتزامات الدولية أو مقتضيات التشريعات الوطنية بصورة تضر بالمكتسبات المحققة، مهما كانت المبررات التي قد يتم التذرع بها. لقد تم تكريس هذا المبدأ في العديد من الصكوك والوثائق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، منها على سبيل المثال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذا في بعض التعليقات العامة التفسيرية الصادرة عن لجنة رصد احترام كل منهما. وكرست نفس المبدأ المنظومة الأوربية والأمريكية لحقوق الإنسان من خلال اجتهادات المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، واجتهادات كل من اللجنة الامريكية لحقوق الإنسان والمحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان، كما تم اعتماده كذلك في الصكوك الدولية المتعلقة بحماية البيئة، بما فيها القانون الدولي الاتفاقي للبيئة.

لذلك نجدد ملتمسنا بإيقاف مسلسل الانضمام الذي لا يفيد ما راكمته التجربة المغربية، بل سيكون ضارا بها، كما هو الحال بالنسبة للعديد من القضايا المثارة حاليا على مستوى الساحة الوطنية، ومنها قضية الإجهاض الذي هو “محظور” بموجب المادة السادسة من هذا العهد. والحال أن هذا الموضوع، سبق وأن أثار جدلا واسعا وتمت إحالته سابقا على المجلس الوطني لحقوق الإنسان ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزارة الصحة ووزارة العدل، قصد فتح حوار موسع مع ذوي الاختصاص ومع هيئات العلماء والمجتمع المدني وغيرها من الأطراف المعنية، وقد تم تقديم مقترحات وتوصيات بشأن معالجته.

إن ملتمسنا يتوخى ضمان الانسجام في سياسية الدولة والتزاماتها، والمقتضيات المنظمة للحياة العامة بما يخدم تقدم بلدنا ومواصلة تراكم البناء في مجال حقوق الإنسان. كما أننا ندعو إلى احترام الأدوار المؤسساتية وتكامل الأداء، بما يخدم الأهداف المشار إليها، وهذا ما لم نلمسه في هذه النازلة، بحيث أنه لم تتم إحالة العهد المذكور على المجلس الوطني لحقوق الإنسان قصد إبداء الرأي كما تنص على ذلك المادة 27 من القانون الجديد المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان: ” تحيل السلطات المختصة إلى المجلس مشاريع المعاهدات الدولية المتعلقة لحقوق الإنسان قصد إبداء الرأي بشأنها“.

إن الالتزامات الدولية لبلادنا هي أرقى ما توصل إليه الفكر الإنساني بما يصون المصلحة الفضلى للطفل وحقوقه، ولا داعي للتشويش على هذه الالتزامات بالانخراط في ديناميات أدنى من حيث ما تضمنه للطفل من حقوق وحريات وكرامة. وما قد يكون لها من انعكاسات على الاجتهادات الفقهية والقضائية والتشريعية ذات الصلة. إن المطلوب هو أن نواصل ملاءمة تشريعاتنا مع التزاماتنا الدولية، بروح بناءة، وبصورة مضطردة تقوي ركائز منظومة دولة القانون وتبلور السياسات العمومية الناجعة والفعالة، لترجمة هذه الاختيارات والالتزامات على أرض الواقع”.

الرباط: 20 شتنبر 2019
(الصورة: الحبيب بلكوش، رئيس مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية)
error: Content is protected !!