فيلم “أجساد” لبلال هشام.. فكرة وجودية حول “وهم” الخلود و”التصالح” مع الفناء

المصطفى زيان (°)

 

   فيلم “أجساد”، لمخرجه بلال هشام (°°)، عبارة عن شريط وثائقي، حصل على عدة جوائز، ويندرج ضمن قائمة الفيلم القصير، ومضمونه غني بأحداث يناقش بناؤها الأفقي والعمودي تيمات عن الفلسفة الوجودية، وعنوانه (أجساد) اختيار موفق انطلق من صميم موضوع يطرح أسئلة الحياة الضخمة، حيث الأجساد لا معنى لها بلا روح، وأشبه بأشكال أواني طينية، ألعاب خزفية، مجسمات صوامع وبنيان مهجور.. فالخلق والإبداع يبقى ببقاء أهميته كالروح للجسد..

   بلال هشام، حاول في “أجساد” تناول قضايا حتمية كالبداية والنهاية، لتجاوز وهم الخلود والتصالح مع فكرة الفناء، إذ إنكار الموت إنما هو إنكار للحياة، وهذه التيمة الغالبة تناولها الفيلم من عدة زوايا، فلسفية ودينية وحسب أساطير المعتقد الشعبي، فمعناه أولا أن الإنسان تتجاذبه قوى الخير والشر، ونزعات الحب واللاحب، في حين عمر الإنسان مرتبط بورقةِ شجرةٍ تنمو في المجهول ثم تسقط فيجف ماؤها فتموت فتعود ترابا.

   أما على مستوى زاوية الدين، فالإنسان، برأي الفيلم، خُلق من وهن، من طين (تراب + ماء)، ومآله الفناء، والرسول محمد (ص) توفى، و متوسط حياة الإنسان بين 50 و 60 سنة، ومن زاوية الفلسفة، فالمخرج استحضر التصور الفلسفي لابن خلدون حول دورة الدول والعمران التي يلخصها قوله: ما طار طائر إلا كما طار وقع، فمدينة فاس عاصمة الأدارسة كانت من العواصم العالمية والعلمية.. فأضحت اليوم في عداد المآثر التاريخية؛ بعض البنايات التي كانت ذات قيمة وشأن وأضرحة، وتنبض بالحيوية، أصبحت مع طول الزمن مجرد أطلال للذكرى، مهجورة ومطارح للنفايات.

   فيلم “أجساد” (مدته 23 دقيقة)، ينطلق من منتزه بماء وخضرة وينتهي في مقبرة!، في ذلك المنتزه الجميل يقف أحد أبطال الحياة، ومقامه هناك كان عابرا، لننتقل معه إلى الدار التي يُقيم فيها، وهي عبارة عن حفر من الطين، بجوارها أفران النار للتجفيف، وهناك في الهامش..! حفرة الطين، هي مقام أمامه دولبٌ يدور كأهم جزء من ورشة صناعة الفخار، كؤوس للشرب، جِرار الماء، طعارج الاحتفال بعاشوراء، (الماء رمز الحياة وعاشوراء فرحة عابرة)، هذه الأواني الفخارية بما تحمل من دلالات خلق الإنسان من طين، فالتراب والماء هو الطين/ الوهن.

    وهناك في الفيلم الصانع التقليدي، وهو الذي يعطي للطين الشكل الذي يريد، فتصير قيمة مادية للتراب ينال عنها أجرا في السوق، والورش ينتج أشكالا سليمة، وبعضها يشقق وبعضها يصاب بعطب ما (حسب نضج الطين و إعداده..)، اختلاف ألوان بشرة الإنسان كالخزف، المداد الأسود الموشوم على الكؤوس كالخطايا على جسم الإنسان، اجترارها إدمان والتوبة السريعة كالصانع يغسل يديه بالماء فور انتهائه من عمله، (هناك علاقة فلسفية مترابطة بين الصورة والبوح لإنتاج المعنى..).

    بلال هشام في فيلمه الوثائقي اختار أبطالا حقيقيين من الرجال، بأجساد نحيلة تروض الطين، توقد تؤجج نار الأفران، تكسر الطوب، تصب الماء عليه (يظهر أطفال وتلاميذ بهندام مرتب بما يرمز لدور الأم في المنزل..) تتعدد استعمالات الطين في البناء والخزف.. وكل تلك الصناعة صارت تصارع لأجل البقاء بالكاد، تضمن عيشة بمبدأ الكفاف والغنى عن الناس، وعلى رأي الموروث الشعبي: “الصنعة إلا ما اغنات تستر واقيلا اتزيد فالعمر”، الحرفيون في الأوراش غير منقطعين عن العالم الخارجي بل هناك من يروي أحداثا وقعت في الماضي بطرافة، نرى أنها ترقى في تناولها إلى نوع من الكوميديا السوداء.

   الصانع يروي أحداثا حقيقية من خياله، فيوم الجمعة ليس للاحتجاج فهو يوم عطلة للاستحمام والذهاب للصلاة والترحم على الأموات في المقابر، فالربح المنشود بعد الدنيا هو لقاء وجه الله، فذلك اليوم يقول أنه بالكاد أنهى مشواره، دخل لبيته لينام فسمع خبر الأحداث وأصوات طلقات لكنها ليست رصاصا حقيقيا، بل مجرد طلقات ألعاب عاشوراء، فصناعة “الطعريجة” في شكلها الخزفي لا تنتهي دون أن تمر بلمسة دار الدباغ لتثبيت قطعة جلدية على الخزف، ولا يكون لشكلها معنى أو روحا إلا بالقرع في الاحتفال.

    والبعد الإيحائي هنا يرمز إلى مآل الحراك الذي تأجج بجامعة ظهر المهراز خلال تسعينيات القرن الماضي بتدافع اليسار واليمين (فأصيب من أصيب في ساحة الخزف..) ذلك التدافع مآله أن يصل أحد أبطاله إلى الحكومة فيخرج منها بتجربة.. جرّة الماء المعطوبة لا يصلحها الترقيع: “الجرة جرتها جرة”، إصلاح المرمي في الهامش لا يجدده إلا ميلاد شكل جديد، فالطين يحتاج لنضج، الخزف المعطوب أو عند انكساره ولو في الورش لا يُرمم بل يُلقى في إحدى الهوامش والزوايا.. الترميم يُظهر ما تكسر قبيحا.. يُعبر أحد الحرفين باقتضاب شديد (كل شيء نعرفه ونتجاوز بالنسيان)..

   والمؤكد أن “أجساد” فكرة صعبة الانتقاء والإخراج، الشكل النهائي يعكس قيمة الجهد المبذول، هذا الفيلم القصير يقف على حضارة عمرت لقرون، ويلخص مشاهد عابرة من الدنيا، مآل التراب للتراب، ينقلنا سريعا بين أوراش الطين وأفران التجفيف وسماء فاس القديمة بصوامعها العريقة وأضرحتها ومساجد يظهر جيرها الناصع البياض بطبقاته المتعاقبة جيلا بعد جيل، طيور تحلق عاليا وتعود لأوكارها على أبواب المساجد، شيوخ يستعدون للرحيل وآخرون يدعون بالرحمة على حواف المقابر بمدن الأموات، وكأن تلك المجسمات (أجساد) فيها ما يُذكرنا بالرحيل/ الفناء الحتمي بالمشهد الختامي المبتور بالنهايات.

(°) ناشط جمعوي وناقد
(°°) جمعية “أغورا للإبداع”، بخنيفرة، دشنت موسمها الثقافي بعرض ومناقشة الفيلم، مساء السبت 2 نونبر 2019، بفضاء المركز الثقافي أبو القاسم الزياني.
error: Content is protected !!